فصل: قال في "الروض" وكانت حارة تاورا التي هى أقرب الحوائر إلى المدينة الآن يشقها وادى فلفل ديارها على ضفتيه شرقا وغربا، والغراسات بها وبسائر الحوائر متصلة بالديار، وبتاورا أرحاء كثيرة كان أكثرها يحتوي على أربعة أحجار، وكان من جملتها بيت واحد للزغابشة يحتوي على خمسة أحجار، وكان فيها حمامان اثنان، أحدهما منسوب للزغابشة والثانى للمختص يعرف بحمام أبى الخيار بإزائه عين كبيرة تنسب كذلك لأبي الخيار، ماؤها عذب معين صاف تُسقى به طائفة كبيرة من أملاك تاورا، ومن أملاك من تحتها، وكانت حارة تاورا تنقسم أقساما: قسم يقال له: بنو عيسى ديارهم بالضفة الغربية من الوادي يذكر أنهم أصل بني زغبوش، لكن لا تعلم صحة ذلك، غير أنهم كانوا يجدون في بعض العقود القديمة نسبتهم إلى عيسى بلفظ فلان بن فلان العيسوي، ويستدلون بذلك على أن بني زغبوش من بني عيسى، والله تعالى أعلم (١).
وقسم بالضفة المذكورة قبله من بني عيسى يقال له بنو يونس ويسمى أيضا هذا القسم تاورا الفوقية، وبهذا القسم كان المسجد الجامع، وبين هذين القسمين موضع عال جدا يعرف بالجهنمية، وقسم بالضفة المذكورة يقال له: فاس الصغيرة، كأنها سميت بذلك لاختراق الماء خلالها كمدينة فاس، وبالضفة الشرقية من الوادي قسم يقال له الجنان الصغير، وقسم يسمى بني أبي نواس، وقسم يسمى حارة بنى زغبوش، وحارة الزغابشة، وثم كانت ديار بني محمد بن حماد وغيرهم، وكان ببني زياد حمام وببني مروان حمام يعمران، وكان ببني موسى حمام تعطل قبلهما والله تعالى أعلم. من خطه (٢).
قلت: أما الحارة فكل محلة دنت منازلها كما في "القاموس" (٣) وهو معنى قول "المصباح" الحارة المحلة تتصل منازلها، والجمع حارات.
وأما حوائر المعبر به في "الروض" فهو جمع لحائر وهو كما في شرح "القاموس" عن أبى حنيفة المكان الطمئن الوسط المرتفع الحروف، ومن ذلك سموا البستان (٤) بالحائر. هـ.
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥٧.
(٢) الروض الهتون - ص ٥٨.
(٣) القاموس (ح ي ر).
(٤) القاموس (ح ي ر) وانظر لذلك أيضًا: المعجم الوسيط.
[ ١ / ٨٣ ]
وهو منطبق تمام الانطباق على موقع تاورا الطبيعي، فإنها مطمئنة الوسط مرتفعة الجوانب من جهاتها الأربع كالحياض، يسبب لوسطها مسيل ماء الأمطار ضرورة كانت ذات بساتين متعددة تتصل كل دار ببستان كحالة دور سكان الأروى الإسماعيلي ونواحيه في عصرنا الحاضر.
وحارة تاورا المذكورة وما عطف عليها هي الكائنة شرقا عن يمين الذاهب لزرهون الخارج من باب البراذعيين والحوائر الأخرى عن يساره غربا.
وأما الخارج من باب تريمي الصغيرة أحد أبواب المدينة اليوم وقيدنا بالصغيرة احترازا عن تريمي الكبيرة القصبة الشهيرة الكثيرة السكان الكائنة داخل باب البراذعيين المحدث فيها اليوم الباب الذي أعد لدخول البقر عند إيابه من المسارح فتبقى الحوائر التاورية وما عطف عليها عن يساره.
