الكلام في الرجال من أجل الاحتياط للدِّين مشروع بالكِتاب والسُّنَّة. قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
ففي الآية الأولى يأمر اللَّه تعالى بالتثبت في الأخبار، وفي الآيات الأخرى يطلب اللَّه تعالى العدل والرضى في الشهود.
ومعلوم أن الأمر بالتثبت في الأخبار في الآية الأولى عام، فالأخبار التي تُنقل عن اللَّه ورسوله تدخل فيها دخولا أوليًّا.
وطلب الرضى والعدل في حديث النبي ﷺ، الذي هو دِين للأمَّة وتشريع لها، وهو المصدر الثاني في التشريع، أَوْلَى من أن يُطلب في الشهادة.
وقيل: إن النبي ﷺ هو أول من جرح وعدل. روى الخطيب البغدادي، عَن ابن المُنْكَدِر: سَمِعَ عُرْوَة بن الزُّبَير يَقُولُ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَة ﵂: أَنَّ رَجُلا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ رَجُلُ العَشِيرِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ القَوْلَ، قَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ اللَّه؛ قُلْت لَهُ الَّذِي قُلْتَ، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَنْتَ لَهُ القَوْلَ. قَالَ: يَا عَائِشَة؛ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ".
فَفِي قَوْلِ النَّبِيّ ﷺ لِلرَّجُلِ: "بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ"، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِخْبَارَ المُخْبِر بِمَا يَكُونُ فِي الرَّجُلِ مِنَ العَيْب، عَلَى مَا يُوجِبُهُ العِلْمُ وَالدِّينُ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلسَّائِلِ، لَيْسَ بِغيبَةٍ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ غيبَة لَمَا أَطْلَقَهُ النَّبِيّ ﷺ، وَإنَّمَا أَرَادَ ﷺ بِمَا ذَكَرَ فِيهِ، واللَّه أعلم.
[ ١ / ١١ ]
أن يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الحَالَة المَذمُومَة مِنْهُ، وَهِيَ الفُحْشُ فَيَجْتَنِبُوهَا، لا أَنَّهُ أَرَادَ الطَّعْنَ عَلَيْهِ والثَّلب لَهُ، وَكَذَلِكَ أَئِمَّتُنَا فِي العِلْمِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، إِنَّمَا أَطْلَقُوا الجَرْحَ فِيمَن لَيْسَ بِعَدْلٍ؛ لِئَلا يَتَغَطَّى أَمْرُهُ عَلَى مَنْ لا يخبره، فَيَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِ العَدَالَةِ فَيَحْتَجُّ بِخَبَرِهِ، وَالإخْبَارُ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ إِذَا كَانَ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لا يَكُونُ غيبَة.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَة بِنْت قَيْس، الَّذِي أَخْبَرَنَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بن عُبَيْد اللَّه الحربي، أنَّا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الشَّافِعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بن الحَسَن الحربي، ثنا عَبْد اللَّه بن مَسْلَمَة القَعْنَبِيّ، عَن مَالِك. ح، وَأَخْبَرَنَاهُ الحَسَن بن أَبِي إِسْحَاق القَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَب، ثنا مَالِك بن أَنَس، عَنْ عَبْد اللَّه بن يَزِيد مَوْلَى الأسْوَد بن سفيان، عَن أَبِي سَلَمَة بن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس: أَنَّ أَبَا عَمْرو بن حَفْص طَلَّقَهَا ألبَتَّة وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللَّه مَا لَكِ عَلَينَا مِنْ شَيْءٍ. فَجَاءَتْ رَسُول اللَّه ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيك، ثُمَّ قَالَ: تلك امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابن أُمِّ مَكْتُوم، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي. قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ، ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوَية بن أَبِي سفيان وَأَبَا جَهْمِ خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَمَّا أَبُو جَهْم فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأمَّا مُعَاوِيَة فَصُعْلُوك لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَة بن زَيْد. قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ. ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَة بن زَيْد". فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
فِي هَذَا الخَبَر دِلالَةٌ عَلَى أَنَّ إِجَازَةَ الجَرْحِ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّصِيحَةِ، لِتُجْتَنَبَ الرِّوَايَة عَنْهُمْ، وَلِيُعْدَلَ عَن الاحْتِجَاجِ بِأَخْبَارِهِمْ، لأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمَّا ذَكَرَ فِي أَبِي جَهْم: "أَنَّهُ لا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ"، وَأَخْبَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: "أَنَّهُ صُعْلُوك لا مَالَ لَهُ"؛ عِنْدَ مَشُورَةٍ اسْتُشِيرَ فِيهَا، لا تَتَعَدَّى المُسْتَشِيرَ.
