محمد مراد بن محمد بن حسن الشطي الدمشقي، الأديب العالم المتفنن الكاتب المجيد الألمعي النبيل النبيه نادرة زمانه، كان ﵀ أعجوبة في جمعه بين العلوم الدينية والفنون العصرية بحيث أدرك على قصر عمره ما تقصّر الشيوخ عن إدراكه علمًا وفهمًا وأدبًا جمًا.
_________________
(١) مختصر طبقات الحنابلة ١٧١، ومنتخبات التواريخ ٢/ ٧١٩.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٣٨٠.
(٣) مختصر طبقات الحنابلة ١٧٢ - ١٧٤، حلية البشر ٣/ ١٥١٦.
[ ٣٨٩ ]
ولد بدمشق يوم الثلاثاء ثامن رجب سنة تسع وثمانين ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده وعمه وتأدب بآدابهما وقرأ وكتب وهو دون عشر سنين، ثم دخل المدرسة الجقمقية (٦٥) وهي يومئذ من مكاتب الحكومة، فحاز فيها ما حاز ونال الشهادة سنة ١٣٠٥ مقرونة بجائزة ثمينة، ثم لازم بعض دوائر الحكومة واستقر في كتابة الدفتر الخاقاني بدمشق مشتغلًا مع ذلك بالقراءات والكتابات، فحضر دروس والده المقدمة (٦٦) ترجمته وعمه الآتي ذكره (٦٧) في الفقه والفرائض والحساب والهندسة وغير ذلك، وأجازاه إجازة عامة وخاصة، وأخذ الحديث عن العلامة الشيخ بكري العطار وأجازه والعلامة الشيخ بدر الدين المغربي، والمنطق والمعاني والبيان عن العلامة الشيخ عمر العطار، وكتب له إجازة سنة ١٣٠٨، والنحو والصرف عن العالمين الشيخ محمد العطار والشيخ رشيد سنان، وعلم الهيئة والربع المجيب عن الشيخ حسين موسى، والجبر والمقابلة عن الأستاذ العلامة الشيخ محمد الطيبي، ولازم أخيرًا العلّامة الشهير الشيخ طاهر الجزائري وانتفع به كثيرًا. وكان لهذا الأستاذ آمال فيه وطالما ذكره وأثنى عليه، وقد قرأ عليه (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) المتضمن للكتب الستة وأجازه به وبغيره، ثم حضر عليه (تفسير القاضي البيضاوي) فاخترمته النية قبل إتمامه. وكان عارفًا باللغتين الفارسية والتركية. وكان له الباع الطويل في فنون الخطّ من نسخ وتعليق وكوفي أخذها عن الفاضل ناظم بيك نزيل دمشق وعن المتفنن مصطفى السباعي، ثم كتب بخطه النفيس من الكتب والرسائل شيئًا كثيرًا وأحسن آثاره (مدبجات الإمام عبد المنعم
_________________
(١) المدرسة الجقمقية: شمال الجامع الأموي وبها التربة وتجاهها من الشمال خانقاهها يفصل بينهما الطريق الآخذ إلى المدرستين العادلية والظاهرية [الدارس ١/ ٤٨٩ - ٤٩٥].
(٢) تقدمت ترجمته ص ٣٨٣.
(٣) هو أحمد بن حسن الشطي.
[ ٣٩٠ ]
الأندلسي) المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وألّف رسائل لطيفة منها (كشف المغيب في العمل بالربع المجيب) و(تحفة النساك في فضائل السواك) و(الكواكب المتقابلة في الجبر والمقابلة) ومسودات تاريخية ومكاتبات أدبية، وقد قرأ عليه شقيقه الأصغر حسن وابن شقيقه الشيخ محمد جميل الشطي في النحو والأخلاق، وأخذا عنه الخط وكان له شعر قليل فمنه قوله:
خالق الناسَ بخلق حسنِ ترتقي أسنى المقامِ الأحسنِ
واعتبر في حالِ أهل الزمنِ وانتبه من غمرات الوسنِ
وتيقن أنّ زرع الإحنِ موجبٌ حقًا لحصد المحنِ
وقال مشطرًا بيتين مشهورين وأجاد:
(إذا العشرون من شعبان ولّت) فبادر للتقى حقَّ البدار
ولا تسمع لغُمر قال جهلا: (فواصل شرب ليلك بالنهارِ)
(ولا تشرب بأقداح صغار) فليس مآل ذا إلا لنارِ
وتب واعبد وفي الطاعات فاسلك (فقد ضاق الزمان عن الصغار)
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار. وكان تقيًا ورعًا له غيرة دينية وحمية وطنية، ولم يتزوج فلم يعقب، وقد تمرض أشهرًا.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف ودفن بالمقبرة الذهبية في دمشق.