بل قال ابن ناجي في ذيل "معالم الإيمان" بعد ايرادها سمعت شيخنا أبا القاسم البْرزُلي يقول عن شيخه وشيخنا أبي عبد الله ابن عرفة يغلب على الظن أنها موضوعة.
فصل: وحيث أتينا بشرح ما يتعلق بمن بهم سميت بلدتنا هذه مكناسة فلنرجع لتتميم ذلك بذكر من انضاف إليهم في حلولها وقت تخطيطها فنقول:
قال في "الروض": وورْزِيِغَة يذكر أن أصل أهلها روم (١)، انتهى. قلت: ورزيغة -بفتح الواو وسكون الراء وكسر الزاي وسكون الياء وفتح الغين المعجمة بعدها هاء تأنيث.
والروم بالضم ويقال لهم بنو الأصفر جيل معروف يجمع فرقًا شَتَّى، واختلفوا في نسبتهم، فقيل: هم من ولد الروم بن عيصو بن إسحاق ﵇ سموا باسم جدهم، وقيل: سموا روما، لأنهم كانوا سبعة رَامُوا فتح دمشق ففتحوها وقتلوا أهلها، وكان سكانها سَكَرة -بفتحات- للعازر بن نمروذ بن كبوش بن حام بن نوح ﵇ والسكرة الفعلة ثم جعلوا يتقدمون حتى انتهوا إلى أَنْطَاكِيَة، ثم جاءت بنو العيص فأجلوهم عما افتتحوا وسكنوه حتى انتهوا إلى القسطَنطينية فسكنوها فسموا الروم بما رَامُوا من فتح هذه الكور، وقيل في وجه تسميتهم غير هذا.
وقد حكى المسعودي في "مروجه" أقاويل ترجع كلها إلى أنهم من ذرية عيصو، لكن قال ابن خلدون قد أنكر ذلك المحققون، والصحيح نسبهم إلى يافث.
وقد خطَّأ ابنُ حزم قول من نسبهم ليعصو قال: وإنما وقع هذا الغلط لأن موضع بني عيصو الذي يقال له يسعون يسمي أروم فظنوا أن الروم من ذلك الموضع وليس كذلك، لأن الروم إنما نسبوا إلى رُوملُس (٢) باني رومة (٣)، انتهى.
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥٤.
(٢) في المطبوع: "روماش" والمثبت لدى ابن حزم الذي ينقل عنه المصنف.
(٣) جمهرة أنساب العرب - ص ٥١١.
[ ١ / ١٠٥ ]
قال ابن خلدون: ثم المحققون ينسبون الروم جميعًا إلى يونان الإغريقيين منهم واللطينيين ويونان معدود في التوراة من ولد يافث لصلبه، انتهى. واقتصر في روح البيان على أن الروم الأولى من ولد يافث والأخيرة من ولد عيصو بن إسحاق إلخ. قلت: وهذا الذي اقتصر عليه قد نسبه السهيلي قبله لغير واحد فقال في روضه: وليس كل الروم من ولد بني الأصفر فإن الروم الأولى فيما زعموا هم من ولد يونان بن يافث بن نوح والله أعلم بحقائق هذه الأشياء وصحتها، انتهى. فإن صح هذا القول المفصل أمكن الجمع به بين ما نقله ابن خلدون وما نقله غيره ولم يحتج إلى تخطئة ما نقله غير ابن خلدون على كثرتهم.
قال ابن خلدون وأما الإفرنج فنسبهم هروشيوش (١) مؤرخ الروم إلى غطرما ابن عومر بن يافث. وقال ابن سعيد فيما نقل عن البيهقي وغيره: أن يونان هو ابن علجان بن يافث ولذلك يقال لهم العلوج، ويشاركهم في هذا النسب سائر أهل الشمال من غير الترك، فالإغريقيون من ولد إغريقش بن يونان، والروم من ولد رومي بن يونان، واللطينيون من ولد لطين بن يونان، فالشعوب الثلاثة من ولد (٢) يونان.
قال: وأعظم من أخذ بدين النصرانية الإفرنج، وقاعدة بلادهم فرنجة ويقولون فرنسة بالسين، وملكهم الفرنسيس وهؤلاء فرنسة أعظم ملوك الفرنجة ومن الفرنجة البنادقة والجلالقة، انتهى كلام ابن خلدون ملخصًا.
وحاصل ما نقله عن ابن سعيد أن اليونان يجمع الروم بفرقهم والإفرنج يفرقهم لأن الإفرنج من جملة أهل الشمال.
