المطلب الثامن: احتسابه على التمائم والرقى:
آخر قضية عقائدية أُوردها في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب هي قضية التمائم والرقى.
الفرع الأول: التمائم:
والتمائم في اللغة جمع تميمة وهي: عوذة تعلق على الإنسان١.
والتمائم في الاصطلاح: خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام٢.
أجملها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في قوله:
[التمائم شيء يُعلق على الأولاد يتقون به العين] ٣.
وقد فسّرها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بقوله: (إنَّ فيها ما يكون من أسماء الشياطين، أو العظام، أو الخرز، أو المسامير، أو الطلاسم وهي الحروف المقطعة، أو أشباه ذلك) ٤.
حكم تعليق التمائم:
ذكر العلماء تحريم تعليق التميمة أو الخرزة أو الخيط ونحوه٥.
وذلك لورود عدة أحاديث تتضمن الوعيد لفاعلها منها:
_________________
(١) ١ لسان العرب ١/٤٤٨ ملخصًا مادة [تمم] . ٢ النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١٩٧ مادة: [تمم] . ٣ كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ص ١٩. ٤ فتاوى المرأة المسلمة ١/١٦٢ لأصحاب الفضيلة العلماء محمد بن إبراهيم آل الشيخ – عبد الرحمن السعدي – عبد الله بن حميد – ابن باز – ابن عثيمين – ابن جبرين – ابن فوزان، اعتنى بها ورتبها أبو محمد أشرف بن عبد المقصود ن مكتبة دار طبرية – الرياض، ومكتبة أضواء السلف-ط/٢ (١٤١٦هـ - ١٩٩٥م) بتصرف يسير. ٥ انظر الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٢١٠ بتصرف يسير.
[ ٣٤٠ ]
حديث عقبة بن عامر الجهني١ ﵁ قال: أنَّه جاء في ركب عشرة إلى النبي ﷺ فبايع تسعة وأمسك عن بيعة رجل منهم، فقالوا: ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟ فقال: إنَّ في عنقه تميمة، فقطع الرجل التميمة فبايعه رسول الله ﷺ ثم قال: "من علق تميمة فقد أشرك" ٢.
وعلّة تحريم ذلك أنَّ من يستخدم هذه الأشياء يعتمد عليها في جلب المنافع ودفع المؤذيات من غير الله عز وجل٣ وهذا ينافي التوكل على الله وتفويض الأمر إليه.
وعن زينب- امرأة عبد الله٤- قالت: "كانت عجوز تدخل علينا ترقي من الحُمْرةِ وكان لنا سرير طويل القوائم، وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوَّت، فدخل يومًا فلما سمعت صوته احتجبت منه فجلس إلى جانبي فمسني فوجد خيط، فقال: ما هذا؟ فقلت: رُقى لي فيه من الحُمْرة٥، فجذبه وقطعه فرمى به وقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ عقبة بن عامر الجُهَنِيُّ صحابي كبير، أمير شريف، فصيح مقرئ، فرضي شاعر، وليَ غزو البحر، مات بمصر سنة (٥٨ هـ) . (الكاشف في معرفة من له رواية لني الكتاب الستة ٢/٢٩ ت: ٣٨٣٩ بتصرف) . ٢ أخرجه الحاكم في المستدرك- ك: الطب- ب: أمسك النبي ﷺ عن بيعة رجل كانت في عنقه تميمة ٤/٢١٩، وأحمد في مسنده (مسند الإمام أحمد بن حنبل وبهامشه كنز العمال، سند الشاميين حديث عقبة بن عامر الجهني عن النبي ﷺ ٤/١٥٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: رجال أحمد ثقات ٥/١٠٣، كما صححه الألباني في صحيح الجامع ٥/٣٢٣ ح: ٦٢٧٠، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٢٦٥ ح: ٤٩٢، وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ص١٨٠ ح: ٢٩٤- ن المكتب الإسلامي- دمشق- بيروت- ط/١ (١٤٠٠هـ- ١٩٨٠م) . ٣ انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ١٠٨. ٤ هي: زينب الثقفية، امرأة ابن مسعود، صحابية. (الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ٢/٥٠٩ ت: ٧٠٠٤ باختصار) . ٥ الحُمْرَةُ: داء يعتري الناس فيحمرُّ موضعها، وتُغالب بالرقية. قال الأزهري: الحمرة من جنس الطواعين، نعوذ بالله منها. (لسان العرب ٢/٩٩١ مادة: [حمر]) .
[ ٣٤١ ]
يقول: "إنَّ الرقى والتمائم والتِّوَلة" ١ شرك قلت: فإني خرجت يومًا فأبصرني فلان، فدمعت عيني التي تليه، فإذا رقيتُها سكنت دمعتُها، وإذا تركتُها دَمَعَت قال: ذلك الشيطان إذا أطعتِهِ تركك، وإذا أعصيته طعن بإصبعِهِ في عينك، ولكن لو فعلت كما فعل رسول الله ﷺ كان خيرًا لك وأجدر أن تَشفِين، تنضحين في عينك الماء وتقولين: اذهب البأس، ربَّ الناس، اشفِ، أنت الشافي لا شفاءَ إلاَّ شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سَقَمًا" ٢.
وعن سبب الحكم على فاعل ذلك بالشرك يقول ابن الأثير: (إنَّما جعلها شركًا لأنَّهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه) ٣.
والحكم الشرعي لتعليق التمائم عام يشمل كل ما يندرج تحته قصد الحرز أو جلب النفع أو دفع الضرر كتعليق الحجب والكف والعين الزرقاء وغير ذلك، يقول الألباني حفظه الله: (ومن ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان! وتعليق بعض السائقين نعلًا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل، كل ذلك من أجل العين زعموا) ٤.
