عبد السلام بن عبد الرحمن بن مصطفى بن محمود الشطي الدمشقي، العالم الفاضل العابد الناسك الأديب الشاعر اللوذعي اللطيف، كان من ظرفاء أهل دمشق حسن العشرة لطيف المذاكرة مفننًا بالأدب يغلب عليه الصلاح. ولد بدمشق سنة ست وخمسين ومائتين وألف، قرأ ألقرآن وتعلم الخط وهو صغير جدًا، وأخذ عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ عبد الله الحلبي والشيخ محمد الجوخدار والشيخ عبد الرحمن بيازيد وأحمد أفندي الاستانبولي والشيخ أحمد
_________________
(١) حلية البشر ٢/ ٨٤٨ روض البشر ١٤٦ الأعلام ٤/ ١٢٩ فهرس دار الكتب المصرية ٣/ ١٣٨ منتخبات التواريخ لدمشق ٢/ ٦٧٣ - ٦٧٤ مقدمة ديوانه، معجم المطبوعات ١١٢٥ - ١١٢٦ معجم المؤلفين ٥/ ٢٢٦ مختصر طبقات الحنابلة ١٦٢ - ١٦٤ وأعيان القرن الثالث عشر لمردم بك ٥٨.
[ ٣٧٦ ]
مسلم الكزبري والشيخ مصطفى المغربي نزيل دمشق والشيخ صالح جعفر والشيخ عمر العطار، وحضر في الفقه وغيره دروس الشيخ حسن الشطي ثم ولده الشيخ أحمد الشطي، ولازم الشيخ سليم العطار الملازمة التامة في التفسير والحديث وغيرهما، وحج مرتين سنة ١٢٧٤ وسنة ١٢٨٤، ودخل مصر وغيرها فاستجاز أجلة الشيوخ كالشيخ ابراهيم الباجوري والشيخ إبراهيم السقا والشيخ مصطفى المبلط والشيخ محمد البنا مفتي اسكتدرية والشيخ داود البغدادي النقشبندي والشيخ جمال المكي رئيس المدرسين في المسجد الحرام والسيد أحمد محيى الدين الحسيني مفتي غزة، وأخذ الطريقة القادرية عن السيد محمد نوري القادري ورحل إلى قسطنطينية سنة ١٢٩٣ ووجه عليه تدريس أدرنه وخصص له راتب من الصر السلطاني، وأمّ في محراب الحنابلة من الجامع الأموي احتسابا، وكان مشهورًا بالذكاء واللطف والورع الزائد لا سيما فيما يتعلق بالطهارة.
وكان له مزاح ودعابة بحيث لا يمل جليسه منه ولا يعدل صاحبه عنه، وله شعر في غاية السلاسة وربما عمل القصيدة الموزونة ولم يعلم من أي بحر هي. ولم يزل في أرغد عيش وأحسن حال حتى وقعت مسألة كسر البسيط التي عمل فيها قصيدته:
كسر البسيط برأيه المعكوس وأتى لدرس العم بعد دروس
فانتصر الأمير عبد القادر الجزائري للشيخ الطنطاوي الذي انكسر البسيط على يده (٤٧) فأرسل إلى المترجم فأهانه في داره بحضور جماعة من العلماء، فبعد
_________________
(١) قصة البسيط قصة مشهورة ارجع في تفصيلها إلى كتاب حلية البشر عند ترجمة الشيخ محمد الطنطاوي.
[ ٣٧٧ ]
ذلك اغبرّ عيش صاحب الترجمة وتكدر صفاؤه، وأخيرًا تنبه الأمير لغلطه فأرسل إليه صرة فيها خمسون ليرة فردها وارسل يقول: أنا لا ابيع مصيبتي (وعند الله تجتمع الخصوم)، ثم جاء الأمير بنفسه إلى دار المترجم فأخذ بيده واستسمح منه.
وله ديوان شعر منه:
إليك رسول الله أشكو نوائبا لقد أنحلت جسمي وأعمت بصيرتي
وقد زاد بي سقمي وطال تمرضي وقد ضاق بي صدري وصرت بحيرةِ
وحالي لا يخفاك تفصيلُ شرحه فجدْ لي بكشف الضرّ واقبل عريضتي
فيا خير خلق الله يا أشرف الورى على بابك العالي أنخت مطيتي
وفيك لقد أملت نيل مقاصدي وأرجوك يا مختار إبراء علتي
عليكَ صلاةُ الله ثم سلامه وآلك والأصحاب في كل طَرْفة
وقال مضمنا مصراع بيت للعارف ابن الفارض:
أجريت من شوقي إليك مدامعي وازداد من عشقي عليك تلهفي
ومذ حيّى غدا كالبدر يزهو بياض في بياض في بياض
وقال فيه العالم الشيخ صالح المنير:
بدا عبد السلام ففاح منه شذًا يسمو على زهر الرياض
ومذ حيّى غدا كالبدر يزهو بياض في بياض في بياض
وقد ألف رسائل لطيفة واجتمع عنده من الكتب ما لم يجتمع عند غيره فأوقف البعض منها على ذريته وبيع أغلبها في تركته.
[ ٣٧٨ ]
وكانت وفاته فجأة ليلة إحدى عشري محرم سنة خمس وتسعين ومائتين وألف عن ٣٩ عامًا، ودفن في التربة الذهبية (٤٨) بمشهد حافل ولم يعقب ذكرًا رحمه الله تعالى.