فِي أسماء الحكماء
سليمان بن حسان الطبيب الأندلسي المعروف بابن جلجل ذكي لَهُ تفرد بصناعة الطب وَلَهُ ذكر فِي عصره ومصره وَكَانَ لَهُ تطلع عَلَى علوم الأوائل وأخبارهم وَلَهُ تصنيف صغير فِي تاريخ الحكماء لَمْ يشف فِيهِ عليلًا وكيف وَقَدْ أورد من الكثير قليلًا ومع هَذَا فقد كَانَ حسن الإيزاد.
سنان بن الفتح من أهل حران كَانَ مقدمًا فِي صناعة الحساب والأعداد مشهور فِي زمانه بذلك وصنف فِي ذَلِكَ تصانيف مشهورة.
سنان بن ثابت بن قرة الحراني أبو سعيد كَانَ طبيبًا مقدمًا كأبيه وَكَانَ طبيب المقتدر خصيصًا بِهِ ثُمَّ خدم القاهر وإليه يرجع وَعَلَى وصفه يعتمد قَدْ سكنت نفسه إِلَيْهِ ووثق بِهِ بعنايته ولكثرة اغتباط القاهر بِهِ أراده عَلَى الإسلام فامتنع امتناعًا كثيرًا فتهدده القاهر فخافه لشدة سطوته فأسلم وأقام مدة ثُمَّ رأى من القاهر أنه إِذَا أمره أمرًا أخافه فانهزم إِلَى خراسان وعاد وتوفي ببغداد مسلمًا فِي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وَكَانَ أمره قَدْ ظهر فِي أيام المقتدر وعظمت منزلته حَتَّى صار رئيسًا عَلَى الأطباء.
وَفِي سنة تسع عشرة وثلاثمائة اتصل بالمقتدر أن رجلًا من الأطباء غلط عَلَى رجل فمات فأمر بإبطيحة محتسبه بمنع جميع الأطباء إِلاَّ من امتحنه سنان وكتب لَهُ رقعة بما يطلق لَهُ التصرف فِيهِ من الصناعة وأمر سنانًا بامتحانهم وان
[ ١٤٨ ]
يطلق لكل واحد منهم مَا يصلح أن يتصرف فِيهِ من الصناعة وبلغ عددهم فِي الجانبين من بغداد ثمانمائة ونيفًا وستين رجلًا سوى من استغنى عن امتحانه باشتهاره بالتقدم فِي الصناعة وسوى من كَانَ فِي خدمة السلطان ومن ظريف مَا جرى فِي امتحان الأطباء أنه أحضر إِلَى سنان رجل مليح البزة والهيئة ذو هيبة ووقار فأكرمه سنان عَلَى موجب منظره ورفعه وصار إِذَا جرى أمر التفت إِلَيْهِ وَلَمْ يزل كذلك حَتَّى انقضى شغله فِي ذَلِكَ اليوم ثُمَّ التفت إِلَيْهِ سنان فقال قَدْ اشتهيت أن أسمع من الشيخ شيئًا أحفظ عنه وأن يذكر شيخه فِي الصناعة فأخرج الشيخ من كمه قرطاسًا فِيهِ دنانير صالحة ووضعها بَيْنَ يدي سنان وقال مَا أحسن أن أكتب ولا أقرأ ولا قرأت شيئًا جملة ولي عيال ومعاشي دار دائرة وأسألك أن لا تقطعه عني فضحك سنان وقال عَلَى شريطة أنك لا تهجم علي مريض لما لَمْ تعلم ولا تشير بفصد ولا بدواء مسهل إِلاَّ لما قرب من الأمراض قالا الشيخ هَذَا مذهبي مذ كنت وأحضر إِلَيْهِ غلام شاب حسن البزة مليح الوجه ذكيّ فنظر إِلَيْهِ سنان وقال لَهُ علي من قرأت قال علي أبي قال ومن أبوك قال الشيخ الَّذِي كَانَ عندك بالأمس قال نعم الشيخ وأنت مذهبه قال نعم قال لا تتجاوزه وانصرف مصاحبًا.
ومن أخباره أنه لما مات الراضي استدعي بجكم سنانًا وَكَانَ بواسط العراق وسأله الانحدار إِلَيْهِ وَلَمْ يتمكن من الطلوع فِي ذَلِكَ قبل موت الراضي لملازمة سنان بخدمته فانحدر إِلَيْهِ وأكرمه ووصله وقال لَهُ أريد أن أعتمد عَلَيْكَ فِي تدبيري وتفقد جسمي والنظر إِلَى مصالحه وَفِي أمر أخلاقي لثقتي بعقلك وفضلك ودينك ومروءتك فقد غلبني الغضب وغمني ذَلِكَ حَتَّى أنني أخرج إِلَى مَا أندم عَلَيْهِ عند سكوته من ضرب أَوْ قتل وأسألك أن تتفقد عيوبي وتصدقني فِيهَا وترشدني إِلَى علاجها لتزول عني فقال سنان إنما بحيث يأمر الأمير ولكن أنك أَيُّها الأمير قَدْ أصبحت وَلَيْسَ فَوْقَ يدك يد لأحد من المخلوقين وإنك مالك لكل مَا تريده قادر عَلَيْهِ أي وقت أردته ولا يمكن لأحد منعك والغضب والغيظ يحدثان سكرًا أشد من سكر النبيذ وكما أن الإنسان يفعل فِي سكره مَا لا يقوله ولا يذكره إِذَا صحا ويندم عَلَيْهِ إِذَا حدث بِهِ استحياء كذلك يحدث لَهُ ي سكر الغضب والغيظ بل اشد فإذا بدأ بك
[ ١٤٩ ]
الغضب وحسست بِهِ فضع فِي نفسك قبل أن يشتد ويقوى ويخرج الأمر من يدك أن تؤخر العقوبة إِلَى غد واثقًا بأم مَا تريد أن تعمله فِي الوقت لا يفوتك عمله فِي غد وَقَدْ قيل من لَمْ يخف فوتًا حلم فإنك إِذَا فعلت ذَلِكَ ذهب السكر وتمكنت من العقل والرأي الصحيح وَقَدْ قيل أصح مَا يكون الإنسان رأيًا إِذَا استدبر ليله واستقبل نهاره فإذا صحوت من سكرك الغضبى فتأمل الَّذِي أغضبك ولا تشف غضبك بما يؤتمك فقد قيل مَا شفى غيظه من إثم بذنبه واذكر قدرة الله عَلَيْكَ وإنك محتاج إِلَى عفوه ورحمته وخاصة فِي أوقات الشدائد واذكر دائمًا قوله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم وقوله تعالى وإن تعفوا أقرب للتقوى فإن أوجبت الحال العفو فاعف وإن أوجبت العقوبة كَانَ الأمر إِلَيْكَ ولا تتجاوز قدر العقوبة فِي الذنب فيذهب ويقبح فِي الناس ذكرك وإذا أخذت نفسك بهذه مرة وثانية وثالثة صارت بعد ذَلِكَ سجية لَكَ وعادة فاستحسن بحكم ذَلِكَ منه وَلَمْ يزل يصلح أخلاقه شيئًا فشيئًا حَتَّى صلحت واستقامت واستطابت فعل الخير ودفع الظلم والجور وبأن لَهُ أن العدل أربح للسلطان فعمل بواسط وقت المجاعة دار ضيافة وببغداد مارستانا وأكرم سنانًا غاية الإكرام وعظمة نهاية التعظيم.
