أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان، وقيل: ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان، وقيل: ابن سفيان بن جندل بن عمرو بن عدىّ بن الدّئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وقيل: اسمه عثمان. وقيل: ابن عمرو بن حلبس «١» بن نفاثة- وقيل حلس «٢».
وابن حبيب «٣» ينسبه فيقول: الديلىّ (بكسر الدال وإسكان الياء)، وأما المبرّد وغيره فيقولون: الدئلىّ (بضم الدال وكسر الياء والهمزة). وكذلك قال ابن سلّام.
_________________
(١) . ترجمته فى أخبار النحويين البصريين ١٣ - ٢٠، وأسد الغابة ٣: ٦٩ - ٧٠، والإصابة ٣: ٣٠٤ - ٣٠٥، والأغانى ١١: ١٠١ - ١١٩، والأنساب ٢٣٣ ا، وبغية الوعاة ٢٧٤، وتاج العروس (دأل)، وتاريخ الإسلام ٣: ٩٤ - ٩٦، وتاريخ ابن عساكر ١٨: ٤٨١ - ٥٢٢ وتقريب التهذيب ٢٨٨ وتلخيص ابن مكتوم ٤ - ٥، وتهذيب الأسماء واللغات ٢: ١٧٥ - ١٧٦، وتهذيب التهذيب ١٢: ١٠ - ١١، وجمهرة الأنساب ١٧٥، وخزانة الأدب ١: ١٣٦ - ١٣٨، وخلاصة تذهيب الكمال ٣٨١، وابن خلكان ١: ٢٤٠ - ٢٤١، وروضات الجنات ٣٤١ - ٣٤٥، وسرح العيون ١٩١ - ١٩٢، وشذرات الذهب ١: ١١٤ - ١١٦، والشعر والشعراء ٧٠٧ - ٧٠٩، وطبقات ابن سعد ٥: ٧٠، وطبقات القراء لابن الجزرىّ ١: ٣٤٥ - ٣٤٦، وطبقات الزبيدىّ ٥ - ٩، وطبقات ابن قاضى شهبة ٢: ٣٢٣ - ٣٢٩، وفهرست ابن النديم ٤٠، واللباب ١: ٤٢٩ - ٤٣٠، ومختصر تاريخ ابن عساكر ٧: ١٠٤ - ١١٧، ومراتب النحويين ١١ - ١٩، والمزهر ٢: ٣٩٧، ٤١٨، ٤٦١، والمعارف ١٩٢، ومعجم الأدباء ١٢: ٣٤ - ٣٨، ومعجم الشعراء ١٥١، والنجوم الزاهرة ١: ١٨٤، ونزهة الألباء ٦ - ١٤، مسالك الأبصار ج ٤ مجلد ٢: ٢٦٧.
[ ١ / ٤٨ ]
قال ابن سلّام «١» الجمحىّ: «أوّل «٢» من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدّئلىّ؛ وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدىّ بن الدّئل. وكان رجل أهل البصرة، وكان علوىّ الرأى».
وقال بعض أهل الضبط: هم ثلاثة: الدّول من حنيفة بن لجيم، من ربيعة الفرس (ساكن الواو)، والدّيل فى عبد القيس (ساكن الياء)، والدّئل (بكسر الياء وهمزها) فى كنانة، رهط أبى الأسود.
وقال المبرّد: الدّؤلىّ (مضمومة الدال مفتوحة الواو «٣»)، من الدّئل (بضم الدال وكسر الياء)، وامتنعوا من أن يقولوا الدّئلىّ لئلا يوالوا بين الكسرات- فقالوا:
الدّؤلىّ، كما قالوا: فى النّمر النّمرىّ. والدّئل: الدابّة «٤»، ويقال: دويبّة.
ويقال عن محمد بن حبيب أيضا إنه قال: «فى ربيعة بن نزار الدّول بن حنيفة [ابن] لجيم بن صعب بن علىّ بن بكر بن وائل، وفى الأزد الدّيل بن هداد بن زيد مناة ابن الحجر، وفى عنزة الدّول بن صباح بن عتيك بن أسلم بن يذكر «٥» بن عنزة «٦»، وفى تغلب الدّيل بن زيد بن غنم بن تغلب، وفى إياد بن نزار الدّيل بن أمية بن حذاقة بن زهيرة «٧» بن إياد، وفى الأزد الدّول بن سعد مناة بن غامد، وفى ضبّة بن أدّ الدّول
[ ١ / ٤٩ ]
ابن ثعلبة بن سعد بن ضبّة، وفى للرّباب الدّول بن جلّ «١» بن عدىّ بن عبد مناة بن أدّ، وفى كنانة بن خزيمة الدّيل «٢» بن بكر بن عبد مناة؛ رهط أبى الأسود الدّيلىّ، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدىّ بن الدّيل؛ ويقال: اسمه عثمان بن عمرو بن سفيان، وفى عبد القيس الدّيل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وفى الهون بن خزيمة بن مدركة الدّئل- مهموز مثل فعل- بن محلّم بن غالب بن يثيع «٣» بن الهون بن خزيمة». وهذا كله من كتاب المختلف والمؤتلف «٤» لابن حبيب.