كَانَ ذِكْر العُيُوب الكَامِنَةِ فِي بَعْضِ نَقَلَةِ السُّنَنِ، الَّتِي يُؤَدِّي السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِهَا عَنْهُمْ وَكَشْفِهَا عَلَيْهِمْ، إِلَى تَحْرِيمِ الحَلالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ، وَإِلَى الفَسَادِ فِي شَرِيعَةِ الإسْلامِ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَأَحَقَّ بِالإظْهَارِ.
وَأَمَّا الغيبَة الَّتِي نَهَى اللَّه تَعَالَى عَنْهَا بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وَزَجَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخلِ الإيمَانُ قَلْبَهُ، لا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ". فَهِيَ ذِكْرُ الرَّجُل عُيُوبَ أَخِيهِ، يَقْصدُ بِهَا الوَضْعَ مِنْهُ وَالتَّنْقِيصَ لَهُ، وَالإزْرَاءَ بِهِ فِيمَا لا يَعُودُ إِلَى حُكْمِ النَّصِيحَةِ، وإِيجَاب الدِّيَانَة مِنَ التَّحْذِيرِ عَن ائْتِمَانِ الخَائِنِ، وَقَبُول خَبَر الفَاسِقِ، وَاسْتِمَاع شَهَادَة الكاذِبِ.
قال ابن رجب: وكذلك يجوز ذكر العيب، إذا كان فيه مصلحة خاصة، كمن يستشير في نكاح أو معاملة.
[ ١ / ١٢ ]
ووجه الدلالة من الحديث؛ أن رسول اللَّه ﷺ نصح لفاطمة، فأعلمها بعيب أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وعيب معاوية أنه صعلوك لا مال له، وذلك لِمَا فيه من المصلحة الخاصة، فمصلحة الدِّين أَوْلَى.
وقد فهم أهل العلم من النصوص المتقدمة، أنه لا حرج عليهم أن يتكلَّموا في شخص، جارحين أو ناهين عن الرواية عنه، لما رأوا فيه من عدم الأهلية، وحثّ الناس على الرواية عن فلان، لما رأوا من الأهليَّة عنده ما يُوجب قبولهم لروايته.
قَالَ يَعْقُوب بن سفيان: سَمِعْتُ الحَسَن بن الرَّبِيع، قَالَ: قَالَ ابن المُبَارَك: المُعَلى بن هِلال هُوَ، إِلا أَنَّهُ إِذَا جَاءَ الحَدِيث يَكْذِب. قَالَ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّة: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن؛ تَغْتَابُ. قَالَ: اسْكُتْ، إِذَا لَمْ نُبَيِّنْ، كَيْفَ يُعْرَفُ الحَقُّ مِنَ البَاطِلِ؟ أَوْ نَحْو هَذَا مِن الكَلامِ.
عَنْ عَمْرو بن عَلِيّ، ثنا عَفَّان، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيل ابن عُلَيَّة جُلُوسًا، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبتٍ.
وقال مسلم في مقدمة "صحيحه"، (بَابُ الكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَقَلَةِ الأخْبَارِ، وَقَوْلُ الأئِمَّةِ فِي ذَلِكَ)، ثم نقل كلامًا كثيرًا، وختمه بقوله: وإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُم الكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الخَطَرِ؛ إِذِ الأخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرفَهُ، وَلَم يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتهُ، كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ المُسْلِمِينَ؛ إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأخْبَار أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَأَهْلِ القَنَاعَةِ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بثِقَةٍ وَلا مقنعٍ، وَلا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأحَادِيثِ الضِّعَافِ، وَالأسَانِيدِ المَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ، إِلا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ العَوَامِّ، وَلأنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلانٌ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ العَدَدِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي العِلْمِ هَذَا المَذْهَبَ وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ.
وقال أبو حاتم ابن حبان: فهؤلاء الأئمة المسلمون، وأهل الورع في الدِّين، أباحوا القدح في المحدِّثين، وبيَّنوا الضعفاء والمتروكين، وبينوا أن السكوت عنه ليس ممَّا يحل، وأن إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقدَّمهم فيه أئمة قبلهم، ذكروا بعضه وحثُّوا على أخذ العلم من أهله.