وجميع تلك الحوائر لا يعرف اليوم إلا بتاورا، إلا حارة بني موسى فإنها لازالت معروفة باسمها القديم والطريق المارة لزرهون فاصلة بين حوائر تاورا وحوائر بني موسى، وغراسات تلك الحوائر والبساتين الزيتون والتفاح وأنواع الإجاص (١) والسفرجل (٢) والرومان والخوخ وأنواع كثيرة من التين لا تكاد توجد في غيرها والمشمش والبرقوق والعنب والتوت الشهي، والليم (٣).
وقد عفت تلك الحوائر ودرست الأطلال والرسوم، ولم يبق لهذا العهد بالمدينة لنسل سكان تلك الحوائر أثر غير بني حموش المعروفين في الزمن الحاضر بالحمامشة، فإنه لا زال البعض موجودا أعرف واحدا منهم يتعاطي خطة العدالة،
_________________
(١) الإجاص: شجر من الفصيلة الوردية، ثمره حلو لذيذ، يطلق في سورية وفلسطين وسيناء على الكمثرى وشجرها، وكان يطلق في مصر على البرقوق وشجره.
(٢) السفرجل: شجر مثمر من الفصيلة الوردية.
(٣) الليم: الليمون.
[ ١ / ٨٤ ]
وغير زغبوش المدعوين اليوم بالزغابشة فإن بقية نسلهم موجود بالمدينة اليوم على قلة وما لغيرهما من باقي تلك الشعب والقبائل من بقية فالبقاء لله وحده وكل شيء هالك إلا وجهه، وسنأتي بعد إن شاء الله تعالى على بيان وقت تخريب هذه الحوائر ورجوع العمارة إليها ثم انقطاعها عنها بالكلية.
ومن الحوائر والبساتين الشهيرة في هذه الأعصر بضفتي تاورا: البستان المعروف بعرصة النصراني ولم أدر ما وجه هذه الإضافة وابن شملاك وابن العلام والقادرية وخواش والنجار والحارة وبوخيار ولا زال جل ما ذكر يسقى من وادي أبي العمائر، وبعضها يسقى من عين أبي الخيار المارة الذكر، ولا زال ماؤها العذب المعين يتدفق، وهي إحدى المواضع التي أعدت لغسل الصوف والثياب بعد منع ذلك وإزالته من عيون أبي العمائر السالفة الذكر، كما يسقى أيضا بعض الحوائر المشار لها بماء عيني الغولة وعرصة النصراني وأيس بالكثير ماؤهما ولا يوجد بتاورا اليوم من العيون غير ما ذكر.
ومن أشهر حوائر بني موسى في العصر الحاضر: جنان العريفة ومولاي زيان والظاهر، وبهذه البساتن عيون منهمرة بالعذب الزلال مبنية عليها الصهاريج المهمة تسقي منها غراساتها كما تسقي كغيرها من الساقية المرعوفة بقشمارة -بفتح القاف وسكون الشين المعجمة وفتح الميم المشبعة وتشديد الراء مفتوحة بعدها هاء وماء هذه الساقية يخرج من ماء أودية المدينة المضاف ويسقي أيضا بعض تلك الأجنة بماء عيون حربل -بفتح الحاء المهملة وسكون الراء- النابعة أسفل قصبة تولال خارج باب سيدي سعيد أحد أبواب المدينة كما سيمر بك بحول الله.