ويقاس على ذلك ما تلبسه بعض النسوة ويُلبسنه البنات الصغيرات من
_________________
(١) ١ التِّوَلَة: فيل هي خيط يقرأ فيه من السحر أو قرطاس يكتب فيه شيء منه يتحبب به النساء إلى قلوب الرجال أو الرجال إلى قلوب النساء: نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار ٩/١٠٤. ٢ أخرجه ابن ماجة في سننه- ك: الطب- ب: تعليق التمائم ٢/١١٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبى ماجه ٢/٢٦٩، وأخرج نحوه الحاكم في مستدركه- ك: الطب- ب: من تعلق شيئًا وكل إليه- ٤/٢١٦. ٣ البداية والنهاية في غريب الحديث والأثر ١/١٩٨ مادة: [تمم] . ٤ سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول ٤/٤٠.
[ ٣٤٢ ]
الحلي على شكل عين زرقاء أو كف، ظنًا منهن أنَّها تدفع العين وكل هذه الأشياء وما شابهها مما يجب على المسلمين التحذير منها وعلى رجال الحسبة إنكارها في الأسواق.
وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذا الجانب على سليمان بن سحيم قائلًا: [أنَّ تعليقهم التمائم من الشرك بنص رسول الله ﷺ، وقد ذكر تعليق التمائم صاحب (الإقناع) ١ في أول الجنائز، وأنت تكتب الحجب وتأخذ عليها شرطًا حتى إنك كتبت لامرأة حجابًا لعلها تحبل، وشرطت لك أحمرين٢ طالبتها تريد الأحمرين فكيف تقول إنّي أعرف التوحيد، وأنت تفعل هذه الأفاعيل؟ وان أنكرت فالناس يشهدون عليك بهذا] ٣.
أما التمائم التي تكون من القرآن الكريم وأسماء الله وصفاته ثم تعلق فقد اختلف فيها العلماء من الصحابة ﵃ والتابعين ﵏ ومن بعدهم على قولين:
١- القول الأول: يجوز ذلك وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وغيره، وهو ظاهر ما روي عن عائشة ﵂، وبه قال أبو جعفر الباقر، وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم الشركية.
٢- القول الثاني: لا يجوز ذلك وبه قال ابن مسعود، وابن عباس ﵃ وهو
_________________
(١) ١ انظر الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ١/٢١٠. ٢ مفردها أحمر، والأحمر: ما لونه الحمرة والذهب والزعفران واللحم والخمر. (القاموس المحيط ٢/١٣ فصل الحاء- باب: الراء مادة: [الأحمر]) وربما كان المقصود بها نوع من النقود المعدنية الذهبية المسماة بالمسكوكات الذهبية وهي عبارة عن وحدات ذهبية صغيرة الحجم نسبيًا وموحدة الوزن والعيار. (انظر النقود والمصارف ص ٦٠ للدكتور ناظم محمد نوري الشمري- ن، ط، (و) مديرية دار الكتب للطباعة والنشر- الموصل- الجمهورية العراقية ١٩٨٨م) . ٣ الرسائل الشخصية- الرسالة الرابعة والثلاثون ص ٢٢٧، والدرر السنية لب الأجوبة النجدية ٨/٦٢.
[ ٣٤٣ ]
ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم١ ﵃، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية، اختارها كثير من الصحابة، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه فإنَّ ظاهره العموم لم يفرق بين التي في القرآن وغيرها٢.
وهذا الخلاف رمز إليه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قائلًا:
[إذا كان المعلق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه منهم ابن مسعود ﵁] ٣.
ومما يجدر التنبيه إليه الحذر مما فشى بين الناس من استعمال العزائم المكتوبة بالزعفران، كما جاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء والتي ورد فيها: ( وأما كتابة سورة أو آيات من القرآن في لوح أو طبق أو قرطاس وغسله بماء أو زعفران وغيرهما وشرب تلك الغسالة رجاء البركة أو استفادة علم أو كسب مال أو صحة أو عافية ونحو ذلك فلم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه فعله لنفسه أو غيره ولا أنَّه أذن فيه لأحد من أصحابه أو رخَّص فيه لأمته مع وجود الدواعي التي تدعو إلى ذلك، ولم يثبت في أثر صحيح -فيما علمنا- عن أحد الصحابة ﵃ أنَّه فعل ذلك أو رخَّص فيه. وعلى هذا فالأولى تركه وأن يستغنى عنه بما ثبت في الشريعة من الرقية بالقرآن وأسماء الله الحسنى، وما صحّ من الأذكار والأدعية
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن عكيم الجهني.. أدرك زمان النبي ﷺ ولا بعرف له سماع صحيح. (الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٣٤٦، ت: ٤٨٣١) . ٢ يسير العزيز الحميد ص ١٦٨ بتصرف يسير. ٣ كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ص ١٩.
[ ٣٤٤ ]
النبوية ونحوها مما يعرف معناه ولا شائبة للشرك فيه..) ١.
والمسلم يجب عليه أن يكون على بصيرة من أمره كله فلا يأتي أو يذر أي أمر يعرض له إلاَّ بعد أن يزنه بميزان الشرع٢.
_________________
(١) ١ فتاوى إسلامية ١/٥٢ لأصحاب الفضيلة العلماء: ابن باز، ابن عثيمين، ابن جبرين جمع محمد المسند- ن دار الوطن- ط/٢ (١٤١٤ هـ- ١٩٩٤م) . ٢ انظر النذير العريان لتحذير المرضى والمعالجين بالرقى والقرآن ص١٩٣، لفتحي الجندي- دار طيبة- ط/١ (١٤١٥هـ- ١٩٩٥م) .
[ ٣٤٥ ]