حاله: قال ابن عبد الملك: كان أول طلبه شديد العناية بشأن الرواية فأكثر (٢) من سماع الحديث، وأخذ عن مشايخ أهله، وتفق في العلوم، ونظر في العقليات، وأصول الفقه، ومال إلى الأدب، فبرع به براعة عد بها من كبار مجيدي النظم.
وأما الكتابة فهو علمها المشهور. وواحدها الذي عجزت عن ثانيه الدهور، ولاسيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولي على أمد الإحسان، وله المطولات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يعلم كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التاريخ، ويودعه إلمامات بالمسائل العلمية متنوعة المقصد (٣).
_________________
(١) من مصادر ترجمته: الإحاطة ١/ ١٧٣، بغية الوعاة ١/ ٣٠٣، جذوة الاقتباس ١/ ١٤٥، الديباج المذهب ١/ ١٧٩، الذيل والتكملة ١/ ١/ ١٥٠، شجرة النور الزكية ١/ ٤٧٧، عنوان الدراية - ص ٢٩٨، المقتضب من تحفة القادم - ص ١٩٧، نفح الطيب ١/ ٣٠٥، الوافي بالوفيات ٧/ ١٣٣.
(٢) تحرف في المطبوع إلى: "الحسن".
(٣) في المطبوع: "فاستكثر" والمثبت لدى ابن عبد الملك الذى ينقل عنه المصنف.
(٤) الذيل والتكملة - السفر الأول - القسم الأول - ص ١٥٢.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقال المَقَّرِى في "نفح الطيب" لدي تعرضه له ما لفظه: قال فيه بعض علماء المغرب قدوة البلغاء، وعمدة العلماء، وصدر الجلَّة الفضلاء، ونكتة البلاغة (١)، التي قد أحررها وأودعها، وشمسها (٢) التي أَخفت ثواقب كوكبها حين أبدعها، مبدع البدائع التي لم يحظ قبله بها إنسان، ولا ينطلق عن تلاوتها لسان، إذ كان ينطق عن قريحه صحيحة، ورويَّة بدرر العلم فصيحة، ذللت له صعب الكلام، وصدَّقت رؤياه حين وَضَعَ سيدُ المرسلين -وهو الذي أُوتي جوا مع الكلام- في يده الأقلام (٣).
وقال ابن الأبار في تحفة القادم في حقه ما صورته: فائدة هذه المائة، والواحد يفي بالفئة، الذي اعترف باتحاده الجميع، واتصف بالإبداع فماذا يتصف به البديع، ومعاذ الله أن أُحابيه بالتقديم، لما له من حق التعليم، كيف وسَبْقه الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر، تحلت به الصحائف والمهارق، وما تخلت عنه المغارب والمشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثم أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول العموم والخصوص لذكره، وتناوب المنثور والمنظوم على شكره (٤).
وقال في الإحاطة: قلت: وعلى الجملة فذات أبي المطرف فيما ينزع إليه (٥) ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحْدِه، إدراكًا وتفتنًا، بصيرا بالعلوم مُحَدِّثًا مكثرًا راوية ثَبتًا، متبحرا (٦) في التاريخ والأخبار، ريَّانا مضطلعا بالأصلين،
_________________
(١) في المطبوع: "البلغاء" والمثبت رواية المقري الذي ينقل عنه المصنف وهي المناصبة للمعنى.
(٢) في المطبوع: "وشمسه" والمثبت رواية المقري.
(٣) نفح الطيب ١/ ٣١٣.
(٤) نقله المقري في نفح الطيب ١/ ٣١٥.
(٥) في المطبوع: "وعليه" والمثبت لدى ابن الخطيب في الإحاطة الذي ينقل عنه المصنف.
(٦) في متن الإحاطة: "سَجِرًا" وبالهامش: السجر: هو المليء".
[ ١ / ٣٤٨ ]
قائما على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطلاوة، جم العلوم (١)، غزير المعاني والمحاسن، شفاف اللفظ حر المعنى (٢).
