إمام أهل الأدب فى عصره. ويقال له الميدانىّ، لأنّه سكن المحلّة بأعلى ميدان زياد بن عبد الرحمن «١»، وقد اشتهر بأدبه، وعرف فى البلدان بتصانيفه الحسان المشهورة. قرأ الأصول وأحكمها، ثم أخذ فى التّصنيف، فأحسن كلّ الإحسان فيما جمعه وصنّفه، وأربى على من تقدّم بالترتيب والتحقيق، واستدرك على بعض من زلّ قبله من المصنّفين، وأصلح مواضع الغلط، وتخصّص بصحبة الإمام علىّ بن أحمد الواحدىّ، والأخذ عنه، وسماع التفسير منه، وقراءة النحو عليه. وقرأ على غيره، وكتب عن الإمام أبى الحسن على بن فضال المجاشعىّ النحوىّ القادم على نيسابور عند منصرفه من غزنة «٢» سنة سبعين وأربعمائة.
_________________
(١) . ترجمته فى الأنساب ٥٤٨ ا، وتلخيص ابن مكتوم ١٩، وابن خلكان ١: ٤٦، وتاريخ ابن كثير ١٢: ١٩٤، وروضات الجنات ٨٠، وسلم الوصول ١١٧، وطبقات ابن قاضى شهبة ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، والفلاكة والمفلوكين ٩٩، وكشف الظنون ٩٧٤، ١٥٩٧، ١٧٠٣، ١٩٤٣، ومعجم الأدباء ٥: ٤٥ - ٥١، ونزهة الألباء ٤٦٦ - ٤٦٧، ومسالك الأبصار ج ٤ مجلد ٢: ٢٥٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
وله يد باسطة فى أنواع الأدب، وصنّف التصانيف الجليلة، مثل: الهادى فى الحروف والأدوات، والسامى فى الأسامى، وكتاب الأمثال.
ومن شعره:
حننت إليهم والديار قريبة فكيف إذا سار المطىّ مراحلا
وقد كنت قبل البين- لا كان بينهم- أعاين للهجران فيهم دلائلا
وتحت سجوف الرّقم أغيد ناعم «١» يميس كخوط «٢» الخيزرانة مائلا
وينضو «٣» علينا السّيف من جفن مقلة يريق دم الأبطال فى الحبّ باطلا
ويسكرنا لفظا ولحظا كأنما بفيه وعينيه سلافة بابلا
وشعره كثير.
توفّى﵀- يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وخمسائة. وصلى عليه الإمام شاهقور، ودفن بالمقبرة بأعلى ميدان زياد ابن عبد الرحمن.
وذكره البيهقىّ «٤» فى الوشاح، فقال: «الإمام صدر الأفاضل، أحمد بن محمد الميدانىّ، صدر الفضلاء، وقدوة الأدباء، قد صاحب الفضل فى أيام نفد زاده،
[ ١ / ١٥٧ ]
وفنى عتاده، وضاعت عدّته، وبطلت أهبته، فقوّم سناد العلوم بعد ما غيّرتها الأيام بصروفها، ووضع أنامل الأفاضل على خطوطها وحروفها، ولم يخلق الله تعالى فاضلا فى عصره إلا وهو فى مأدبة آدبه ضيف، وله من بابه وداره شتاء وصيف، وما على من عام لجج البحر الحضمّ «١»، واستشرف الدّرر ظلم وحيف».
وأنشد له:
شفة لماها زاد فى آلامى فى رشف ريقتها شفاء سقامى
قد ضمّنا جنح الدّجى وللثمنا صوت كقطّك أرؤس الأقلام
وأنشد له:
تنفّس صبح الشيب فى ليل عارضى «٢» فقلت عساه يكتفى بعذار «٣»
فلمّا فشا عاتبته فأجابنى ألا هل ترى صبحا بغير نهار
وله أيضا:
يا كاذبا أصبح فى كذبه أعجوبة أية أعجوبه
وناطق ينطق فى لفظة واحدة سبعين أكذوبه
شبّهك الناس بعرقوبهم «٤» لمّا رأوا أخذك أسلوبه
فقلت كلا إنه كاذب عرقوب لا يبلغ عرقوبه
ولما صنّف الميدانىّ كتاب الأمثال وقف عليه الزّمخشرىّ فحسده، وأخذ القلم، وزاد فى لفظة «الميدانىّ» سنينة «٥»، فصار «النّميدانىّ». معناه بالفارسية: الذى
[ ١ / ١٥٨ ]
لا يعرف شيئا. فلما وقف الميدانىّ على ذلك أخذ بعض تصانيف الزمخشرىّ، وزاد فى نسبته «١» سنينة، وأبدل الميم نونا، فصار «الزّنخشرىّ». معناه بائع زوجته، بالفارسية.
ومن تصنيف الميدانىّ: كتاب جامع الأمثال، وكتاب السامى فى الأسامى، وكتاب الأنموذج «٢» فى النحو، وكتاب الهادى للشادى، وكتاب النحو الميدانىّ، وكتاب المصادر، وكتاب نزهة الطرف فى علم الصرف، وكتاب شرح المفضّليات، وكتاب منية الراضى فى مسائل القاضى.