تنبيه: قد سبق ابن غازي إلى وصف هذه الحوائر الإدريسي في "نزهة المشتاق" فقال: مكناسة مدائن عدة وهي في طريق سلا ومدينة مكناسة هي المسماة
[ ١ / ٨٥ ]
تاقررت (١) وهي الآن باقية على حالها لم يدركها كبير تغيير، وهي مدينة حسنة مرتفعة على الأرض يجري في (٢) شرقيها نهر صغير له أرحاء وتتصل بها عمارات وجنات وزروع، وأرضها طيبة، ولها مكاسب وأموال طائلة، ومكناسة سميت باسم مكناس البربري لما نزلها مع بنيه عند حلولهم المغرب، وأقطع (٣) لكل ابن من بنيه بقعة يعمرها مع ولده، وكل هذه المواضع التي أحلهم بها تتقارب وتتجاور أمكنتها، وبلاد مكناسة منها التي تعرف ببني زياد وهي مدينة عامرة لها أسواق عامرة وحمامات وديار حسنة والمياه تخترق أزقتها، ولم يكن في أيام الملثم بعد تاقررت أعمر قطرا من بني زياد، وبينهما نحو من ربع ميل، ومنها إلى بني تاورا وتاقررت نحو ذلك وكانت مدينة تاورا (٤) متحضرة جامعة غامرة وأسواقها كثيرة والصناعات بها نافقة، والنعم والفواكه لا تقضى بها حاجة -أي لكثرتها ورخصتها- والماء يأتيها من جنوبها من نهر كبير فينقسم في أعلاها ويمر ما انقسم هناك من المياه فيخترق جميع أزقتها وشوارعها وأكثر دورها (٥).
وبين تاورا وبني زياد مدينتان صغيرتان إحداهما القصر وهي مدينة صغيرة في الطريق من تاقررت إلى السوق القديمة على رميتي سهم، وهذه المدينة بناها أمير من أمراء الملثمين وجعل لها سورا حصينا وبني بها قصرا حصينا ولم تكن بها أسواق كثيرة، ولا طائل تجارات، وإنما كان ذلك الأمير يسكنها مع جلة بني عمه والمدينة الأخرى في شرقي هذه تعرف ببني عطوش، وهي ديار متصلة وعمارات في بساتين لهم هناك، ولهم أشجار وغلات وزيتون كثير وشجر تين وأعناب وفواكه جمة وكل ذلك بها رخيص (٦).
_________________
(١) في المطبوع: "تاكرارت" والمثبت في نزهة المشتاق ١/ ٢٤٤، التي ينقل عنها المصنف.
(٢) في المطبوع: "على" والمثبت رواية نزهة المشتاق.
(٣) في المطبوع: "اواقتطع" والمثبت رواية نزهة المشتاق.
(٤) في نزهة المشتاق: "تاورة".
(٥) نزهة المشتاق ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٦) نزهة المشتاق ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٨٦ ]
وأسفل هذه المنازل على مجرى الماء الذي يأتي من بني عطوش قبيلة بني برنوس من مكناسة، وهي في منازل وديار ومزارع وكروم وعمارات وزيتون كثير وفواكه تباع بالثمن اليسير، وفي شمال قصر أبي موسى سوق يقصد إليها في كل يوم خميس يجتمع إليه جميع قبائل بني مكناس وتسمى السوق القديمة، ومن قبائل بني مكناس المجاورة لهذه البلاد بنو سعيد وبنو موسى ويسكنها من غير قبائل مكناسة، بنو يسيل، ومغيلة، وبنو مصمود، وبنو على، وورياغل، ودمرو، وأَوْرَبَة (١)، وسبغاوة (٢).
فقوله مدائن عدة قد سمى منها بعد تاقررت وبني زياد وتاورا والقصر أي المعنون عنه سابقا بالحصن وبني عطوش، وقد بين تقارب بعضها من بعض بأن بين واحدة والأخرى نحو ربع ميل، وبعد أن وصف بني زياد وتاورا بذلك بين أن مدينتي الحصن وبني عطوش واقعتان بينهما، فيكون تباعد هذين المدينتين فيما بينهما وفيما بين ما هما واقعتان بينه أقل من ذلك بكثير، وأنت تراه قد وصف العامر والغامر من هذه المدن ولم يعد منها مدينة وَلِيلَي، مع كونها لو كانت من مكناسة عنده لكانت أولى بالتوصيف من جميع ما ذكر لما تقدم من قدمها، وأنها مدينة أزلية، وأنها حاضرة البلاد، فدل ذلك على أنه لا يراها منها ولا أن موقعها من بلاد مكناسة.
