_________________
(١) من مصادر ترجمته: نشر المثاني ٤/ ١٥٢٧ في موسوعة أعام المغرب.
(٢) نشر المثاني - ص ١٥٢٧ - ١٥٢٨ في موسوعة أعلام المغرب، وما بين حاصرتين منه.
(٣) من مصادر ترجمته: نشر المثاني ٥/ ١٩٥٤ في موسوعة أعلام المغرب.
(٤) في المطبوع: "التستوتي" والمثبت من نشر المثاني.
[ ١ / ٣٨٤ ]
الولي الصالح العارف الشهير من حفدة الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن مبارك الزعري.
حاله": كان عالمًا عاملا، عارفا كاملا، ممتع المجالسة آية في نيل الفضائل. ومعرفة حقوق الأفاضل، فمن ذلك أنه كانت وقعت وحشة بينه وبين الشيخ الكامل، العارف الواصل، سيدي أحمد بن ناصر، فبقي مرة يترضاه، ويستنزل بمحاسن أدبه رضاه. إلى أن لبي مناديه، فدعا لتلقي تلك المنة ناديه، واستدعي الناس لحضور ذلك المهرجان الدعاء العام، وذبح كل ما ملكت يمينه من الأنعام، وأوقد لقراءة كتاب الشيخ الشموع بالنهار، وكاد أن يجري لكثرة ما ذبح من الدماء الأنهار، وأخرج من الفرش المرفوعة ما قدر عليه، وقام عاري الرأس حافي القدمين لقبض الكتاب الكريم الذي ألقي إليه.
وإذا لم يكن من الذل بد فالق بالذل إن لقيت الكبارا
ليس إجلالك الكبار بذل إنما الذل أن قبل الصغارا
ومن ذلك أنه وفد على صاحب الترجمة فتية من أولاد الشيخ أبي يعزي في خروجهم لصيد فأكرمهم وطعموا وشربوا وحين خرج ليشيعهم وجد كلابا بالباب أعدوها لصيدهم، فقال: لمن هذه؟ فقالوا: لنا، فعاتبهم حيث، لم يخبروه بها، قائلا: أليس بعار أن تكون هذه الكلاب تصطاد لكم وتنزهكم ثم تدخلون وتتركونها ولا تخبرونني بمكانها! ما هذا شأن صحبة الكرام، ثم أقسم أن لا ينصرفوا حتى يصنع للكلاب طعاما وأخذ في مداعبتهم ومحادثتهم ومؤانستهم حتى حضر طعام الكلاب، فوضعه بين يديها ووقف عليها بنفسه حتى أكلت فودعهم وانصرفوا شاكرين.
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال أبو القاسم العميري: دخلت عليه في يوم الذي توفي ليه فوجدته جالسا على صندوق مرتفع عن الأرض، فقال: لي: إنما جلست هنا لأني صليت عليه هذه الصلاة يعني الظهر ويشق على إن نزلت أن أصعد لصلاة العصر فمات قبل العصر أو بعده.
ذكر لي يوما باءته وأن من قوته فيها أنه إذا كان في داره لا يصلي صلاة من الصلوات إلا بغسل من جنابة، وكان إذ ذاك متسع الحال في المناكح والسراري، وتأتي له من ذلك ما لم يَتَأتّ لمثله، وكان له حسن بداهة في النظم حتى إنه قد يكتب الكتاب وحامله حاضر ينتظره له كأنه يحفظه.
مؤلفاته: منها نظم ممتع الأسماع وشرحه، ونظم رجال التشوف وشرحه، ونظم رجال القشيرية وشرحه، وله كتاب النزهة ضمنه رسائله في جزءين، وله ديوان شعر في ثلاثة أجزاء ضخام وقفت على جزء منها في القالب الكبير، وله أسئلة فقهية لعلماء وقته، وتقاييد مفيدة تدل على تضلعه واقتداره وشفوف مكانته وعلو همته وتفوقه على أترابه.
شعره: من ذلك قصيدته الدالية في مدح خير البرية، عارض بها دالية الشيخ اليوسي في مدح شيخ السنة وإمام الحقيقة سيدي محمَّد بن ناصر الدرعي ومطلعها.
عرج بأطلال الأحبة واقصد آثارهم يوما لعلك تهتدي
وأجز إذا جئت الديار بمنزل قد ضم أجداث العشير الهمد
ولهيب قلبك إن أردت شفاءه فأت الربوع تريح قلب الأكمد
[ ١ / ٣٨٦ ]
إلى أن قال:
لولا النوى ما أقبلت من مغرب فوق المطايا عاشقون لأحمد
صلى عليه الله ما هبت صبا وبكي لرؤية وجهه ذو أكمد
بادر لزورته إذا ما اشتقته واذهب على الوجنات غير منكد
ودع المطي بأرجل تشم الحصي وسمن بالأخفاف خد الأجلد
وسمن كل مخيل من بارق وسمن بالركبات كل مبلد
يعطش بالفلوات مثل ضبابها ولهن سبح في سراب صيهد
وهي طويلة تنيف على الستمائة بيت وكان إنشاؤه لهذه القصيدة سنة خمس وعشرين ومائة وألف.