وقد حكى المسعودي في مروجه الاتفاق على أن الإفرنج من ولد يافث بن
_________________
(١) في المطبوع: "هيورش" والمثبت لدى ابن خلدون ٢/ ١٨٤.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٢/ ١٨٤.
[ ١ / ١٠٦ ]
نوح إلا أنه لم يعين الواسطة التي يدلون بها إليه وقد سبق بيان واسطتهم في نقل ابن خلدون عن مؤرخ الروم وعن ابن سعيد، وذلك مصرح بأن الروم غير الإفرنج الذين من جملتهم الإفرنسيس.
لكن يشكل على ذلك ظاهر قول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين ابن الصائغ الدمشقي، قال حدثني سيف الدين فليح المنصوري، قال أرسلني الملك المنصور قلاوون إلى ملك المغرب بهدية فأرسلني ملك المغرب إلى ملك الإفرنج في شفاعة فقبلها وعرض على الإقامة عنده فامتنعت، وقال لي لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج لي صندوقًا مصفحًا بذهب فأخرج منه مقلمة ذهب فأخرج مها كتابا قد زالت أكثر حروفه وقد التصقت عليه خرقة حرير فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلخ.
ونحوه في عمدة القاري للعيني من غير ذكر سنده فانظر قوله ملك الإفرنج مع قوله هذا كتاب نبيكم إلى جدي إلخ، فإنه ظاهر في كون هذا الملك من جنس رعيته الفرنج وخصوصا الفرنسيس منهم لما تقدم عن ابن خلدون من أن فرنسة أعظم ملوك الإفرنجة، انتهى.
فتكون الأفرنجة وخصوصا فرنسا منهم من الروم، إذ لا خلاف أن قيصر الذي قال فيه ملك فرنجة في هذه القضية -إنه جده- من عظماء الروم.
وعلى هذا فما وقع في كتاب سيدنا الجد الأكبر المولى إسماعيل لسلطان فرنسا في حينه وهو لويز الرابع عشر من قوله: أنت من سلالة عظيم الروم الذي كتب له جدنا وسيدنا إلخ. وكذا ما وقع له في كتابه لسلطان إنكلترا حيث غاضبه قومه وفر إلى سلطان الفرنسيس من قوله له فيه كما خاطب أي النبي - ﷺ - قيصر ملك الروم جد هذا الملك الذي لجأت إليه، وأنت مقيم لديه إلخ. كلاهما صحيح.
[ ١ / ١٠٧ ]
وفي ذلك كله حجة لما كلف قرره بعض محققي مشايخنا في درسه على البخاري من أن هرقل الذي كتب له - ﷺ - هو جد للدولة الحامية، انتهى.
والحاصل أن الاعتماد على هذا أولى من الاعتماد على ما نقله ابن خلدون في نسب الإفرنج عن مؤرخ الروم، ويعضد ذلك ما جزم به الشيخ فريد وجدي في "دائرة معارفه" من أن فرنسا أصلها من اللاتينيين، انتهى. واللاتينيون هم اللاطينيون وقد سبق أنهم من الروم، ويعضده أيضًا قول ابن أبي زرع في أنيسه أن ملك الفرنسيس الرومي نزل على تونس ليلة خمس وعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وستمائة قال: وكانت الروم في أربعين ألف فارس ومائة ألف رام. ومائة ألف راجل، انتهى.
فأنت تراه جعل ملك الفرنسيس روميا وجعل جنده وقومه روما، وإن كان ابن خلدون أشار للجواب عن مثل هذا بقوله وما يسمع في كتب الفتح من ذكر الروم في فتح إفريقية فمن باب التغليب، لأن العرب يومئذ لم يكونوا يعرفون الفرنج وما قاتلوا في الشام إلا الروم فظنوا أنهم هم الغالبون على أمم النصرانية، فإن هرقل هو ملك النصرانية كلها فغلبوا اسم الروم على جميع النصرانية ونقلته الأخبار عن العرب كما هي، فجرجير المقتول عند الفتح من الفرنج وليس من الروم، وكذا الأمة الذين كانوا بإفريقية غالبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها إنما كانوا من الإفرنجة، انتهى.
ولا يتأتى جوابه هذا فيما ذكره ابن أبي زرع لأنه ليس نقلا عن العرب وقد قبل في الاستقصاء ما اعتمده ابن خلدون فالله أعلم.
