أصله من أولاد غدو، فرقة من صنهاجة، قدم جده الأعلى عمر المذكور من الجبل واستوطن قصبة هدراش وتولى إمامه وخطبة مسجدها، وكان معتقدا عند أهلها معظما ملحوظا بعين الإجلال والاعتبار.
حاله: كان فقيها زاهدا ناسكا ذا جد واجتهاد، وكانت، فيه دعابة، وله مكاشفات، وأحوال خارقات، ظهرت على يديه كرامات، حدثني بها غير واحد من مشايخي الجلة الذين وقعت لهم معه وشاهدوها منه المرة بعد المرة، وكان حسن الصوت مجودًا لكتاب الله حلو التلاوة. أخبرني صاحبنا الفقيه أبو العباس الناصري قاضي الأحواز المكناسية أنه حدثه أن من جملة أوراده اللازمة كل يوم ذكر ثلاثين ألفا من اسمه تعالى الحي القيوم، واسمه تعالى اللطيف أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم خمسمائة مرة وعلى رأس كل مائة يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين وربما كرر الاسم اللطيف العدد المذكور سبع أو ثمانى مرات في بعض الأيام.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ولادته: ولد بمكناسة ولازم ضريح الشيخ محمَّد بن عب مني شيخ الطريقة العيساوية حتى أسند إليه التقديم عليه وقام بخدمته أتم قيام وأحسنه، ثم لما تفاحشت البدع من أهل النسبة العيساوية وتكرر نهيه لهم وهم يستعيرون له أذناه صماء، وعينا عمياء، وبالأخص في تماديهم على اللحن الفاحش في حزبهم المعروف لديهم بـ "سبحان الدايم" تنازل عن ذلك التقديم ولازم داره وصار لا يخرج إلا للجمعة، وأقبل على عبادة ربه حتى أتاه اليقين، وكان يشار إليه بالمهارة الكاملة في علم الأسماء والأوفاق واستخدام الجان تقصده الزوار من الجهات القريبة والبعيدة.
مشيخته: أخذ الكتاب العزيز عن الفقيه البوسدراوي، والشريف سيدي محمَّد ابن إدريس البوعناني، والفقه عن العلامة الشيخ الحاج مبارك الفيلالي، وحصل ما قسم له من المعلومات وأخذ الطريقة العيساوية عمن تصدر لتلقينها إذ ذاك من مشاهير مقدميها.
الآخذون عنه: أخذ عنه ابن عمنا العلامة النقاد، المتأني الذي له كل صعب انقاد، سيدي محمَّد بن أحمد العلوي قاضيْ زَرْهُون سابقا قراءة آية الكرسي عند النوم إحدى عشرة مرة حسبما أخبرني بذلك مشافهة ومكاتبة، وشيخنا العلامة المشارك المطلع أبو العباس أحمد بن المأمون البلغيثي قاضي مكناسة الحالي أخذ عنه الصلاة المشهورة وهي: اللهم صل على سيدنا محمَّد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وصحبه وسلم حسبما شافهني بذلك وبما وقع له معه من المكاشفات مرارا، وحدثني عنه أنه نعي له نفسه وذلك أنه ودعه ذات يوم عام ١٣٠٩ فأنشده المترجم:
يا مزمعا بالرحيل عنا كان لك الله خير واق
أسعدك الله في ارتحالك أمنك الله في المهالك
[ ١ / ٤٢٨ ]
فائدة: من خط بعض العلماء ما صورته: وحكي عن بعض التابعين أنه كان إذا ودع مسافرا أنشده هذين البيتين. انتهى.
وقال بعض العلماء هذان البيتان ما أُنشدا قط على أحد يريد سفرًا إلا رأى في سفره نجاحا. انتهى.
وحدثني شيخنا البلغيثي أيضًا أنه زار هو وشريف من سكان فاس المترجم يوما من الأيام، وكان ذلك الشريف من خاصة أصحاب البركة الأشهر سيدي محمَّد الغياثي وبمجرد ما وقع بصر المترجم عليه سأله عن حال شيخه الغياثي قائلا في سؤاله له هل لازال سيدي محمَّد الغياثي منفردا في داره لا يقبل دخول أحد عليه فيها؟ فأجابه بنعم وَلَوْ هِرَّة، فقال المترجم: الله الله يهديه أنا والله لا أحب إلا أن تكون الخودات معي واحدة تعضني وواحدة تنشدني وقلبي مع الله، ثم اتفق اجتماع شيخنا البلغيثي بعد ذلك بمدة مع الغياثي فجرى ذكر المترجم فأثنى الغياثي خيرا، ثم سأله شيخنا المذكور هل له به معرفة؟ فقال: أعرفه في عالم الأرواح.
وفاته: توفي في الساعة الحادية عشرة من صبيحة يوم الاثنين فاتح جمادى الثانية عام أحد عشر وثلاثمائة وألف ودفن بزاوية المولى التهامي بالبيت المقابل للداخل بإزاء قبر الشريف المتبرك به حيا وميتا سيدي محمَّد العربي الوراني ﵁.