وقيل لأبى الأسود: من أين لك هذا العلم؟ - يعنون النحو- فقال: لقنت حدوده من علىّ بن أبى طالب﵇- وكان أبو الأسود من القرّاء، قرأ «٥» على أمير المؤمنين علىّ﵇.
وقد اختلفت روايات الناس فى سبب وضعه النحو، فمن ذلك ما تقدّم ذكره، ومنه ما روى أنه جاء إلى زياد قوم فقالوا: أصلح الله الأمير! توفّى أبانا وترك بنون. فقال زياد: توفى أبانا وترك بنون! ادع لى أبا الأسود؛ فقال: ضع للناس العربية.
وقيل: إنه كان استأذنه فى وضع كتاب، فنهاه، فلما سمع هذا أمره بوضعه.
[ ١ / ٥٠ ]
وقيل: إن زياد ابن أبيه قال لأبى الأسود: إن بنىّ يلحنون فى القرآن، فلو رسمت لهم رسما. فنقط المصحف. فقال: إن الظئر «١» والحشم قد أفسدوا ألسنتهم.
فلو وضعت لهم كلاما. فوضع العربية.
وقيل: إن ابنة لأبى الأسود قالت له: يا أبت ما أشدّ الحر! فى يوم شديد الحر- فقال لها: إذا كانت الصّقعاء من فوقك، والرمضاء «٢» من تحتك. فقالت:
إنما أردت أن الحرّ شديد. فقال لها: فقولى إذن ما أشد الحرّ! والصقعاء: الشمس.
وقيل: إنه دخل إلى منزله، فقالت له بعض بناته: ما أحسن السماء! قال: أىّ بنية، نجومها، فقالت: إنى لم أرد أىّ شىء منها أحسن؟ وإنما تعجبت من حسنها؛ فقال: إذا فقولى: ما أحسن السماء! فحينئذ وضع كتابا «٣».
قال أبو حرب بن أبى الأسود: أوّل باب رسم أبى من النحو باب التعجب. وقيل:
أوّل باب رسم باب الفاعل والمفعول، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم.
قيل: وأتى أبو الأسود عبد الله بن عباس، فقال: إنى أرى ألسنة العرب قد فسدت؛ فأردت أن أضع شيئا لهم يقوّمون به ألسنتهم. قال: لعلك تريد النحو؛ أما إنه حق، واستعن بسورة يوسف.
وحدّث أبو الحسن المدائنىّ عن عباد بن مسلم عن الشعبىّ قال: كتب عمر بن الخطابرضي الله عنه- إلى أبى موسى: «أما بعد؛ فتفقهوا فى الدين؛ وتعلموا السّنة؛ وتفهّموا العربية، وتعلّموا طعن الدّرية «٤»؛ وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلّم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب».
[ ١ / ٥١ ]
وكان أبو الأسود من المتحقّقين بولاية أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب﵇- ومحبّته وصحبته ومحبّة ولده، وشهد معه الجمل وصفّين وأكثر مشاهده؛ وهو الذى يقول لبنى قشير- وكانوا أخواله وأصهاره، وكانوا يردّون عليه قوله فى علىّ﵇ «١»:
يقول الأرذلون بنو قشير طوال الدهر لا تنسى عليّا
فقلت لهم: وكيف يكون تركى من الأعمال «٢» ما يجدى عليّا
أحب محمدا حبّا شديدا وعبّاسا وحمزة والوصيّا
وجعفر إن جعفر خير سبط شهيدا فى الجنان مهاجريّا
بنو عمّ النبى وأقربوه أحبّ الناس كلّهم إليّا
فإن يك حبّهم رشدا أصبه ولست بمخطئ إن كان غيّا
فقالت له بنو قشير: شككت يا أبا الأسود فى قولك: «فإن يك حبّهم».
