محمد بن مصطفى بن سليمان البرقاوي أصلًا وشهرة الدمشقي، الشيخ الجليل الفاضل النبيل المعمر، قاضي الحنابلة وابن قاضيها.
ولد بدمشق في حدود سنة عشرين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده المقدمة ترجمته (٥١)، وأخذ الفقه عنه وعن الشيخ حسن الشطي، وحضر في بعض العلوم على العلامة الكبير الشيخ سعيد الحلبي والعلامة المحدث الشيخ عبد الرحمن الكزبري، ثم لازم ولديهما الشيخ عبد الله الحلبي والشيخ أحمد مسلم الكزبري، وصار رئيس الكتاب في محكمة السنانية ثم في البزورية ثم في
_________________
(١) مختصر طبقات الحنابلة ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٣٥٩.
[ ٣٨٠ ]
العونية، وتولى القضاء بعد وفاة والده سنة ١٢٥٠ فاستمر به في العونية إلى أن توفي.
وكانت وفاته يوم الإثنين تاسع عشر صفر سنة سبع وتسعين ومائتين وألف.
ويحكى أنه كان لصاحب الترجمة إقدام في مسائل الطلاق والفسخ، حتى وقعت حادثة فسخ في المحكمة الشرعية سنة ١٢٥٩ اجتمع لها عند القاضي جمع من المشايخ، فتصدى للفسح كل من المترجم وسعيد السيوطي المفتي الحنبلي ففسخا عقد الزوجة التي غاب زوجها ولم يقنع القاضي العام إذ ذاك السيد محمد نظيف، فأرسل إلى الشيخ حسن الشطي يسأله عنها لما سمع من أنه هو شيخ الحنابلة وإمامهم في العلم والعمل، فأفتى بفساده لعدم استيفاء شروطه، ثم صححه المذكوران لدى القاضي المذكور في غيبة الشيخ حسن الشطي، فعندها بادر الشيخ الشطي ﵀ فحضر إلى مجلس القاضي وأرعد وأبرق وتلا عليهم النص، حتى أبطل القاضي الحكم المذكور، وعزل المترجم وولي مكانه الشيخ عبد الحفيظ النابلسي مدة، ومن غريب الاتفاق أنه لم يمض على هذه الحادثة بضعة أيام حتى حضر الزوج الأول من غيبته وقبض على زمام زوجته؛ وقد تولى القضاء بعد صاحب الترجمة الشيخ أحمد الشطي فصار بعده يحكم ويقضي ويكتب ويمضي، ولم تطل مدته فيه؛ ففي سنة ١٢٩٨ وقعت حادثة حكم فيها بقواعد المذهب، فلما علم بذلك القاضي العام وقتئذٍ موسى كاظم قال: كيف لا ترفع إلي مثل هذه المهمة وأنا القاضي العام ثم أصدر أمره بإلغاء القضائين الحنبلي والشافعي من أصلهما، فتعطلت الأوقاف على أربابها أشهرًا ثم ألحّ على القاضي المذكور بعض أعيان دمشق بأن يعيد الحالة إلى ما كانت عليه، فأعاد القاضي الشافعي وأبي أن يعيد القاضي الحنبلي الشيخ أحمد الشطي، فطلب
[ ٣٨١ ]
الوظيفة حينئذ توفيق السيوطي سليل الإفتاء الحنبلي، وكان من الكتاب بمحكمة الباب فولاه إياها على أنه هو والشافعي نائبان من قبله، ولم يزل توفيق نائبًا حنبليًا في المحاكم الشرعية إلى سنة ٣٢٧، وفيها تولى الشيخ محمد جميل الشطي النيابة الحنبلية في محكمة السنانية ثم في محكمة العونية بمرسوم من قبل السيد محمد رفعت قاضي دمشق وما زال بها إلى أن ألغيت محاكم الأطراف بمقتضى التنسيقات العمومية، فبقي السيوطي في محكمة الباب إلى ختام ربيع الثاني سنة ١٣٣٩، وفيه صدر الأمر السامي بتوجيه القضاء على الشيخ محمد جميل الشطي فباشر في المحكمة الشرعية بدمشق حسب العوائد القديمة (٥٢).