مصطفى بن محمود بن معروف بن عبد الله بن مصطفى الشطي البغدادي
_________________
(١) حلية البشر ١/ ٢٩ - ٣٠.
(٢) مختصر طبقات الحنابلة ١٥٤.
(٣) القيمرية محلة مشهورة بدمشق شرق الجامع الأموي.
(٤) حلية البشر ٣/ ١٥٣٩ مختصر طبقات الحنابلة ١٥٤ - ١٥٧.
[ ٣٦٣ ]
الأصل الدمشقي الكرخي نسبة إلى الولي المشهور الشيخ معروف الكرخي، وهذه النسبة مستفيضة في بغداد معروفة لبني الشطي حتى الآن ولهم فيها آثار ومآثر منها جامع القزازة الحاوي على مقبرة عظيمة قديمة وأغلب آل شطي مدفونون بها، وهو الآن بيد بني البرزنجي من أسباطهم هناك، وقد انقرض الذكور منهم بالطاعون سنة ١٢٢٧، وكان آخرهم الحاج إسماعيل شطي المتوفى سنة ١٢٢٩ وكان قيل ذلك في حدود سنة ١١٨٠، ورد منهم إلى دمشق تجارًا كل من والد صاحب الترجمة الحاج محمود جلبي والحاج عمر جلبي والحاج خضر جلبي أولاد الحاج معروف جلبي وابن عمهم الحاج عبد الفتاح، فنزلوا في ديارهم المعروفة بهم قرب المدرسة البدرائية بدمشق وتجارتهم في خان اسعد باشا العظم بسوق البزورية، ثم نشأ صاحب الترجمة في صيانة وورع، وكان من العلماء العاملين والأولياء الكاملين عابدًا ناسكًا مجتنبًا للشبهات مشتغلًا بأنواع القربات، مشهورًا بالصلاح والتقوى بحيث كان مثال الورع في دمشق، مولده بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده المتوفي سنة ١٢٠١ ثم بعد ذلك بقي المترجم عند والدته مع أخويه الأكبرين الحاج أحمد والحاج محمد إلى أن بلغ من العمر ثلاثا وعشرين سنة، وكان إذا ذاك قد حفظ القرآن الكريم وبرع في العلوم، وقد قرأ في الفقه على العلامة الشيخ مصطفى الرحيباني الشهير بالسيوطي، ومن مقروآته عليه شرحه الذي صنفه على كتاب (غاية المنتهى)، وأخذ التفسير والحديث عن الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار والنحو والصرف وغيرهما من الآلات عن الشيخ عبد القادر الميداني، وأخذ عن غيرهم من شيوخ دمشق. ثم أكب على العبادة والتلاوة مشتغلًا بالتجارة مع أخويه مع الورع والتقوى، وقد اشتهر أمرهم وامتدحوا بقصائد غراء، منها قصيدة بديعة مذيلة بنثر لطيف من إنشاء العلامة الشيخ
[ ٣٦٤ ]
محمد المسيري المقدسي في مدح المترجم وأخيه الحاج محمد المتوفى سنة ١٢٤٢، مطلعها
سقى الله وادي الشام ذا الرفع والهبطِ بواكرَ غيثٍ بين عال ومنحطّ
وحيى ربوعًا قد برزن كواكبًا تميس كما ماس الخرائد بالمرطِ
بلادٌ بها ينسى الغريب بلاده ويسلو أهاليه مع الصحب والرهط
بلادٌ بها روض المسرة فائحٌ وبدر علاها لا يميل إلى حطّ
يضوع بها ضوع المسرة عابقًا وتنهال مزنُ البشر فيها بلا قنطِ
تكنفها الجنات من كل جانبٍ فأربى الشذا فيها على المِسْك والقسطِ
وكم نَهَرٍ فيها يجوس خلالها وكم جدولٍ ينساب في الدر كالرقطِ
وكم من مزاراتٍ بها ومشاهدٍ يلوح سناها للمصيب وللمخطي
وكم ماجدٍ فيها وكم عالمٍ بها تجرّ به ذيلًا على ربة القرطِ
وكم صالحٍ قد حل في فيحِ سوحها به يستقي غيثَ السماءِ إذا يبطي
أخا الحزم يمم نحوها واثو عندها وجز لجّها واهبط ببحبوحة الشطّ
تجد مستناخًا آهلًا ومبوّأ رحيبا وقومًا فضلهم جلّ عن ضبطِ
بهم سارت الرُّكبان في كل وجهةٍ وطيب ثناهم قد دعا الناس للغبطِ
أناس تراهم لا تتوق نفوسهم لغير العلى من غير شوب ولا خلطِ
وهمتهم غرس المكارم في الورى وكسب المعالي والتقصّي عن الرمطِ
وكم أسسوا آثار فضلٍ ومهّدوا قواعدَ برٍّ بدرها غير منحطِّ
ولم تلف فيهم غير برٍّ وماجدٍ وذلكَ دأبّ للشباب وللشُّمْطِ
تنبّه كلٌ لمرادِ من الدنا فسارع في مرضاة خالقه المعطي
ولم يثنهم عن منهج الرشد صارفٌ ولا غرت الدنيا بشيلٍ ولا حطِّ
ولا نظروا شذرًا ولا آثروا بها ولا اشتغلوا بالثلب والطعن والغمطِ
[ ٣٦٥ ]
نواديهمُ بالعلم والذكرِ حية وأرقابهم عن منتمى الخير لا تخطي
وسيرتهم بين الأنام حميدةٌ ومنهجهم جارٍ على منهج القسطِ
ومنزلهم مأوى الكرامة دائمًا وشأنهم يرضي الإلهَ بلا سخطِ
وما الشام إلا مقلةً هم سوادُها وسمط لآلٍ هم فرائدُ في السمطِ
وما الشامُ في البلدانِ إلا قصيدةٌ وهم بيتها أكرمْ بالاباء والسبطِ
أدام إلهي فضلهم متضاعفا ورشحهم بالايد والفضل والبسط
وصانهمُ من كل كربٍ وآفة ومن شرِّ ذي شرٍ ومن كيد ذي ضغط
ولا زال عون الله يرعى ديارهم ومزن عطاياطم تسح ولا تبطي
ويحكى عن المترجم مناقب في الورع عظيمة ولم يزل على وتيرة العبادة والنسك وحسن السيرة إلى أن توفاه الله تعالى.
وكانت وفاته ليلة الجمعة سلخ جمادى الثانية سنة تسع وستين ومائتين والف، ودفن في سفح قاسيون في تربة آل شطي قرب المغارة الجوعية (٣٥) رحمه الله تعالى.