عرف تراثنا العربي والإِسلامي فرعا من فروع التاريخ أطلق عليه اسم التراجم، وقد قام هذا العلم على فحص سير الأشخاص لمعرفة مدى عدالتهم وضبطهم، كما كان هذا العمل وسيلة للاطمئنان إلى مروياتهم من نصوص الحديث النبوي والتفسير ونصوص التاريخ … وكذلك للاطمئان إلى سلامة أحكامهم في القضايا المطروحة في كل من هذه المجالات في ظروف كان فيها النقل الشفاهي هو الغالب.
ومع تطاول الأيام افتقر المحدثون وغيرهم ممّن يعنون بالتراجم إلى معاجم تضم تراجم الرواة لمعالجة هذه الأهداف منعا لتضارب الأقوال، ومن هنا جاءت كتب التراجم الكثيرة جدًا، والتي حملت عناوين مثل: الطبقات، أو المعاجم، أو السير، وهي كلمات تضاف عادة إلى كلمات أخرى تخصصها، فيقال: "طبقات المحدثين"، "طبقات الفقهاء"، "طبقات الشعراء"، "طبقات الحنابلة"، وكذلك يقال: "معجم الصحابة"، معجم شيوخ فلان (إشارة لعالم من العلماء) … وهكذا.
وقد عُرفت الكتب التي تناولت رواة الحديث بصفة خاصة بكتب الجرح والتعديل.
ومن هنا نشأ علمُ تراجم الرجال وسيرهم بدءًا من سيرة النبي الكريم ﵌ وتراجم الجيل الأول من حمَلَة النور، وانتهاء بطبقات متأخري العلماء.
[ ٧ ]
وقد اتخذ التأليفُ في التراجم صورًا عدّة؛ فهناك التأليف المرتبط بالزمن كالتأليف في أهل زمن معين؛ مثل الكتب التي تناولت تراجم الصحابة ككتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر (ت ٣٦٨ هـ)، و"أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ).
ومن الكتب التي تدخل في هذه الصورة كتاب "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لابن حجر أيضًا، وكتاب "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" للشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ)، و"خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) للمحبي (١١١١ هـ) وكتاب "سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر" للمرادي (١٢٢٣ هـ) وغيرها كثير.
وهناك التأليف في التراجم المرتبط بالمكان، كتواريخ البلدان والمدن مثل "تاريخ واسط" لبحشل (٢٩٢ هـ) و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (ت ٥٧١)، فقد اشتملت مثل هذه التواريخ على تراجم كم هائل من أهل البلد التي خصص الكتاب من أجلها.
كما ارتبط التأليفُ في التراجم بالعلوم والفنون، فنجد تراجمَ للأطباء، والحكماء، والقُرّاء والمفسرين، والمتكلمين، والفرسان (^١)، والخطاطين (^٢)، وطبقات المُعَبّرين (^٣)، والنحاة، والأدباء، والشعراء، والفقهاء.
كما اهتم مؤرخو المذاهب بترجمة رجالهم، فهناك طبقات للحنفية والمالكية
_________________
(١) ألف أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠) في طبقات الفرسان.
(٢) أشار صاحب كشف الظنون إلى مؤلفين للسيوطي وللقالي في طبقات الخطاطين.
(٣) لحسن بن الحسين بن الخلال كتاب في طبقات المعبرين.
[ ٨ ]
والشافعية والحنابلة، وربما خَصّص بعضُهم هذا المعيارَ فألّف في طبقات مجتهدي أهل مذهبه كـ"طبقات المجتهدين في مذهب الحنفية" لابن كمال باشا (ت ٩٤٠)، أو في متأخري أهل مذهبه ككتاب "الجوهر المنَضَّد في طبقات متأخري أصحاب أحمد" ليوسف بن حسن بن أحمد الحنبلي المقدسي، وهذا الكتاب ذيل على كتاب "ذيل طبقات الحنابلة" الذي ألّفه ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥) ذيلا على كتاب "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى الفراء (ت ٥٢٦).
ومن المصنفين في تراجم الفقهاء مَن نحى منحًى جُغرافيًّا، فترجم لفقهاء بلد معين، ككتاب "طبقات فقهاء اليمن ورؤساء الزمن" لابن سمرة الجعدي اليمني (ت ٥٨٦).
كما شمل التأليف في هذا الفن الاتجاهات الكلامية، فصارت هناك كتب لتراجم أصحاب الفرق المختلفة كـ "فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة" للقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥)، و"المقالات" للبلخي (٢١٩ هـ)، و"أعيان الشيعة" لمحسن ابن عبد الكريم الأمين (١٣٧١ هـ).
وثمة فرع من فروع التراجم يقوم على جمع تراجم شيوخ عالم من العلماء، كما نرى ذلك في "معجم شيوخ الصدفي" للقاضي عياض (٥٤٤ هـ)، و"مشيخة ابن الجوزي" (٥٩٧ هـ) و"معجم شيوخ ابن الأبار" (٦٥٨ هـ) وغيرها.
ويأتي هذا الكتاب -الذي بين أيدينا- ليجمع شيوخ عالم من علماء الحديث، وهو الإِمام البيهقي، كما سيأتي الحديث عنه، إن شاء الله.
[ ٩ ]