وَكَانَتْ منزلة سنان كبيرة عند المراء والوزراء فمن ذَلِكَ أن الوزير علي بن عيسى بن الجراح وقع إِلَيْهِ فِي سنة كثرت فِيهَا الأمراض والوباء توقيعًا نسخته فكبرت مد الله فِي عمرك فِي أمر من فِي الحبوس وانهم لا يخلون مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقين من التصرف فِي منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فِي أمراضهم فينبغي أكرمك الله أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم فِي كل يوم ويحملون معهم الأدوية والأشربة وَمَا يحتاجون إِلَيْهِ من المزورات وتتقدم إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس ويعالجوا من فِيهَا من المرضى ويريحوا عالمهم فيما يصفونه لهم إن شاء الله تعالى ففعل سنان ذَلِكَ ثُمَّ وقع إِلَيْهِ توقيعًا آخر فكرت فيمن بالسواد من أهله وأنه لا يخلو من أن يكون فِيهِ مرضى لا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء فتقدم مد الله فِي عمرك بإنفاذ متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون فِي السواد
[ ١٥٠ ]
ويقيمون فِي كل صقع منه مدة مَا تدعو الحاجة إِلَى مقامهم ويعالجون من فِيهِ ثُمَّ ينقلون إِلَى غيره ففعل سنان ذَلِكَ وانتهى أصحاب إِلَى سورا والغالب عَلَى أهلها اليهود فكنب سنان إِلَى الوزير علي بن عيسى يعرفه ورود كتب أصحابه عَلَيْهِ من السواد بأن اكثر من بسورا ونهر ملك يهود وانهم استأذنوا فِي المقام عليهم وعلاجهم أَوْ الانصراف عنهم إِلَى غيرهم وأنه لا يعلم بما يجيبهم بِهِ إذ كَانَ لا يعرف رأيه فِي أهل الذمة وأعلمه أن الرسم فِي بيمارستان الحضرة قَدْ جرى للملي والذمي فوقع الوزير توقيعًا نسخته فهمت مَا كتبت بِهِ أكرمك الله وَلَيْسَ بيننا خلاف فِي أن معالجه أهل الذمة والبهائم صواب ولكن الَّذِي يجيب تقديمه والعمل بِهِ معالجة الناس قبل البهائم والمسلمين قبل أهل الذمة فإذا فضل عن المسلمين مَا لا يحتاجون إِلَيْهِ صرف فِي الطبقة الَّتِي بعدهم فاعمل أكرمك الله عَلَى ذَلِكَ واكتب إِلَى أصحابك بِهِ ووصى بالتنقل فِي القرى والمواضع الَّتِي فِيهَا الوباء الكثيرة الأمراض الفاشية وإن لَمْ يجدوا بذرقة توقفوا عن المسير حَتَّى يصح لهم الطريق ويصلح السبيل فإنهم إذَا فعلوا هَذَا وفقوا إن شاء الله تعالى.
وفي سنة ست وثلاثمائة أشار سنان بن ثابت هَذَا عَلَى المقتدر بأن يتخذ بيمارستان ينسب إِلَيْهِ فأمره باتخاذه فاتخذه لَهُ فِي باب الشام وسماه البيمارستان المقتدري وأنفق عَلَيْهِ من ماله فِي كل شهر مائتي دينار.
وفي أول محرم سنة ست وثلاثمائة فتح سنان بن ثابت بيمارستان السيدة الَّذِي اتخذه لَهَا بسوق يحيى وجلس فِيهِ ورتب المتطببين وَكَانَتْ النفقة عَلَيْهِ فِي كل شهر ست مائة دينار عَلَى يدي يوسف بن يحيى المنجم لأن سنانًا لَمْ يدخل يده فِي شيء من نفقات البيمارستان.
ولسنان تصانيف جيدة وَكَانَ قويًا فِي علم الهيئة وَلَهُ فِي ذَلِكَ أشياء ظاهرة تغني عن الإطالة بذكرها ومن تصانيفه مَا نقل من خط المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي.
رسالة فِي تاريخ ملوك السرياني. رسالة فِي الاستواء. رسالة إِلَى بجكم. رسالة إِلَى ابن رائق. رسالة إِلَى علي بن عيسى الوزير. الرسائل السلطانيات والإخوانيات. رسالة فِي النجوم. رسالة فِي شرح مذهب الصابئين. رسالة فِي قسمة أيام الجمعة عَلَى الكواكب السبعة كتبها إِلَى أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي ورجل آخر. رسالة فِي الفرق بَيْنَ المترسل
[ ١٥١ ]
والشاعر. رسالة فِي أخبار آبائه وأجداده.