قال في "الروض": وتقع ورزيغة شرقا من نهر فلفل وبينهما مسافة، وفى ولِوَرْزيغة حارتان قريبتان منها: بنو مروان وبنو غفجوم، وبنو مروان أقرب إليها، وماؤها من وادي ويسلن من أودية مكناسة وبها عيون (١)، انتهى. من خطه.
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥٤.
[ ١ / ١٠٨ ]
قلت: أما غفجوم -فبفتح الغين المعجمة وسكون الفاء وضم الجيم بعدها واو ساكنة فميم- وأما وَيْسَلَنْ -فبفتح الواو وسكون الياء بعدها سين مهملة فلام مفتوحة فنون ساكنة- كما تقدم ولا يعرف في الوقت الحاضر محل بورزيغة يطلق عليه اسم من الأسماء المارة غير زنقة بني مروان بالمحل المعروف في زماننا بحَجَر الذئب -بفتح الحاء المهملة والجيم- وهو اسم للنهج المار بين البساتين لوادي ويسلن المذكور.
ومن حوائر ورزيغة الشهيرة في الوقت الحاضر السلاوي وبو عشرين ولا يوحد بها في هذا الزمان من العيون غير العين المعروفة بعين الكبير وجميع غراسات حوائرها تسقي من وادي ويسلن المار الذكر، وويسلن هذا هو على طريق المار من العاصمة المكانسية لفاس على سبعة كيلو مترات من العاصمة وماء هذا الوادي لا يدخل منه للمدينة شيء.
قال في "الروض" وكانت ورزيغة مخصوصة بالأمن يسكن أهلها الخيمات بالجنات فلا يلحق أحدهم خوف ولا يتوقعه إلا من جهة الأسد خاصة (١)، اهـ. من خطه.
قلت: ولم يبق لهذا العهد أثر للأسد بها ولو بنواحيها القريبة، نعم يوجد بقبيلة حروان المجاورة للمدينة بالمحل المعروف بأَشَمّاس -بفتح الهمزة والشين وتشديد الميم المشبعة وسكون السين المهملة- كما يوجد أيضًا بالمحل المسمى لديهم ببُوعْشوش -بضم الباء الموحدة وسكون الواو والعين المهملة وضم الشين المعجمة مشبعة وسكون الشين المعجمة أيضًا- في الغابة ثم على بضع آلاف من الأمتار من المدينة، وسيأتي نص بعض مؤرخي الأورباويين وبين على كثرة وجوده قرب قصر فرعون أيضًا، وحينئذ فلا التفات لمن يزعم منهم عدم وجوده، ويجزم بأنه لم يبق له اليوم ولا قبله بكثير أثر بهذه الديار المغربية ولا بنواحيها، ويعلل ذلك بضعف
_________________
(١) الروض الهتون - ص ٥٥.
[ ١ / ١٠٩ ]
حرارة القطر في هذه الأعصر الأخيرة على ما كانت عليه في الأعصر الغابرة، وبأنه لو بقي له أثر لوجد جلده وتداول بين مجاوري ساحة استقراره وغير ذلك من العلل الواهية.
هذا والأسد ويقال له الليث والضرغام في أسام كثيرة هو من أعظم الحيوانات المفترسة يصطاد عادة بالليل وهو في إفريقيا أكثر وأكبر جسما منه في آسيا ولا يوجد في أمريكا ولا في الجهة التي تحل فيها الأسلحة النارية.
وكأن حدوث هذه الأسلحة بهذه النواحي هو الذي أبعده منها للمحل الذي ذكرنا.
قال في "حياة الحيوان": قالوا وللأسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع، ومن شرف نفسه أنه لا يأكل من فريسة غيره فإذا شبع من فريسته تركها ولم يعد إليها وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب، وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:
وأترك حبها من غير بغض وذاك لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب ولغن فيه (١)
انتهى.
وقد تعقب الفاضل الشيخ محمد فريد وجدي كلام صاحب حياة الحيوان بما لفظه: نقول يستبعد العقل امتناع الأسد عن ماء ولغ فيه كلب، أوّلًا لأن الأسد والكلب لا يجتمعان على ماء واحد حتى يرى أحدهما الآخر، وليس للأسد من خصيصة تطلعه على الغيب فتدله على أن كلبًا ولغ في هذا الماء أو ذاك، ويظهر لنا أن السبب في هذا القول هو ذلك الشعر، فإن الشاعر لما ذكر ترفع نفسه شبه نفسه ومعشره بالأسود ونظراءهم بالكلاب، وقرر أن الأسود لا ترد ماء ورد فيه الكلاب،
_________________
(١) حياة الحيوان الكبرى للدميرى ١/ ٣.