انتقل إلى العُدْوة (٣)، واستكتبه الرشيد أبو محمد بن عبد الواحد بمراكش مدة يسيرة، ثم صرفه عن الكتابة وولاه قضاء مِلْيانة من نظر مراكش الشرقي، فتولاه قليلا ثم نقله إلى رباط الفتح، وتوفي الرشيد فأقرّه (٤) على ذلك الوالي بعده أبو الحسن المعتضد أخوه، ثم نقله إلى قضاء مكناسة الزيتون، ثم لما قتل المعتضد انفصل عن مكناسة ولحق بَسبْتة، وجري عليه بطريقها ما يذكر في محنته، ثم ركب البحر منها متوجها إلى إفريقيَّة، فقدم بجاية على الأمير أبي زكريا، ثم توجه إلى تونس فنجحت بها وسائله، وولي قضاء مدينة الأريس، ثم انتقل إلى فاس وبها طالت مدة ولايته، فاستدعاه المنتصر بالله محمد بن أبي زكرياء، ولَطُف محله منه، حتى كان يحضر مجالس أُنسه (٥).
مشيخته: روي عن أبي الخطاب بن واجب، وأبي الربيع بن سالم (٦) وأبي عبد الله بن فرج، وأبي على الشلوبين، وأبي عمر بن عات، وأبي محمد بن حَوْط الله، لقيهم وقرأ عليهم وسمع منهم، وأَجاروا له، وأَجار له من أهل المشرق أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج وغيره (٧).
_________________
(١) في الإحاطة: "جم العيون".
(٢) الإحاطة ١/ ١٧٤.
(٣) أي عدوة المغرب.
(٤) في المطبوع: "فأقامته" والمثبت من الإحاطة.
(٥) الإحاطة ١/ ١٧.
(٦) تحرف في المطبوع إلى: "سلام" وصوابه من الإحاطة والذيل والتكملة.
(٧) الإحاطة ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٣٤٩ ]
الآخذون عنه: أخذ عنه ابنه أبو القاسم، وأبو بكر بن خطاب، وأبو إسحاق البلقينى الحفيد، والحسن بن طاهر بن على الشقوري، وأبو عبد لله البري (١). وحدث عنه أبو جعفر بن الزبير، وابن شقيف (٢)، وابن ربيع، وغيرهم ممن يطول ذكره.
شعره: من ذلك قوله موريا بالعلوم:
قد عكفنا على الكتابة حينا ثم جاءت خطة القضاء تليها
مع كل لم يبق للجهد إلا منزلا نائيا وعيشا كريها
نسبة بدلت ولم تتغير مثل ما يزعم المهندس فيها (٣)
وقوله:
يا غائبا سَلبَتني الأنس غيبتُه فكيف صبري وقد كابدتُ بينهما
دَغوَاي أنك في قلبي فعارَضَها شوقي إليك فكيف الجمعُ بينهما (٤)
وقوله:
إن الكتاب أتي وساحةُ طِرْسِه دوح توشح بالبديع مبرقع
وله حقوق ضاق وقت وجوبها ومن الوجوب (٥) ضيق وموسع (٦)
_________________
(١) تحرف في المطبوع إلى "البزي" بالزاي. وصوابه من الإحاطة والذيل والتكملة.
(٢) في المطبوع: "وابن شنيف" والمثبت رواية الإحاطة.
(٣) الإحاطة ١/ ١٧٧.
(٤) الإحاطة ١/ ١٧٧.
(٥) في المطبوع: "العجائب" والمثبت رواية الإحاطة.