ونقل إِلَى العربي نواميس هرمس والسور والصلوات الَّتِي يصلي بِهَا الصابئون.
إصلاحه لكتاب أفلاطون فِي الأصول الهندسية وزاد فِي هَذَا الكتاب شيئًا كثيرًا.
مقالة أنفذها إِلَى عضد الدولة فِي الأشكال ذوات الخطوط المستقيمة متى تقع فِي الدائرة وعليها استخراجه للشيء الكثير من المسائل الهندسية. إصلاحه لعبارة أبي سهل الكوهيّ فِي جميع كتبه وَكَانَ أبو سهل سأله ذَلِكَ. إصلاحه وتهذيبه لما نقله من كتاب يوسف القس من السرياني إِلَى العربي من كتاب أرشيميدس فِي المثلثات.
سهل بن بشر بن حبيب بن هانئ ويقال هنا الإسرائيلي المنجم أبو عثمان كَانَ صاحب تآليف فِي أحكام النجوم وادعاء لعلم الحدثان وَكَانَ يخدم طاهر بن الحسين الأعور ثُمَّ الحسن بن سهل وتآليفه مشهورة فِي الأحكام.
سهل بن سابور بن سهل ويعرف بالكوسج هَذَا ولد سابور الَّذِي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان بالأهواز وَفِي لسانه خوزية وخدم بالطب فِي أيام المأمون وَمَا بهدها وَكَانَ إذَا اجتمع مع يوحنا بن ماسوية وجورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري وأمثالهم من الأطباء قصر عنهم فِي العبارة وَلَمْ يقصر عنهم فِي العلاج وَكَانَ انقطاعه إِلَى الأبرش ومات سهل قبل وفاة المأمون بأشهر.
ومن دعابات سهل الكوسج أنه تمارض فِي سنة تسع ومائتين وأحضر شهودًا يشهدهم عَلَى وصيته وكتب كتابًا أثبت فِيهِ أولاده فأثبت فِي أوله جورجيس وأمه مريم بنت بختيشوع بن جورجيس أخت جبرائيل والثاني يوحنا بن ماسوية وذكر أنه أصاب أم جورجيس وأم يوحنا زنا فأحبلها بهما وتلاحى سهل يومًا هو وجورجيس فِي حمى ربع فعرفه سهل فِي المجلس بثمل مَا شهد
[ ١٥٢ ]
لَهُ بِهِ عَلَى نفسه فِي الوصية فعرض لجورجيس زَمعٌ من الغيظ وَكَانَ كثير الالتفات فصاح سهل صري وهك المسيه أخروا فِي أذنه آية خرسى أراد بالعجمية الَّتِي فِيهِ أن يقول صرع وحق المسيح اقرؤوا فِي أذنه آية الكبرى.
ومن دعاباته انه خرج فِي يوم الشعانين يريد دير الجاثليق والمواضع الَّتِي يخرج إليها النصارى يوم الشعانين فرأى يوحنا بن ماسوية فِي هيئة أحسن من هيئته وَعَلَى دابة أقره من دابته ومعه غلمان لهم روقة فحسده عَلَى الظاهر من نعمته فسار إِلَى صاحب مسلحة الناحية فقال لَهُ أن ابني يعقني وَقَدْ أعجبته نفسه وربما أخرجه ذَلِكَ العجب بنفسه ونعمته إِلَى جحود أبوتي وغن أنت بطحته وضربته عشرين دره موجعة أعطينك عشرين دينارًا ثُمَّ أخرج الدنانير فدفعها إِلَى رجل وثق بِهِ صاحب المسلحة وقال هَذَا ابني يعفني ويستخف بي فجحد أن يكون ابنه فلم يكلمه وضربه عشرين مقرعة ضربًا موجعًا مبرحًا.
سمليس هَذَا فيلسوف رومي مذكور فِي وقته مشهور فِي جملة الشارحين لكتب أرسطوطاليس.
سوريانوس حكيم وقته شارح لكتب أرسطوطاليس مذكور فِي جملة من تعرض لهذا الشأن.
سقراط يعرف بسقراط الحب لأنه سكن حبًا وهو الدن مدة عمره وَلَمْ ينزل بيتًا الحكيم المشهور الفاضل الكامل النزه المنخلي عن تنزهات هَذَا العالم الفاني الناظر إِلَى مَا فِيهِ يعين الحقيقة كَانَ من تلاميذ فيثاغورس واقتصر من الفلسفة عَلَى العلوم الإلهية وأعرض عن ملاذ الدينا ورفضها وأعلن بمخالفة اليونانيين فِي عبادتهم الأصنام وقابل رؤسائهم بالحجج والأدلة فثوروا عَلَيْهِ العامة واضطروا ملكهم إِلَى قتله فأودعه ملكهم الحبس توصلًا إِلَى قلوبهم وتسكينًا لتبرئتهم ثُمَّ أسقاه السم تفاديًا من شرهم بعد مناظرات جرت لَهُ مع الملك محفوظة وَلَهُ وصايا شريفة وآداب
[ ١٥٣ ]
فاضلة وحكم مشهورة ومذاهب فِي الصفات قريبة من مذاهب فيثاغورس وأبيذقليس إِلاَّ أن لَهُ فِي شأن المعاد آراء ضعيفة بعيدة عن محض الفلسفة خارجة عن المذاهب المحققة.
