أحمد بن حسن بن عمر بن معروف الشطي الدمشقي، مفتي الحنابلة بدمشق وأحد علمائها الأعلام القائمين بإفادة الخاص والعام، العالم الكبير المحدث الفقيه الفرضي الحيسوبي الثبت الحجة الصالح التقي. ولد ليلة السبت رابع عشري صفر سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده الإمام المقدمة ترجمته (٧٢) على أحسن تربية وأتمّ أدب، وكان لوالده ميل إليه ونظر عليه، وقد قرأ القرآن وجوده وحفظه على الشيخ مصطفى التلي، ثم لازم دروس والده من حديث وفقه وفرائض وحساب ومساحة ونحو وغير ذلك، وبه انتفع وتخرج، واستجاز له والده من علماء عصره كالحلبي والكزبري والعطار والطيبي والتميمي نزيل دمشق فأجازوه، وروى عنهم حديث الرحمة بأولية حقيقية، واستجاز من الشيخ أحمد البغال والشيخ قاسم الحلاق وغيرهما، ولازم بعد وفاة والده الشيخ عبد الله الحلبي فحضر دروسه، ولما توفي والده سنة ١٢٧٤ قدم للتدريس في مكانه فدرّس في محراب الحنابلة من الجامع الأموي في محفل عظيم من علماء دمشق، وكلهم اثنى عليه وشكر همته، وكان حلو التقرير حسن التعبير طلْقَ اللسان واستمر يدرس به في رمضان إلى وفاته، وأما دروسه ودروس أخيه الخاصة في دارهما فكانت شائقة للغاية، بحيث إنها قد
_________________
(١) حلية البشر ٣/ ١٦٢٥، مختصر طبقات الحنابلة ١٧٥ - ١٧٨، منتخبات التواريخ ٢/ ٧١٣.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٣٦٧.
[ ٣٩٣ ]
تزيد على عشرة دروس في كل يوم وليلة ويجتمع عليهما العدد الكثير من الطلبة، وكان صاحب الترجمة يقرئ في الحديث والفقه والفرائض والحساب والنحو، وكان درسه جم الفوائد مقبولًا، ولم يؤلف شيئًا ومع ذلك فكانت له حواش نفيسة على بعض كتب الفقه والفرائض، وقد أخذ عنه وانتفع به خلق كثيرون ولا سيما من نجد ونابلس ودوما ورحيبة وغيرها وهم علماء العصر ورجاله، وفي سنة ١٢٧٣ وجه عليه تدريس أدرنه في حياة والده، وفي صفر سنة ١٢٨٨ وجهت له فتوى الحنابلة عن المرحوم سعيد السيوطي (٧٣) المقدمة ترجمته، بمرسوم من قاضي دمشق حسب العادة القديمة فتصدر وأفتى ونفع في حوادث شتى، وجمع بعض فتاويه فجاء رسالة صغيرة. وفي سنة ١٢٩٥ ولي نيابة محكمة العونية بمحلة العمارة. ولما توفي الشيخ محمد البرقاوي قاضي الحنابلة ولي القضاء في مكانه ثم عزل عنه أو ألغي القضاء من أصله في حادثة الشيخ الطنطاوي مع بني الصلاحي وهي دعوى معروفة (٧٤). وكان ترك له أخوه فرضية البلدية (٧٥) في دمشق لما ولي القضاء في راشيا فاستقر بها وبالفتوى إلى وفاته وكان عليه وعلى أخيه تولية الجامع المظفري المعروف بجامع الحنابلة وتولية المدرسة البذرائية وتدريسها وكان مرجعًا في المشكلات وعمدة في المعضلات. وبالجملة فقد كان حسنة من حسنات الدهر.
وكانت وفاته فجأة عقب نزوله من وادي الغزي قرب الربوة وذلك ليلة الاثنين ثاني عشري صفر سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف، ودفن بتربة الذهبية بدمشق.
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٣٧٤.
(٢) أفادنا الشيخ محمد دهمان عن هذه الحادثة بتاريخ ٢٠/ ١٤٠٠/١١ هـ بأنها قضية وقف مختلف فيه بين أسرة الصلاحي والشيخ الطنطاوي طال الخصام فيها سنوات عديدة.
(٣) فرضية البلدية: إحدى وظائف البلدية وهي لتعيين المخصّصات والحصص المستحقة لأصحابها.
[ ٣٩٤ ]