تقديم فضيلة الشيخ محمَّد تميم الزعبي مدرس القرآن والقراءات العشر الصغرى والكبرى بالمدينة المنورة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين، القائل: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾.
والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمَّد، القائل: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وعلى آله وأصحابه الذين حملوا الأمانة وأدوا الرسالة بعده - ﷺ - على الوجه الذي تلقوه من نبيهم - ﷺ -، ورضي الله عنهم أجمعين، أما بعد:
فإن من أسباب حفظ القرآن الكريم أن هيأ الله له رجالًا صادقين مخلصين من الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا غرس في قلوبهم حب القرآن، والحرص على حفظه وتلقيه وأدائه وتلقينه لمن بعدهم، فكان منه في كل عصر من يستحق على أهل العلم أن يدونوا أخبارهم وجميل مآثرهم ونشر مطوى أوصافهم؛ لأنه إذا لم تقيد أسماؤهم في دفاتر
[ ١ / ٥ ]
المآثر، نثرتها الأيام في مطوى العدم:
إذا ما روى الإنسان أخبار من مضى فتحسبه قد عاش من أول العمر
وقد ألف في تراجم القراء خاصة عدة مؤلفات آخرهم العلامة ابن الجزرى رحمه الله تعالى المتوفى عام ٨٣٣ هـ في كتابه العظيم "غاية النهاية في طبقات القراء" ثم اختصره تلميذه.
ولم أقف فيما أعلم على كتاب يختص بذكر ترجم القراء بعد ابن الجزرى، إلا ما هو منثور في كتب التراجم في كل قرن من القرون:
١ - الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، للحافظ السخاوى، المتوفى عام ٩٠٢ هـ.
٢ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للإمام الشوكاني، المتوفى عام ١٢٧٠ هـ.
٣ - الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة للإمام الغزي.
٤ - النور السافر في أخبار القرن العاشر، للشيخ عبد القادر عيدروس.
٥ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادى عشر، للإمام المحبي،
[ ١ / ٦ ]
المتوفى عام ١١١١ هـ.
٦ - سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، للإمام المرادي.
٧ - عجائب الآثار في التراجم والأخبار/ للشيخ عبد الرحمن الجبرتي، المتوفى عام ١٢٣٦ هـ.
٨ - حلية البشر في أعيان القرن الثالث عشر، للبيطار المتوفى عام ١٣٣٥ هـ، إضافة إلى الكتب في تراجم أعيان المدينة المنورة ومكة المكرمة ومعجم المؤلفين والأعلام وطبقات المفسرين والفقهاء الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، وغيرهم إلى عصرنا الحاضر، فما من كتاب في تراجم الرجال إلا في ثناياه عدد من القراء، ولكن على الباحث أن ينقب عنهم مع الجهد الذي ليس بالكبير.
وإن ممن وفقه الله تعالى لجمع تراجم ما بعد القرن الثامن من عهد ابن الجزري إلى الآن أخانا الشيخ الفاضل إلياس بن أحمد حسين بن سليمان البرماوي، حيث اجتهد في جمع ما توصل إليه من تراجم المشايخ الذين يصدق عليهم صفة القارئ أو المقرئ وهو أن يكون عاقلًا مسلمًا مكلفًا ثقة مأمونًا ضابطًا خاليًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة، فالقارئ من أفرد إلى ثلاث روايات، والمنتهى من نقل أكثرها.
فلو حفظ كتابًا في القراءات، امتنع اقراؤه بما فيه إن لم يشافهه ويقرأ بضمنه مسلسلًا إلى النبي - ﷺ -، لأن في القراءات شيئًا لا يحكم إلا
[ ١ / ٧ ]
بالسماع والمشافهة.
وقد قسم المؤلف الكتاب إلى جزئين، الجزء الأول في تراجم المعاصرين، أو قراء المدينة المنورة من أهله الذين سكنوها أو أقاموا بها من غيرها.