وذكر بعض من لَهُ عناية بالتاريخ أن سقراط شامي وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفلسفة والنسك والتأله لَمْ يكن لَهُ تآليف فِي الكتب ومات مقتولًا قتله ملك زمانه إذ زجره عن القبائح والفحشاء وَلَمْ يبن دارًا ولا اتخذ سكنًا وَكَانَ يأوي إِلَى دنّ وَكَانَ يشتمل بكساء وَلَمْ يتخذ لنفسه غيره ومر بِهِ ملك ناحيته فقال لَهُ الملك أنت عبد لي قال سقراط وأنت عبد لعبدي قال وكيف قال لأني رجل أملك شهوتي المردية وأنت لا تملك شهوتك فأنت عبد عبدي قال لَهُ الملك فما حملك عَلَى اتخاذ الدنّ قال لَهُ سقراط قطعت عن نفسي مؤونة كل دائر ودارس قال فإن انكسر الدنّ قال سقراط ثُمَّ المكان فانصرف الملك عنه ثُمَّ تكلم فِي أمره سرًا مع خاصته وكانوا عَلَى المجوسية وَعَلَى عبادة النجوم فأشاروا عَلَيْهِ بقتله فبلغ سقراط ذَلِكَ فلم يزل عن مكانه وقال الموت لَيْسَ بشر ولكنه خير وحالة الإنسان بعد الموت أتم واخذ وأتى بِهِ الملك وشهد عَلَيْهِ سبعون شيخًا أنه أفسد القول فِي آلهتهم فأمر بِهِ إِلَى القتل فبكت زوجته فقال لَهَا مَا يبكيك قالت تقتل بلا حق قال لَهَا وإنما طلبت أن أقتل بحق وقال لَهُ بعض تلاميذه قيد لنا علمك فِي المصاحف قال مَا كنت العلم فِي جلود الضأن وقال لَهُ رجل مَا مَاهية الرب فقال القول فيما لا يحاط بِهِ جهل وسأله رجل الَّتِي خلق لَهَا العالم فقال مَا العلة جود الله.
وَكَانَ سقراط فِي زمن أفلاطون ولما أكثر سقراط عَلَى أهل بلده الموعظة وردهم إِلَى الالتزام بما تقتضيه الحكمة السياسية ونهاهم عن الخيالات الشعرية وحثهم عَلَى الامتناع عن اتباع الشعراء عز ذَلِكَ عَلَى أكابرهم وذوي الرئاسة منهم واجتمع عَلَى أذاه عند الملك والإغراء بِهِ أحد عشر قاض من قضاتهم فِي ذَلِكَ الزمن فتكلموا فِيهِ بما أفسد عَلَيْهِ قلب الملك وزينوا لَهُ قتله والراحة منه ميلوا لَهُ أنه بقي فِي دولته أفسدها وربما يخرج الملك بأقواله عن يده فقال الملك إن قتلته ظاهرًا ساءت سمعتي واستجهلني أهل مملكتي والمجاورون لي فإن قدر الرجل لديهم كبير وذكره فِي الآفاق سائر فقالوا
[ ١٥٤ ]
نتحيل لَهُ فِي سم نسقيه فأسجنه أيامًا فأمر بسجنه ولما حبس الملك سقراط بقي فِي الحبس أشهرًا بعد فتيا قضاة مدينة اثيلس بقتله فقال فاذن للذي سأله واسمه خقراطيس يَا خقراطيس قَدْ كَانَ الخبر عَلَى مَا أبلغك وذلك أنه قضى عَلَيْهِ القضاة بالقتل وَقَدْ كلل مؤخر المركب الَّذِي يبعث فِي كل سنة إِلَى الهيكل المرسوم بهيكل ايرعون وكانوا إذَا كللوا مؤخر المركب الَّذِي يحمل فِيهِ مَا يحمل فِي كل سنة إِلَى ذَلِكَ الهيكل لَمْ تتلف نفس علانية بإراقة دم ولا غيره حَتَّى يرجع المركب إِلَى اثينس وأنه عرض للمركب فِي البحر عارض منعه من المسير فأبطئ فتله تِلْكَ الشهور فلم يقتل حَتَّى انصرف المركب قال فإذن وكنا جماعة من أصحابه تختلف إِلَيْهِ تتوافى فِي كل يوم فِي الغلس فإذا فتح باب السجن دخلنا إِلَيْهِ فأقمنا عنده أكثر نهارنا فلما أن كَانَ قبل قدوم المركب بيوم أَوْ يومين وافيت الغلس فأصبت اقريطون قَدْ سبقني فلما فتح الباب دخلنا معًا فصرنا إِلَيْهِ فقال لَهُ اقريطون أن المركب داخل غدًا أَوْ بعد غد وَقَدْ أزف الأمر وَقَدْ سعينا فِي أن تدفع عنك مالًا إِلَى هؤلاء القوم وتخرج خفيًا فتصير إِلَى رومية فتقيم بِهَا حَيْثُ لا سبيل لهم عَلَيْكَ فقال سقراط يَا اقريطون قَدْ نعلم أنه لا يبلغ ملكي أربعمائة درهم وأيضًا فإنه يمنع من هَذَا الفعل مَا لا يجوز أن يخرج عنه فقال لَهُ اقريطون لَمْ أقل هَذَا القول عَلَى أنك تغرم شيئًا وإنا لنعلم أنه لَيْسَ لَكَ ولا فِي وسعك مَا سأل القوم ولكن أموالنا متسعة لَكَ بذلك وبمثله أضعافًا كثيرة وأنفسنا طيبة لنجا لمن وإلا نفجع بك فقال يأبى قريطون هَذَا البلد الَّذِي فعل بك مَا فعل هو بلدي جنسي وَقَدْ نالني فِيهِ من جنسي مَا قَدْ رأيت وأوجب عَلَى فِيهِ القتل وَلَمْ يوجب علي لشيء أستحقه بل لمخالفتي الجور وطعني على الأفعال الجائرة وأهلها والحال الَّتِي وجب عليّ بِهَا عندهم القتل هي معي حَيْثُ توجهت وغني لا أدع نصرة الحق والطعن عَلَى أهل الباطل والمبطلين وأهل رومية أبعد مني رحمًا من أهل مدينتي فهذا الأمر إذَا كَانَ باعثه عَلَى الحق ونصرة الحق حَيْثُ توجهت واجبة عَلَى فغير مأمون هناك عَلَى مثل مَا أنا فِيهِ ثُمَّ لا يعطف واحدًا منهم عَلَى رحم يفديني بِهَا فقال لَهُ اقريطون فتذكر ولدك وعيالك وَمَا تخاف عليهم من الضيعة وارحمهم إن لَمْ تشفق عَلَى نفسك فقال الَّذِي يلحقهم من الضيعة برومية كذلك ولكنهم ها هنا أحرى بأن لا يضيعوا معكم خبرني يَا اقريطون لَوْ أن الناموس مثّل رجلًا فقال بل يَا سقراط أليس بي اجتمع أبواك وبي كَانَ تأديبك وبي تدبير حياتك أكنت أقول لا
[ ١٥٥ ]
أم أقول الحق الَّذِي هو الإقرار بذلك فقال لَهُ بل الحق قال سقراط فرأيت إن قال لي أفي العدل يظلمك ظالم فتظلم آخر أفكان يجوز أن أقول نعم فقال اقريطون لا يجوز أن تقول نعم قال لَهُ فإن قال لي يَا سقراط فإن ظلمك القضاة الحد عشر فألزموك مَا لا تستحق يجب أن تظلمني فتلزمني مَا لا استحق فهل يجوز لي أن أقول نعم قال لَهُ قريطون لا يجوز ذَلِكَ قال لَهُ سقراط فإن قال أفخروجك من الصبر عَلَى مَا حكم بِهِ الحاكم خروج عن الناموس ونقص لَهُ أن لا أيجوز أن أقول لَيْسَ بنقص وخروج عن الناموس فقال لَهُ اقريطون لا يجوز ذَلِكَ فقال لَهُ سقراط فإذًا لا يجب إن ظلمني هؤلاء القضاة أن اظلم الناموس ودار بينهما فِي ذَلِكَ كلام كثير فقال لَهُ قريطون إن كنت تريد أن تأمر بشيء فتقدم فِيهِ فإن الأمر قَدْ أزف فقال يشبه أن يكون كذلك لأني قَدْ رأيت فِي منامي قبل أن تدخل عليّ
مَا يدل على ذَلِكَ. ايدل على ذَلِكَ.