وقوله وهي في طريق سلا، يعني للقاصد لها من فاس وأحوازه، وقد صرح في كلامه الذي اختصرنا ذكره بأن بين فاس ومكناسة أربعين ميلا، وكل ذلك منه
_________________
(١) في نزهة المشتاق: "دمر وواربة". وأوربة: قبيلة شهيرة من البربر البرانس، كانت في القديم تشتمل على بطون وعمائر كثيرة، مثل: جاية، ونفاسة، وزهكوجة، ومزيانة، ورغيوة، ودقيوسة. وقد عظمت تلك البطون فيما بعد حتى صارت في عداد القبائل. كانت مواطن هذه القبيلة عند دخول الإسلام إلى المغرب بجبل زرهون وما جاوره، وكان أميرها يدعى سكرديد بن زوغى، ولى عليهم مدة ٧٣ سنة، وأدرك الفتح الإسلامى، ولما مات سنة ٧١ بقيت زعامة البربر في هذه القبيلة حتى دخل إدريس الأول المغرب، فتنازل له إسحاق بن محمد الأوربى عن الإمارة وقام بنصرته، وبعد ذلك اندمجت وربة في عداد القبائل البربرية واندثر اسمها، ونسب أهلها إلى الجبل الذى يسكنون به (زرهونى - الزراهنة) ولم يبق يحمل اسمها إلا بطن تحول إلى ناحية تارة واندمج في قبيلة البرانس (وربة) ولكن بقى ما يذكر بها كأولاد الوربى، وحومة الوربية بفاس.
(٢) نزهة المشتاق ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٨٧ ]
تعيين لموقع مكناسة بالجهة والمسافة، حتى يعلم أن ما بعد عن طريق سلا وعن المسافة المذكورة ليس من مكناسة، وقد تضمن وصفه لبعد ما بين مدنها الإشارة لقدر مساحته أيضا حتى لا يقع في وهم أحد اشتباه شمول موقعها بموقع غيرها مما خرج عنها.
وقوله: ومدينة مكناسة يعني أعظم مدنها عمارة وحضارة كما يؤخذ من قوله ولم يكن في أيام الملثم بعد تاقررت إلى آخره، أو مراده المدينة القائمة المرعوفة بذلك في وقته.
وقوله: الآن، يشير به لتاريخ تأليفه لكتابه المنقول منه، وذلك أواسط القرن السادس من الهجرة كما بينه ابن خلدون في مقدمته وغيره.
وقوله سميت باسم مكناس البربري لما نزلها مع بنيه (١) إلخ، صريح في أن جد القبيلة نفسه نزل بها، فيستفاد من ذلك وجه كونها تسمى تارة مكناس، وتارة مكناسة، وهو أن الأول ملحوظ فيه اسم أكبر الحالين بها، وهو جد القبيلة، والثاني ملحوظ فيه اسم القبيلة.
وقوله ولم يكن في أيام الملثم (٢) إلخ، الذي ينصرف إليه هذا الوصف عند الإطلاق هو يوسف بن تاشفين فرد تلك الدولة الكامل أعظم أمراء المرابطين، وإنما قيل له الملثم لكونه كان يستعمل اللثام في وجهه على عادة قومه، وعلى ذلك جرى أمراء بنيه وقومه من بعده، وأيامه كانت في النصف الأخير من القرن الخامس كما علم من تاريخ وفاته الذى قدمناه، وحينئذ يكون هذا مقتضيا لكون تاقررت كانت موجودة زمن يوسف بن تاشفين، وذلك موافق لما قدمناه عن ياقوت الحموي من أن يوسف هو المختط لمكناس الحادثة أي تاقررت، ولكن قدمنا تصريح ابن غازي من أئمة مكناسة بأن تاقررت إنما اختطت بعد ظهور الموحدين، وذلك إنما كان بعد موت يوسف بسنين، وعليه فيحمل الملثم في عبارته على من اختطت تاقررت في أيامه من أمراء بنيه.
_________________
(١) نزهة المشتاق ١/ ٢٤٤.
(٢) نزهة المشتاق ١/ ٢٤٤.
[ ١ / ٨٨ ]