والجزء الثاني في تراجم غير أهل المدينة من عهد ابن الجزري إلى العصر الحاضر بما وصل إليه.
ومما يلاحظ أن:
١ - أن معظم تراجم الجزء الأول، من كتابة المترجم لهم أو إملائهم أو شافههم، فعُهْدةُ ما فيها من معلومات على عاتق أصحابها؛ لأنه قد يطلع عليها أهل الاختصاص، فيقول: إن فلانًا لم يقرأ على فلان، أو إن فلانًا لم يجز فلانًا، أو إنه قرأ عليه بعض القرآن الخ، فالناس مؤتمنون على ما يقولون.
٢ - وقد يذكر في ترجمة أحدهم مشايخ لم يلقهم إلا في مقاعد الدراسة في المعاهد والجامعات، وهذا لا تقوم به حجة في التلقي والأخذ؛ لأن من شرط قراءة القرآن كما هو المعول عليه عند العلماء الضابطين، أن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، مع التجويد والإتقان، وعلم بما يقرأ إن كان يقرأ القراءات.
[ ١ / ٨ ]
وأما القراءة في المعاهد والجامعات من غير تلق من أفواه الشايخ الضابطين، فهذا مما لا يعتد به في صحة السند المتصل إلى رسول الله - ﷺ -.
لذا فإن ذكر بعض المترجمين لشيوخهم في القراءات لا يعني بالضرورة القراءة عليهم، يعلم هذا من له أدنى بصيرة ومن له علم بحال المترجم لهم.
٣ - اقتصر المؤلف على ما وصل إليه، ولم يذكر ما له وما عليه، كما هي عادة المصنفين في التاريخ والتراجم، ويدل على ذلك ما قاله السخاوى في مقدمة كتابه الضوء اللامع جـ ١ ص ٦: (ثم ليعلم أن الأغراض في الناس مختلفة، والأعراض بدون القياس في المحظور مؤتلفة، ولكن لم آل في التحرى جهدًا، ولا عدلت عن الاعتدال فيما أرجو قصدًا .. إلى أن قال: وقال غيروا حد ممن يعتد بكلامه وتمتد إليه الأعنان في سفره ومقامه: من زكيته فهو المعدل ومن مرضته فالضعيف المعلل. اهـ.
والمؤلف معذور كما تقدم وقلت إن التراجم غالبها بخط أصحابها، فقد ذكر المؤلف ما وصل إليه، وطوى غالبًا ذكر من لم يكن يعلم ما له وما عليه، وحسب الطالب أن يقتصر على من وصلت إليه قوته وحوله، كما يعلم أن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وإن كنت أرجو من أن يقول
[ ١ / ٩ ]
كلمة الحق في السخط والرضا، وقد قيل.
ألا ليقل من شاء ما شاء إنما يلام الفتى فيما استطاع من الأمر
والأمل فيمن نظر فيه ورأى ركاكة نثره وقوافيه أن يرحم بحسن التأويل جامعه، والأولى أن يلتمس له عذرًا، ويسبل على ما بدا له منه سترًا.
- هذا ولا ينبغي أن تقف همة ذوي الهمم عند حد ما وضعه، فقد يجد الباحث من عهد ابن الجزري إلى العصر الحاضر تراجم أخرى، ولكن بذل المؤلف جهده والله تعالى يثيبه على ذلك إنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وأخيرًا، أسأل الله العظيم أن ينفع بهذا الكتاب الدارسين والمختصين في علوم القرآن والأسانيد، ويعرفوا ولو لمحة بسيطة -عن الذين نقلوا القرآن من لدن الصحابة الكرام حتى وصل إلينا غضًا طريًا كما أنزل والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله على سيدنا محمَّد صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
وكتبه
محمَّد تميم الزعبي
المدينة المنورة ٢٣/ جمادي الآخرة/ ١٤١٩ هـ
[ ١ / ١٠ ]