فلما كَانَ ذَلِكَ اليوم الَّذِي عزموا فِيهِ عَلَى قتله بكرنا كالعادة فلما جاء قيم السجن فرآنا فتح الباب وجاء القضاة الأحد عشر فدخلوا ونحن مقيمون عَلَى الباب فلبثوا مليًا فخرجوا من عنده وَقَدْ قطعوا حديده ثُمَّ داءنا السجان فقالوا ادخلوا فدخلنا وهو عَلَى سرير كَانَ يكون عَلَيْهِ فسلمنا وقعدنا فلما استقر بِنَا المجلس نزل عن السرير ونزل معنا أسفل منه وكشف عن ساقيه فمسحهما وحكهما ثُمَّ قال مَا أعجب فعل السياسة الإلهية كَيْفَ قرنت الأضداد بعضها ببعض فإنه لا يكون لذة إِلاَّ وتبعها ألم ولا ألم إِلاَّ وتبعته لذة فإنه قَدْ عرض لَنَا بعد الألم الَّذِي كنا نجده من ثقل الحديد فِي موضعه لذة وَكَانَ هَذَا القول منه سببًا للقول فِي الأفعال النفسانية ثُمَّ اطرد القول بينهم فِي النفس حَتَّى أتي عَلَى جميع مَا سئل عنه من أمرها بالقول المتقن المستقصى ووافي ذلك منه عَلَى مثل الحال الَّتِي كَانَ يعهد عَلَيْهَا فِي حال سروره من البهج والمزح فِي بعض المواضع وكلتا تتعجب منه أشد التعجب من صرامة نفسه وشدة استهانته بالنازلة الَّتِي قَدْ نهكتنا لَهُ ولفراقه وبلغت منا وشغلتا كل الشغل وَلَمْ يشغله عن تقصي الحق فِي موضعه وَلَمْ يزل شيء من أخلاقه وأحوال نفسه الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي زمن أمنه الموت وقال لَهُ سيماس فِي بعض مَا يقول لَهُ وأمسك بعض الإمساك عن السؤال أن التقصي فِي السؤال عَلَيْكَ مع هَذِهِ الحال لثقل علينا شديد وسماجة
[ ١٥٦ ]
فاحشة وأن الإمساك عن التقصي فِي البحث لحسرة علينا غدًا عظيمة لما نعدم فِي الأرض من وجود الفاتح لما تريده فقال لَهُ يَا سيماس لا تدعنَّ التقصي لشيء أردته فإن تقصيك لذلك هو الَّذِي أسر بِهِ وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الحال عندي وبين الحال الأخرى فرق فِي الحرص عَلَى تقصي الحق فإنا وإن كنا نعدم أصحابًا ورفقاء إشرافًا محمودين فاضلين فإنا أيضًا إذ كنا معتقدين متيقنين بالأقاويل الَّتِي لَمْ تزل منا نصير إِلَى إخوان فاضلين إشراف محمودين منهم اسلاؤس واملوس وارقيليس وجميع من سلف من ذوي الفضائل الإنسانية وعدد أقوامًا غير من ذكرنا فلما تصرم القول فِي السفس وبلغوا من سؤالهم الغرض الَّذِي أرادوا سألوه عن هيئة العالم وَمَا عنده من الخبر فِي ذَلِكَ فقال أما مَا اعتقدناه وبيناه فهو أن الأرض كروية وأن الأفلاك محيطة بِهَا ومحيط بعضها ببعض الأعظم بالذي يليه فِي العظم وأن لَهَا من الحركات مَا قَدْ جرت العادة بالقول بِهِ وسمعتموه منا كثيرًا فأما مَا وصف أناس آخرون فإنهم وصفوا شيئًا كثيرًا ثُمَّ قص قصصًا طويلة فِي ذَلِكَ مما ذكره الشعراء اليونانيون القائلون فِي الأشياء الإلهية كاوميروس وارقاؤس وأسيدوس وابيذقليس ثُمَّ قال أما مَا قلنا فِي النفس وَفِي هيئة الأرض والأفلاك فلم نخدع فِيهِ وَلَمْ نقل غير الحق فأما هَذِهِ الأشياء الأخر فإنه لَيْسَ بحثها من فعل رجل حكيم فلما فرغ من ذَلِكَ قال أما الآن فأظنه قَدْ حضرت الساعة الَّتِي ينبغي أن نستجم فِيهَا فلا نكلف النساء إحمام الموتى فِي صيوان الحكم فإن الأمر يأتي يعني السياسة قَدْ دعتنا ونحن ماضون إِلَى اذوس فإن الأمر فانٍ ونحن ماضون إِلَى تراوس وأما أنتم فتنصرفون إِلَى أهاليكم ثُمَّ نهض ودخل بيتًا يستحم فِيهِ فأطال اللبث فِيهِ ونحن نتذاكر مَا نزل بِنَا من فقده وإنا نعدم أبًا شفيقًا وتبقى بعده كاليتامى ثُمَّ خرج إلينا وَقَدْ استحم فجلس ودعا بولده ونسائه فأتى بهم وَكَانَ لَهُ ابنان صغيران وابن كبير فودعهم وأوصاهم بالذي أراد وأمر بصرفهم فقال لَهُ قريطون مَا الَّذِي تأمرنا بِهِ أن نفعله فِي ولدك وأهلك وغير ذَلِكَ من أمرك فقلت لست آمركم بشيء جديد بل هو الَّذِي لَمْ أزل آمركم بِهِ من الاجتهاد فِي إصلاح أنفسكم فإنكم إِذَا فعلتم ذَلِكَ سررتموني وسررتم كل من هو مني بسبيل فقال لَهُ اقريطون فما الَّذِي تأمرنا بك أن نعمل إِذَا مت فضحك ثُمَّ
