عبد الله بن عودة بن عبد الله صوفان ابن العالم الصالح عيسى القدومي مولدًا ومنشأ ثم النابلسي موطنًا ووفاةً، هو الأستاذ العلامة الفقيه المحدث الناهج المنهج الأحمد والمحيي لمذهب أحمد عالم الديار النابلسية وبركة البلاد الحجازية. كان مولده بقرية كفر قدوم سنة ست وأربعين ومائتين وألف وبها نشأ، وحفظ القرآن الكريم وجالس أهل الصلاح والأدب وفي سنة ١٢٦٣ خرج في طلب العلم إلى دمشق الشام، فاجتمع على جلّ علماء الأعلام، ولازم
_________________
(١) أنظر لترجمتة الأعلام ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ والضبط منه، الأعلام الشرقية ٢/ ١٣٥ - ١٣٦ معجم المؤلفين ٦/ ٩٨ - ٩٩ مختصر طبقات الحنابلة ١٨١ - ١٨٤.
[ ٤٠٠ ]
الأستاذ الفاضل صاحب المناقب السنية الشيخ حسن الشطي (٩٤) شيخ الطائفة الحنبلية فأخذ عنه الفقه والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية، وبعد أن نهل وتعلم، عاد إلى وطنه فاستقام فيه مدة ثم كثرت هناك المشاغب والاحن فعزم على المفارقة، وأمّ مدينة نابلس وبها سكن وكان ذلك عام ١٢٨٧، فرحل إليه الطالبون وانتفع به الراغبون وكان كثير الاعتناء بتلامذته ولا سيما المبتدئ منهم، وكانت إقامته في مدرسة الجامع الصلاحي الكبير وهو دمشق الأخلاق حلو الشمائل حسن المذاكرة جيد التعبير والتقرير، أخذت عنه البلاد الحجازية والشامية علم الحديث رواية ودراية، ورزق الحظوة والجاه فوق النظائر والأشباه، وقد أثنى عليه كل من لقيه وعرفه في العلم والورع والتمسك بطريقة السلف ومن مصنفاته كتاب (المنهج الأحمد في درء المثالب التي تنمى لمذهب الإمام أحمد) و(بغية النساك والعباد في البحث عن ماهية الصلاح والفساد) و(هداية الراغب وكفاية الطالب) مرتب ترتيب أبواب البخاري و(الأجوبة الدرية في دفع الشبه والمطاعن الواردة على الملة الإسلامية) و(الأجوبة العلية على الأسئلة الرافعية) في علم التوحيد و(وطوالع الأنوار البهية) جوابًا عن خمسين مسألة في العلم المذكور و(الرحلة الحجازية) أودعها الأبحاث الشريفة التي كانت تقع بينه وبين العلماء في رحلته المدنية، وله من الرسائل المختصرة شيء كثير، وفي سنة ١٣١٨ زار بيت المقدس الخليل ثم رحل إلى المدينة المنورة وانتفع به خلق كثيرون في الفقه والحديث وكان تدريسه هناك وظيفة معلومة كان المترجم فيها خلفًا للمرحوم الشيخ محمد خطيب دوما (٩٥)، وكان في موسم الحج من كل سنة يحج ويؤدي المناسك الشريفة، وربما زار وطنه في خلال ذلك فتهزه نسمات العود والرجوع.
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٣٦٧.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٣٨٦.
[ ٤٠١ ]
ولم يزل على حالته الحسنة يتردد بين المدينة المنورة ووطنه المذكور إلى أن كانت وفاته بنابلس وهو يصلي الجمعة في الجامع الكبير الصلاحي في اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف، وشيعت جنازته من الغد وصلي عليه في الجامع المذكور بجمع حافل، وكان يومًا مشهودًا ودفن في مقبرة نابلس، بجوار العلامة الشهير الشيخ محمد السفاريني ورثاه جماعة من أهل العلم ومنهم الشيخ منيب هاشم مفتي الديار النابلسية حيث قال في مرثيته:
الله أكبر فالمصاب تناهى والدين ثلمته استطار عناها
شمل البلاءُ العالمين فلا ترى نفسًا ولم تك زعزعت أحشاها
فاليوم مات الحجة العلمُ الذي لدلائل التحقيق شاد بناها
علامة العصر المدققُ والذي بسنائه فلق الدروس سناها
هو عابد لله أخلص قصده من آل صوفانٍ يجلُّ تقاها
يا طالما انتفع الأنام بفضله وروت من الإرشاد عنه مناها
فلتبكه بقع الدروس فيا لها من روضة أرجت به أرجاها
ولتبك نابلس على طود مضى قد كان مصدرَ نفعها ورجاها
أسفًا على ذاك الجمال فإنه فيه كمالات الزمان نراها
أسفًا على ذاك الجلال وهيبةٍ كان الزمان لعزها يخشاها
فالله يعظم أجرنا ويعمه بالفضلِ في دارٍ يدوم هناها
ويضاعف الأجر الجزيل لآله والمسلمين ففقده أعياها