ومن ذلك قوله في ثاني ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وألف:
عظمت نعمة الإله علينا واستزادت فما لها من نفاد
كل يوم نري من الله فضلا وامتنانا ورحمة في أيادي
لو نجازي على ذنوب جنينا ها نزلنا منازل الإبعاد
فعفا رحمة ومنًّا علينا واهتدينا بنور أشرف هادي
أحمد المصطفي الذي من سناه زان ما في الأغوار والأنجاد
واهتدي كل سألك طرق الإر شاد من حاضر الأنام وباد
وارتدي كل رائد منها التو فيق من رائح إليه وغاد
إلى أن قال:
عجبا كيف يدرك المرء هون والنبي الكريم رجب النادي
[ ١ / ٣٨٧ ]
لذ به متوسلا تبلغ المأ مول في القرب من رحيم جواد
وقوله في سنة ست ومائة وألف:
أراعك أن شمت الطلول الدوارسا كأن لم تري فيها البدور الأوانسا
وهل هاج منك الدمع لما رأيتها تذكر ظبي كان قبل مؤانسا
نعم رحل الأحباب منها وأودعوا جوي للحشا في كل وقت ملابسا
بكيت فلم تطف المدامع لوعتي وأصبحت من شوق من الصبر آيسا
وما كنت أدري البين حتى تحملوا ولا كنت من قبل التفرق عابسا
ولما استقلوا ظاعنين وخيموا بسلع أراني بعد ذلك ناكسا
كأني من شجو فقدت ابن ناصر ولم أر شيخا شامخ المجد رائسا
وقوله من قصيدة:
إذا أنا باينت البلاد وأهلها وفارقت أهلي وابنعدت عن الولد
ومت على دين النبي محمَّد فقد نلت آمالي وما خفت من كمد
نثره: من ذلك قوله في طالعة الجزء الثالث من ديوانه الشعري ولفظه: "الباب الرابع من أبواب هذا الكتاب الشامخ المقدار، في ذكر ما فتح الله به علينا من مستملحات الأشعار، وهو باب اتسعت دائرته، وقويت عارضته، وجمع من رقيق المعاني، ودقيق البيان اللساني ما فيه مستراح للألباب، وارتاح للأحباب، فما شئت من جد مفروغ في قالب الهزل منسوج على منوال الجد الرفيع، فروضته الغناء لا تنفد أزهارها، ولا تفرغ من الثمار أشجارها، دانية المرام، غير مستصعبة على الأفهام، وقد رأيت أن أبتدئه بقصائد نبويات وأخري بذكرى الصالحين مشرفات، ثم أسكبه سكبا، وأذكره فاكهة وأبا، متاعا لكم ولأنعامكم، ونزهة لأرواحكم وأجسامكم، والله المستعان، وعليه التكلان.
[ ١ / ٣٨٨ ]
مشيخته: منهم السيد عبد الكريم الجزيري أخذ عنه سند المصافحة، وهو عن سعيد قدورة، عن سعيد المقري، عن أحمد حجي، عن محمَّد الوهراني، عن إبراهيم التازي، عن صالح الزواوي، عن محمَّد الشريف الفاسي نزيل الجزيرة، عن والده عبد الرحمن وعاش أربعين ومائة سنة، عن أحمد بن عبد القادر القوصي، عن أبي العباس الملثم وهو صافح المعمر وهو صافح رسول الله - ﷺ -.
وله سند في المصافحة عن سيدي عبد القادر الفاسي وأجاره، وقال له: صافحتك بما صافحني به الأشياخ إلى أنس بن مالك قال: صافحني رسول الله - ﷺ - فلم أر خزا ولا قزا كان ألين من كف رسول الله - ﷺ - الحديث، فيه روايات.
قال صاحب الترجمة في كتابه "نزهة الناظر" وصافحني أيضًا سيدي محمَّد ابن ناصر الدرعي، وأجازني عن أشياخه الذين صافحوه إلى النبي - ﷺ -. اهـ. بنقل صاحب الأزهار النادية ومن معتمد إمام السنة، وأعظمهم عليه منة، شيخ الشريعة والحقيقة سيدي محمَّد بن ناصر الدرعي وعلى يديه فتح به.
الأخذون عنه: أخذ عنه العلامة الطيب السيد عبد القادر بن العربي بن شقرون المكناسي، وأحمد بن أبي عسرية بن أحمد بن أحمد بن يوسف الفاسي في خلق.
محنته: سجن سنة أربع ومائة وألف بحبس فاس الجديد، لوشاية بعض أقاربه به للسلطان الأعظم سيدنا الجد الأكبر مولانا إسماعيل ثم سرحه وحمله ذلك على استيطان مكناسة الزيتون فرحل إليها، ولم يزل بها إلى أن توفي بها.
وفاته: توفي ﵀ ليلة الأربعاء فاتح رجب سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ودفن قرب روضة الشيخ عبد الله بن حمد خارج باب البراذعيين، وقبره هنالك مزارة شهيرة عليه بناء لا بأس به، وله عقب ببلاد زعير يقال لهم القادريون.
[ ١ / ٣٨٩ ]