[ ١٥٧ ]
التفت إِلَى جماعتنا فقال أن قريطون لا يصدق بجميع مَا سمع مني ولا أن الَّذِي يخطب ويخاطبه منذ اليوم هو سقراط ولا يظن أن الَّذِي يفعل ذَلِكَ بِهِ لَيْسَ الأجد سقراط وأنا أظن الآن أنني سأفر منكم بعد ساعة فإن وجدتني يَا قريطون فافعل بي مَا تشاء فأقبل خادم الأحد عشر قاضيًا فوقف بَيْنَ يدي سقراط فقال
لَهُ يَا سقراط إنك حري معها أرى وَمَا عرفته منك قديمًا أن لا تسخط عليّ عندما آمرك بِهِ من أخذ الدواء اللازم باضطرار لأنك تعلم أتي لست علة موتك وأن علة موتك قضاء الحد عشر وإني مأمور بذلك مضطر إِلَيْهِ وإنك أفضل من جميع من صار إِلَى هَذَا الموضع فاشرب الدواء بطيبة نفس واصبر عَلَى الاضطرار اللازم ثُمَّ رزقنا بعينيه وانصرف عن الموضع الَّذِي كَانَ واقفًا فِيهِ بَيْنَ يدي سقراط فقال سقراط نفعل ذَلِكَ ثُمَّ التفت إلينا فقال مَا أهيأ هَذَا الرجل قَدْ كَانَ يدخل إِليّ كثيرًا فأراه فاضلًا فِي مذهبه ثُمَّ التفت إِلَى اقريطون فقال لَهُ مر الرجل أن يأتي بشربة موتى غم كَانَ قَدْ سحقها وإن كَانَ لَمْ يسحقها فليجد سحقها وليأت بِهَا فقال اقريطون الشمس بعد عَلَى الجدار وعليك من النهار بقية فقال لَهُ سقراط قل للرجل حَتَّى يأتي بالشربة فدعا اقريطون غلامًا لَهُ فأصغى إِلَيْهِ بشيء فخرج الغلام مسرعًا فلم يلبث أن دخل ومعه الرجل وَفِي يده الشربة فنظر إِلَيْهِ كما ينظر الثور الفحل إِلَى مَا يهابه ثُمَّ مد يده فتناولها والتفت إِلَيْهِ وقال لَهُ يمكن أن تخلف من هَذِهِ الشربة شربة لإنسان آخر فقال إنما تدق منها مَا يطفي الرجل الواحد فقال لَهُ أنت عالم بما ينبغي أن يعمل إِذَا شربت فأمر بذلك قال لَيْسَ هو إِلاَّ أن تتردد بعد شربها فإذا وجدت ثقلً فِي رجليك استلقيت فشربها فلما رأيناه قَدْ شربها رهقنا من البكاء والأسف مَا لَمْ نملك معه أنفسنا وعلت أصواتنا بالبكاء فأقبل علينا يلومنا ويعظنا ثُمَّ قال إنما صرفنا النساء لئلا يكون مثل هَذَا فأما الآن فقد كَانَ منكم أعظم فأما أنا فسترت وجهي وكنت أبكي بكاء شديدًا عَلَى نفسي إذ عدمت صديقًا مثله ثُمَّ سكتنا استحياء منه وأخذ فِي التردد هنيهة ثُمَّ قال للرجل قَدْ ثقلت رجلاي فأمره بالاستلقاء وجعل يجس قدميه ثُمَّ غمرهما فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمزه غمزًا شديدًا فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمز ساقيه وجعل يسأله ساعة بعد ساعة هل تحس فيقول لا ورأيناه يجمد أولًا فأولًا ويشتد برده حَتَّى انتهى إِلَى حقوبه ثُمَّ غمزه فلم يحس بذلك فكشف عنه وقال لَنَا إِذَا انتهى هَذَا البرد إِلَى قلبه قضى عَلَيْهِ ثُمَّ قال سقراط لقريطون اسفلابيوس عندما ديك فأعطوه إياه وعجلوه فقال لَهُ اقريطون نفعل ذَلِكَ وإن كنت تريد شيئًا آخر فقل فلم يجبه وشخص ببصره فأطبق قريطون عينيه وشد لحيته فهذا خير سقراط صاحبنا الَّذِي لا نعلم أحدًا فِي دهرنا من اليونانيين كَانَ أفضل منه فقال لَهُ خقراطيس فمن كَانَ حاضرًا فقال جماعة كثيرة من أصحاب سقراطيس فقال هل أكان أفلاطون حاضركم قال لا لأنه كَانَ مريضًا لا يقدر عَلَى الحضور. َهُ يَا سقراط إنك حري معها أرى وَمَا عرفته منك قديمًا أن لا تسخط عليّ عندما آمرك بِهِ من أخذ الدواء اللازم باضطرار لأنك تعلم أتي لست علة موتك وأن علة موتك قضاء الحد عشر وإني مأمور بذلك مضطر إِلَيْهِ وإنك أفضل من جميع من صار إِلَى هَذَا الموضع فاشرب الدواء بطيبة نفس واصبر عَلَى الاضطرار اللازم ثُمَّ رزقنا بعينيه وانصرف عن