فقال: أما سمعتم قول الله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
وتمام الشعر:
هم أهل النصيحة من لدنّى «٣» وأهل مودّتى ما دمت حيّا
هوى أعطيته لمّا استدارت رحى الإسلام لم يعدل سويا
أحبهم كحبّ الله حتّى أجيب إذا بعثت على هويّا «٤»
رأيت الله خالق كلّ شىء هداهم واجتبى منهم نبيّا
[ ١ / ٥٢ ]
هم آسوا رسول الله حتّى تربّع أمره أمرا قويّا «١»
وأقوام أجابوا الله لمّا دعا لا يجعلون له سميا
مزينة منهم وبنو غفار وأسلم أضعفوا معه بليّا «٢»
يقودون الجياد مسوّمات عليهنّ السوابغ والمطيا «٣»
واستعمله أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب﵇- على البصر واستعمل زيادا على الديوان والخراج؛ وكان زياد يسبع «٤» أبا الأسود عند على﵇- فقال فى ذلك أبو الأسود أشعارا؛ منها:
رأيت زيادا ينتحينى بشرّه واعرض عنه وهو باد مقاتله
ويعجبه صفحى له وتحمّلى وذو الفحش يحذو «٥» الجهل من لا يماثله
وفيها:
وذى خطل فى القول ما يعترض له من القول من آرابه فهو قائله «٦»
وثمّ ظنون «٧» مستظنّ ملعّن لحوم الصديق لهوه ومآكله
تجاوزت عمّا قال لى واحتسبته وكان من الذنب الذى هو نائله
فقلت لنفسى والتذكر كالنهى: أتسخط ما يأتى به وتماثله
فكرّ قليلا ثم صدّ وقد نثت «٨» على كرهه أنيابه وأنامله
[ ١ / ٥٣ ]
فما إن ترانى ضرّنى إذ تركته بظهرى، وأشقى الناس بالجهل فاعله
وصاحب صدق ذى حياء وجرأة ينال الصديق نصره وفواضله
كريم حليم يكسب الحمد والندى إذا الورع «١» الهيّاب قلّت نوافله
مددت بحبل الود بينى وبينه كلانا مجدّ «٢» ما يليه وواصله
وولى أبو الأسود القضاء بالبصرة فى ولاية عبد الله بن العباس، واستخلفه حين خرج إلى الحكمين.
وقال أبو الأسود حين قتل علىّ﵇ «٣»:
ألا أبلغ معاوية بن حرب فلا قرّت عيون الشامتينا
أفى الشهر الحرام فجعتمونا بخير الناس طرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا وأكرمهم «٤» ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها «٥» ومن قرأ المثانى والمبينا «٦»
إذا استقبلت وجه أبى حسين رأيت البدر راق الناظرينا
وقد علمت قريش حيث «٧» كانت بأنك خيرها حسبا ودينا
وقال يرثى حسينا ومن أصيب معه من بنى هاشم﵈:
أقول لعاذلتى مرّة وكانت على ودّنا قائمه
إذا أنت لم تبصرى ما أرى فبينى وأنت لنا صارمه «٨»
[ ١ / ٥٤ ]
ألست ترين بنى هاشم قد افنتهم الفئة الظالمه
وأنت ترثّيهم بالهذاء «١» وبالطفّ «٢» هام بنى فاطمه
فلو كنت راسخة فى الكتاب وبالحرب خابرة عالمه
علمت بأنهم معشر لهم «٣» سبقت لعنة حاتمه
سأجعل نفسى لهم جنّة «٤» فلا تكثرى لى من اللائمه
أرجىّ بذلك حوض الرسو ل والفوز بالنعمة الدائمه
أرجىّ بذلك حوض الرسو ل والفوز بالنعمة الدائمه
لتهلك إن هلكت «٥» برّة وتخلص إن خلصت غانمه
وأصاب أبا الأسود الفالج بالبصرة، فقال له عبيد الله بن زياد بعد ما فلج:
لو وجدتك صحيحا لاستعملتك، قال: إن كنت تريد الأمانة والغناء فعندى، وإن أردت المراهنة؛ فليس عندى! ومات أبو الأسود بالبصرة سنة تسع وستين «٦»؛ وهو ابن خمس وثمانين سنة فى طاعون الجارف «٧». ويقال: مات قبل الطاعون؛ لأنه لم يسمع له فى فتنة مسعود «٨» وأمر المختار «٩» خبر.
[ ١ / ٥٥ ]
وولد لأبى الأسود عطاء وأبو حرب؛ فأما عطاء «١» فكان على شرط أبيه بالبصرة، ثم بعج «٢» العربية هو ويحيى بن يعمر العدوانى بعد أبى الأسود؛ ولا عقب لعطاء.
وأما أبو حرب فكان عاقلا شجاعا، ولّاه الحجّاج جوخا «٣»، وقال له: أما والله لو أدركت أبا الأسود لقتلته؛ لأنه كان شيعيّا. فقال: أصلح الله الأمير! أو يأتى عليه عفوك «٤» كما أتى عليه عفو من قبلك. قال: وذاك. فلم يزل على جوخا إلى أن مات الحجّاج. فولد أبو حرب جعفرا؛ فكان أسرى إخوته؛ وله عقب بالبصرة.
ومات أبو حرب؛ وهو اسمه، سنة تسع ومائة «٥».