[ ١ / ١١٠ ]
فجاء الباحث عن طباع الحيوانات فنقل ذلك نقلا وجعله من صفات الأسود الحقيقية وهو خيال، انتهى.
وأقول إن ذلك الانتقاد، الذي لا سند له عند ذلك الفاضل المنتقد سوى ما تخيله من الاستبعاد. لا مسلك له في سبيل السداد: أما أولا: فإن المنتقد لم يزد على الميل للنفي من غير جزم والناقل لذلك قد أثبته جازما به فله بذلك مزيد علم، فكان إثباته مقدما لا محالة على ميل المنتقد للنفي.
وأما ثانيًا فقوله: وليس للأسد من خصيصة إلخ هو أيضًا نفي بمجرد التَّوهُّم والتخيل، فإن الأسد ذكر أهل هذا الفن له خصائص جمة، منها أنه لا يتعرض للمرأة الحائض مع أن الحيض هو أمر باطني في المرأة، وعدم تعرضه للمتصفة به لا يكون إلا بخصيصة توجب للأسد إدراك ذلك كتمييز المتصفة به برائحة أو نحوها، وإذا جورنا هذا بالنسبة للأسد في حق الحائض لزم أن نجوز ذلك في حقه أيضًا في غيرها كالماء الذي ولغه كلب، على أن مثل هذا موجود حتى في الكلب الذي هو الغاية في الخساسة، فقد جاء فيه أنه لا يلغ في دم مسلم كما في "الشفا"، ومن البديهي أن تفرقة الكلب بين دم المسلم وغيره لا بد لها من خصيصة تؤدي الكلب إليها، وإذا جاز اتصاف الكلب بمثل هذه الخصيصة فلأن يجور في أعظم السباع بالأحرى.
وأما ثالثًا: فإن من جملة ما وجه به أهل العلم عدم دخول ملائكة الرحمة لبيت فيه كلب قبح رائحته، انتهى.
ولا مانع من أن توجد بقية هذه الرائحة الشديدة القبح في الماء الذي ورده وولغ فيه، وكفى فيها دليلا للأسد الذي يعافه على كونه ورد ذلك الماء قبله حتى يتجنبه.
[ ١ / ١١١ ]
وأما رابعًا: فقد قال في "حياة الحيوان" (١) في الكلب من اقتفاء الأثر وشم الرائحة ما ليس لغيره من الحيوانات، انتهى.
أي ولذلك ترى كلب الصيد لا يزال يتشمم ويقتفي الأثر حتى يخرج الصيد دلالة عليه بأنفاس بدنه وبخار جوفه كما في "عجائب المخلوقات" (٢).
ولا شك أن الأسد هو أعظم الكلاب كما دلت عليه قصة دعائه - ﷺ - على عتبة بن أبي لهب بقوله: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فكانت الإجابة بتسليط أسد على المدعو عليه فافترس رأسه.
وأما خامسًا: فقول المنتقد ويظهر لنا أن السبب في هذا القول هو ذلك الشعر إلخ، يرده ما قدمناه عنهم في الحائض وعدم ولوغ الكلب في دم مسلم، فإنا ما رأيناهم ذكروا شعرا في ذلك يدعى استنادهم إليه، مع أن الخاصية المطلعة على ذلك الغيب ثابتة فيهما كما شرحناه، وإذا ثبت للأسد والكلب فيما ذكر فما المانع من ثبوت مثلهما لهما أو لأحدهما في غير ذلك، وبهذا كله يتبين لك أن استبعاد ذلك الفاضل المنتقد ممنوع، وأن دعوى أن مثبت ما استبعده، إنما استند لذلك الشعر مدفوعة، على أنا لو فرضنا أن المستند هو ذلك الشعر لا غير لم يجز تكذيب الشاعر فيه ولا صرف كلامه فيه عن ظاهره إلا ببرهان، لا بمجرد التخمين العاري عن الحجة والبيان، ولو ساغ ذلك لكان كلام الفاضل المنتقد بذلك أولى والله تعالى أعلم.
وتسمى البربر الأسد إزم -بكسر الهمزة وفتح الزاي وسكون الميم- ومن طبعه أنه لا يؤذي الإنسان في حال تمام ميزه وإدراكه غالبًا، والغالب على الإنسان فقد الشعور وتمام الذهول عند رؤية الأسد.
_________________
(١) حياة الحيوان للدميري ٢/ ٢٧٩.
(٢) عجائب المخلوقات - ص ٣٣٦.
[ ١ / ١١٢ ]