الموضع الَّذِي كَانَ واقفًا فِيهِ بَيْنَ يدي سقراط فقال سقراط نفعل ذَلِكَ ثُمَّ التفت إلينا فقال مَا أهيأ هَذَا الرجل قَدْ كَانَ يدخل إِليّ كثيرًا فأراه فاضلًا فِي مذهبه ثُمَّ التفت إِلَى اقريطون فقال لَهُ مر الرجل أن يأتي بشربة موتى غم كَانَ قَدْ سحقها وإن كَانَ لَمْ يسحقها فليجد سحقها وليأت بِهَا فقال اقريطون الشمس بعد عَلَى الجدار وعليك من النهار بقية فقال لَهُ سقراط قل للرجل حَتَّى يأتي بالشربة فدعا اقريطون غلامًا لَهُ فأصغى إِلَيْهِ بشيء فخرج الغلام مسرعًا فلم يلبث أن دخل ومعه الرجل وَفِي يده الشربة فنظر إِلَيْهِ كما ينظر الثور الفحل إِلَى مَا يهابه ثُمَّ مد يده فتناولها والتفت إِلَيْهِ وقال لَهُ يمكن أن تخلف من هَذِهِ الشربة شربة لإنسان آخر فقال إنما تدق منها مَا يطفي الرجل الواحد فقال لَهُ أنت عالم بما ينبغي أن يعمل إِذَا شربت فأمر بذلك قال لَيْسَ هو إِلاَّ أن تتردد بعد شربها فإذا وجدت ثقلً فِي رجليك استلقيت فشربها فلما رأيناه قَدْ شربها رهقنا من البكاء والأسف مَا لَمْ نملك معه أنفسنا وعلت أصواتنا بالبكاء فأقبل علينا يلومنا ويعظنا ثُمَّ قال إنما صرفنا النساء لئلا يكون مثل هَذَا فأما الآن فقد كَانَ منكم أعظم فأما أنا فسترت وجهي وكنت أبكي بكاء شديدًا عَلَى نفسي إذ عدمت صديقًا مثله ثُمَّ سكتنا استحياء منه وأخذ فِي التردد هنيهة ثُمَّ قال للرجل قَدْ ثقلت رجلاي فأمره بالاستلقاء وجعل يجس قدميه ثُمَّ غمرهما فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمزه غمزًا شديدًا فقال لَهُ هل تحس غمزي قال لا ثُمَّ غمز ساقيه وجعل يسأله ساعة بعد ساعة هل تحس فيقول لا ورأيناه يجمد أولًا فأولًا ويشتد برده حَتَّى انتهى إِلَى حقوبه ثُمَّ غمزه فلم يحس بذلك فكشف عنه وقال
[ ١٥٨ ]
لَنَا إِذَا انتهى هَذَا البرد إِلَى قلبه قضى عَلَيْهِ ثُمَّ قال سقراط لقريطون اسفلابيوس عندما ديك فأعطوه إياه وعجلوه فقال لَهُ اقريطون نفعل ذَلِكَ وإن كنت تريد شيئًا آخر فقل فلم يجبه وشخص ببصره فأطبق قريطون عينيه وشد لحيته فهذا خير سقراط صاحبنا الَّذِي لا نعلم أحدًا فِي دهرنا من اليونانيين كَانَ أفضل منه فقال لَهُ خقراطيس فمن كَانَ حاضرًا فقال جماعة كثيرة من أصحاب سقراطيس فقال هل أكان أفلاطون حاضركم قال لا لأنه كَانَ مريضًا لا يقدر عَلَى الحضور.
سنبليقيوس مهندس رياضي كَانَ بعد زمن إقليدس وَكَانَ فِي زمنه مذكورًا وعلمه من هَذَا النوع موفورًا تصدر لإفادة هَذَا الشأن بأرض يونان واشتهر هناك ذكره وعلا أمره وَكَانَ لَهُ أصحاب وأتباع يعرفون وَكَانَ رومي الجنس وَلَهُ تصانيف مشهورة منها كتاب شرح كتاب إقليدس وهو المدخل إِلَى علم الهندسة وغيره.
سند بن علي المنجم المأموني منجم فاضل خبير بتسيير النجوم وعمل آلات الأرصاد والاصطرلاب وَكَانَ واحد الفضلاء فِي وقته اتصل بخدمة المأمون وندبه المأمون إِلَى إصلاح آلات الرصد وأن يرصد بالشماسية ببغداد ففعل ذَلِكَ امتحن مواضع الكواكب وَلَمْ يتمم الرصد لأجل موت المأمون ولسند هَذَا زيج مشهور يعمل بِهِ المنجمون إِلَى زمننا هَذَا وَكَانَ يهوديًا وأسلم عَلَى يد المأمون وهو الَّذِي بني الكنيسة الَّتِي فِي ظهر باب الشماسية فِي حريم دار معز الدولة وجعله المأمون ممتحنًا للأرصاد لما تقدم بعملها ثقة ببصره وَلَهُ تصانيف فِي النجوم والحساب مشهورة.
سابور بن سهل صاحب بيمارستان جند يسابور وَكَانَ فاضلًا عالمًا متقدمًا فِي هَذَا النوع وَلَهُ تصانيف مفيدة مشهورة منها كتاب الاقرباذين المعمول عَلَيْهِ فِي
[ ١٥٩ ]
البيمارستانات ودكاكين الصيادلة اثنان وعشرون بابًا وتوفي نصرانيًا فِي يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجة سنة خمس وخمسين ومائتين.
