تلك العيون، وذلك أقوى دليل وأصدق برهان على أن أصلها منه، وهذا المحل لا يعرف اليوم ببنى فازاز ولا الجبل المذكور بالنسبة إليهم، أما في غابر الأزمان وقد كان يطلق فازاز على تلك الجبال كلها حتى جبل آزرو الشهير المعروف، والمحل الذى يعرف اليوم بفازاز عند تلك القبائل البربرية بينه وبين الجبل الذى يخرج منه الماء المذكور مهامه فيحه تنيف على سبعين كيلو مترا.
ومعنى مزعتوال بلسان البربر منفر البقر سمى بذلك لوجود ضريح به إذا مر البقر أمامه نفر وشرد على ما أخبرنى به غير واحد من الثقات سكان ذلك المحل، ومن أصول منبع بوفكران العظيمة عين معروف ويمتد خمسين كيلو مترا يبلغ منبعه في اليوم أربعين ألف متر مكعبا على ما حققه بعض الفرنسيين
فصل: قال في "الروض" (١): إلا تاورا، فإنها بضفتيه الشرقية والغربية وغراسلتها كلها منتظمة متصل بعضها ببعض لا فاصل بينها، وتاورا أقرب الحوائر من المدينة من جهة باب البراذعيين ومن حوائرها أيضا بنو زياد وتقع غربا من الحوائر المذكورة وليست على الوادى المذكور، لكن لها جدول من نوع ساقية طويلة المسافة صعبة المجرى.
قال: وببنى زياد أيضا عيون يسقون منها بعض أملاكهم، ويسقون بعضها بالساقية المخرجة من وادى فلفل المذكور، وبعضها بعل وكان العنب البعلى بها في غاية الطيب بموضع هنالك يقال له المتروئي إليه ينسب العنب المتروئي هنالك، قال الأستاذ أبو عبد الله بن جابر في "نزهة الناظر" بعد ما ذكر أصناف العنب التي بمكناسة:
لكننى أقول دون سوء ما فاق الأعناب سوى المتروئي
وهو عنب أبيض شديد الحلاوة ولا سيما الأنثى منه، ويذكر أنه من قوته لا يستحيل خمرا إلا عند اعتدال الزمان، ومن غلوهم فيه أنهم يقولون إنه يستصبح
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥٣ وما بعدها.
[ ١ / ٨١ ]
بخمره، وهنالك قرية كان يقال لها قرية الأندلس كانت (١) من عمل بنى زياد سكنها على قديم الزمان قوم أندلسيون وتناسلوا بها وأقاموا دهرًا لم تتغير ألسنتهم ولا أشكالهم إلا من كان منهم كثير الامتزاج بأهل البلد (٢) فإنه تغير لسانه وكانت لهم بالقرية المذكورة كرمات بعل في أرض رملة حمراء كذا قيل، وهذه القرية والله تعالى أعلم هى المسماة في هذه الأعصر تلاجدوت، وبها جرى المثل السائر "دار الكرامة يا تلاجدوت" ومنها كان الشيخ أبو الحسن علي بن يوسف التلاجدوتى المدعو بسيدى علي بن يشو، وهو من شيوخ شيخنا الفقيه الحافظ سيدى أبى عبد الله محمد القورى، والخطيب البليغ المصقع سيدى أبى العباس أحمد بن سعيد الحباك الغفجميسى وكلامهم اليوم برطانة البربر المفرطة في العجمة من خطه.
قلت: أما الساقية الصعبة المجرى فلم يبق لها أثر لهذا العهد، وأما قرية الأندلس المسماة تلاجدوت فلم يبق لها أيضا أثر ولا خبر، وكون مسمى تلاجدوت هو قرية الأندلس يخالفه ما في كتاب الاستبصار، بعجائب الأمصار، المؤلف سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فإن فيه أن من مدن مكناسة الأربعة تلاجدوت (٣) وتفسيره المحلة، قال: وهو محدث البناء، وهو مشرف على بطاح وبقاع مملوءة بياضا (٤) كثير الثمار، وأكثرها الزيتون فسميت به، وهذه المدينة عليها سور كبير وأبراج عظيمة، وهى مدينة حفيلة. هـ.
وهذا الذى وصفها به لا ينطبق إلا على تاكرارت المدينة الآن، فعليه لها اسمان كل منهما فسر بالمحلة فالله أعلم.
وأما الشيخ أبو الحسن التلاجدوتى والقورى والحباك فستأتى تراجمهم في محالها بحول الله فترقب.
_________________
(١) في المطبوع: "كأنها" والمثبت من الروض الذى ينقل عنه المصنف.
(٢) في المطبوع: "البلاد" والمثبت من الروض الذى ينقل عنه المصنف.
(٣) في الاستبصار الذي ينقل عنه المصنف "تاقرارات" وقد أشار المصنف فيما بعد إلى الاسم الوارد في الاستبصار. وقال: فعليه لها اسمان كل منهما فسّر بالمحلة.
(٤) في الاستبصار: "مملوءة بفيضات" وفي نسخة أخرى منه بالهامش "بيضات".
[ ١ / ٨٢ ]