(٦) الإحاطة ١/ ١٧٧.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وقوله:
وأجات فكري في وشاحك فانثني شوقا إليك يَجول في جَوَّال
أنصفت غُصْنَ البان إذ لم تدعه لَتَأوُّدِ (١) مع عطفك الميال
ورحِمْت در العقد حين وضعته متواريا عن ثغرك المتلالي
كيف اللقاء وفعل وعدك سينه أبدا تخلصه للاستقبال
وكماة قومك نارهم ووقيدها للطارقين أسِنّة وعوالي (٢)
وقوله:
أري مَنْ جاء بالموسي مواسي وراحة ذى القريض تعود صِفْرا
فهذا مخفقُ إن قص شِعْرًا فهذا مخِفُقُ إن قصَّ شَعْرَا (٣)
وقوله:
كبَّرت بالبشرى أتت وسماعها عيدي الذي لشهوده تكبيري
وكذلك الأعياد سنة يومها مختصة بزيادة التكبير (٤)
وقوله
بايعونا مودة هي عندي كالمصرات بيعها بالخداع
فسأقضي بردها ثم أقضي بعدها من مدامعي ألف صاع (٥)
_________________
(١) في المطبوع: "لتوادع" والمثبت رواية النفح.
(٢) نفح الطيب ١/ ٣١٥.
(٣) نفح الطيب ١/ ٣١٦.
(٤) الإحاطة ١/ ١٧٧.
(٥) الإحاطة ١/ ١٧٧.
[ ١ / ٣٥١ ]
وقوله:
شرطت عليهم عند تسليم مهجتي وعند انعقاد البيع حتما يواصل
فلما أردت الأخذ بالشروط أعرضوا وقالوا يصح البيع والشرط باطل (١)
نثره: من ذلك قوله من رسالة أجاب بها العباس بن أُمية وقد أعلمه باستيلاء الروم على بَلتسِية:
بالله أي نحو تنحو، أو مسطور تثبت أو تمحو، وقد حذف الأصل والزوائد، وذهبت الصلة والعوائد، وباب التعجب طال، وحال اليأس لا تخشي انتقال، وذهبت علامة الرفع، وفقدت نون الجمع، والمعتل أعدي الصحيح، والمثلث أودي الفصيح، وامتنعت المجموع من الصرف، وأمنت زوائدها من الحذف ومالت قواعد الملة، وصرنا جمع القلة، وظهرت علامة الخفض، وجاء بدل الكل من البعض (٢).
مؤلفاته: له تأليف في كائنة مَيُرْقَة (٣) وتغلب الروم عليها نحا فيه نحو العماد الأصبهاني في الفتح القدسي، وكتابه في تعقبه على فخر الدين ابن الخطيب الرازي في كتاب المعالم في أصول الفقه منه، وردُّه على كمال الدين أبي محمَّد عبد الكريم السِّماكي في كتابه المسمي بالتبيان في عدم البيان، واختصار نبيل من تاريخ ابن صاحب الصلاة وغير ذلك من التعاليق والمقالات (٤).
_________________
(١) الإحاطة ١/ ١٧٨.
(٢) الإحاطة ١/ ١٧٦.
(٣) كذا في من الإحاطة ١/ ١٧٨ وهو الصواب، وبهامشها: "في بعض النسخ الخطية: المرية، وهو تحريف. وكائنة ميورقة يقصد بها هنا استيلاء النصارى على جزيرة ميورقة، كبرى جزائر البليار أو الجزائر الشرقية وذلك في سنة ٦٢٧ هـ، على يد ملكهم خايمي ملك أرجون". وتحرف في المطبوع إلى: "المرية".
(٤) الإحاطة ١/ ١٧٨.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ودون الأستاذ أبو عبد الله ابن هانئ السبتي كتابته وما يتخلَّلُها من الشعر في سفْرين بديعين أتقن ترتيبهما، وسمَّي ذلك "بغية المستطرف، من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرف" (١).
محنته: لما قتل المعتضد اغتنم الفترة وانفصل عن مكناسة قاصدا سبتة فلقّي الرفقة التي كان فيها جمع من بني مرين فسلبوه وكل من كان معه، وكان المنهوب من ماله يعدل أربعة آلاف دينار، وكان ورقا وعينا وحليا أُصيب بما له أحوج ما كان إليه (٢) وقد استقبل الكبر ونازعه سوء الحظ (٣).
مولده: ولد بجزيرة شُقر (٤) وقيل بِبَلَنْسِية في رمضان عام ستة وخمسين قال عبد الملك: ووهم ابن الزبير في وفاته إذ جعلها في حدود الخمسين وستمائة أو بعدها (٥).