سلمويه بن بنان كَانَ طبيبًا فاضلًا فِي وقته خدم المعتصم وخص بِهِ حَتَّى أن المعتصم لما مات سلمويه سألحق بِهِ لأنه كَانَ يمسك حياتي ويدبر جسمي ولما ملك المعتصم فِي سنة ثماني عشرة ومائتين اختار لنفسه سلمويه هَذَا وأكرمه.
وقال حنين أن سلمويه كَانَ عالمًا بصناعة الطب ولما مرض عاده المعتصم وبكى عنده وقال لَهُ أشر عليَّ بعدك بمن يصلحني فقال عَلَيْكَ بهذا الفضولي يوحنا بن ماسويه وإذا وصف شيئًا فخذ أقله أخلاطًا ولما مات امتنع المعتصم عن الأكل فِي ذَلِكَ اليوم وأمر بإحضار جنازته إِلَى الدار وأن يصلى عَلَيْهَا بالشمع والبخور عَلَى رأي النصارى ففعل ذَلِكَ وهو يراهم وكان المعتصم قويًا وَكَانَ سلمويه يقصده فِي السنة مرتين ويسقيه عقيب كل فصد دواء فلما باشره يوحنا أراد عكس مَا كَانَ يفعله سلمويه فسقاه الدواء قبل الفصد فلما شرب الدواء حمي دمه وحم وَمَا زال جسمه ينقص حَتَّى مات وذلك بعد عشرين شهرًا من وفاة سلمويه. وَكَانَتْ بَيْنَ الحسين بن عبد الله وبين سلمويه مودة فقال دخلت عَلَيْهِ يومًا فوجدته قَدْ خرج من الحمام وهو متململ والعرق يسيل من جبينه فجلس وجاءه خادم بمائدة صغيرة عَلَيْهَا دراج مشوي وشيء أخضر فِي زبدية وثلاث رقاقات وَفِي سكرجة خلّ فأكل الجميع واستدعى مقدار وزن درهمين سرابًا فمزجه وشربه وغسل يده بماء ثُمَّ أخذ فِي تغيير ثيابه والبخور أقبل يحادثني فقلت لَهُ مَا صنعت فقال أنا أعالج السل منذ ثلاثين سنة لَمْ آكل فِي جميعها غير مَا رأيت وهو دراج مشوي وهنديًا مسلوقة مطجنة بدهن اللوز وهذا المقدار من الخل
[ ١٦٠ ]
وإذا خرجت من الحمام احتجت إِلَى مبادرة الحرارة بما يسكنها لئلا تعطف عَلَى بدني فتأخذ من رطوبته فأشغلها بالغذاء ليكون عطفها عَلَيْهِ ثُمَّ أتفرغ لغيره وَكَانَ سلمويه قَدْ اكتسب من خدمة الخلفاء سياسة اقترنت بعقله فحدث لَهُ منها حسن الرأي والنظر فِي العواقب لنفسه ولغيره ممن يستنصحه.
السموأل بن يهوذا المغربي الحكيم اليهودي أظنه من الأندلس قدم هو وأبوه إِلَى المشرق وَكَانَ أبوه يشدو شدوًا شيئًا من علم الحكمة وَكَانَ ولده السموأل هَذَا قَدْ قرأ فنون الحكمة وقام بالعلوم الرياضية وأحكم أصولها وفوائدها ونوادرها وَكَانَ عدديًا هندسيًا حقيقيًا وَلَهُ فِي ذَلِكَ مصنفات رأيت منها كتاب المثلث القائم الزاوية وَقَدْ أحسن فِي تمثيله وتشكيله وعدة صوره ومبلغ مساحة كل صورة منها صنفه لرجل من أهل حلب يدعي الرف وصنف منبرًا فِي مساحة أجسام الجواهر المختلطة لاستخراج مقدار مجهولها وصنف كتبًا فِي الطب.
وارتحل إِلَى أذربيجان وخدم بَيْنَ البهلوان وأمراء دولتهم وأقام بمدينة المراغة وأولد أولادًا هناك سلكوا طريقته فِي الطب وأسلم فحسن إسلامه وصنف كتابًا فِي إظهار معائب اليهود وكذب دعاويهم فِي التوراة ومواضع الدليل عَلَى تبديلها وأحكم مَا جمعه فِي ذَلِكَ ومات بالمراغة قريبًا من سنة سبعين وخمسمائة.
سلامة بن رحمون أبو الخير اليهودي المصري قالوا أبو الصلت وأنبه من رأيته منهم يعني أطباء مصر وأدخلهم فِي عداد الأطباء رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة ابن رحمون فإنه لقي أبا الوفاء المبشر بن فاتك وأخذ عنه شيئًا من صناعة المنطق تخصص بِهِ وتميز عن إضرابه
[ ١٦١ ]
وأدرك الكثير البرقاني تلميذ أبي الحسن بن رضوان وقرأ عَلَيْهِ بعض كتب جالينوس ثُمَّ نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعها وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية وشرح بزعمه وفسر ولخص وَلَمْ يكن هنالك فِي تحصيله وتحقيقه بل كَانَ يكثر كلامه فيضل ويسرع فِي جوابه فيزل ولقد سألته أول لقائي لَهُ واجتماعي بِهِ عن مسائل استفتحت مباحثته بِهَا مما يمكن أن يفهمها من لَمْ يمتد فِي العلم باعه فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره وأعرب عن سوء تصوره وفهمه وَكَانَ مثله فِي عظيم ادعائه وقصوره عن أيسر مَا هو متعاطيه كقول الشاعر:
يثمر للج عن ساقه ويغمره الموج فِي الساحل
وكما قال الآخر:
تمنيتم مائتي فارس فردكم فارس واحد
وَكَانَ سلامة هَذَا موجودًا فِي حدود سنة عشر وخمسمائة فغن الوقت الَّذِي دخل فِيهِ أبو الصلت إِلَى مصر هو ذَلِكَ الزمان.
[ ١٦٢ ]