تعريف السحر لغة: الأخذ، وكل ما لطف مأخذه١.
وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، والسحر خديعة، والسحر الفساد٢.
تعريف السحر اصطلاحا: هو: عزائم ورقى وعقد تؤثر في الأبدان، والقلوب فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه٣.
هناك تعريف آخر هو: عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله٤.
وهو عمل يتقرب به إلى الشيطان٥ لأنه اتفاق بين ساحر وشيطان على أن يقوم الساحر بفعل المحرمات أو الشركيات مقابل مساعدة الشيطان له وطاعته فيما يطلب منه ٦ والعياذ بالله.
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٢/٦٧٩ مادة: " سحر".
(٢) لسان العرب ٣/١٩٥٢ مادة: "سحر" باختصار.
(٣) الكافي في فقه الإمام المبجل احمد بن حنبل ٤/١٦٤ تأليف موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي، تحقيق زهير الشاويش- ن المكتب الإسلامي ط٥"١٤٠٨هـ-١٩٨٨م" – بيروت- دمشق، انظر المغني ١٢/٢٩٩، وقد ذكر ذلك الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ انظر الرسائل الشخصية- الرسالة الحادية عشرة ص ٦٩، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٥٦.
(٤) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ٤/٣٠٧، وقد ذكره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ انظر الرسائل الشخصية- الرسالة الحادية عشرة ص ٦٩، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٥٦.
(٥) لسان العرب ١٣/١٩٥، مادة " سحر".
(٦) انظر الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار ص ١٧ تأليف وحيد عبد السلام بالي- ن مكتبة التابعين- القاهرة ط/٣"١٤١٢هـ-١٩٩٢م".
[ ٣٢٢ ]
الأدلة على ثبوت السحر:
والسحر حقيقة ثابتة، قال القرطبي ﵀: "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامة المعتزلة إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة"١.
والأدلة على حقيقته ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، أذكر منها:
أولا: الدليل على حقيقة من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٢.
فلقد دلت الآية الكريمة على تعلم السحر، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ولا أخبر تعالى أنهم يعلمون الناس، فدل أنه حقيقة٣.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢/٤٢، ولأهل العلم في إثبات حقيقة كلام قيم المقام لسرده وللإستزادة منه انظر الفتاوى ١١/٢٦٧، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٥٦٩، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث ص ١٣٩، وبدائع الفوائد لابن القيم الجوزية ٢/٢٢١- ن، ط بدون، والغنية في أصول الدين ص ١٥٤ تأليف: سعيد ابن عبد الرحمن النيسابوري المعروف بالمتولي الشافعي، تحقيق الشيخ أحمد حيدر – ن مؤسسة الكتب الثقافية- ط /١"١٤٠٦هـ-١٩٨٧"بتصرف.
(٢) سورة البقرة آية ١٠٢.
(٣) انظر الجامع لأحكام القرآن ٢/٤٢.
[ ٣٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ١ جاء في الصحيح: ﴿النَّفَّاثَات﴾: "السواحر، تسحرون تعمون"٢.
وقال ابن القيم ﵀: " هن السواحر اللاتي يعقدون الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى تنعقد ما يردن من السحر"٣.
ثانيا: الدليل على حقيقته من السنة:
حديث عائشة ﵂: " سحر رسول الله ﷺ رجل من بني رزيق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا، ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصحابه: ما وجع الرجل؟ فقال مطبوب٤ قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال في أي شيء؟ قال في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال وأين هو؟ قال في بئر ذروان٥، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه فقال يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت يا رسول الله أفلا أستخرجه؟ قال قد عافاني الله فكرهت أن أثوِّر على الناس فيه شرًا
_________________
(١) سورة الفلق آية ٤.
(٢) صحيح البخاري ك: الطب ب: السحر ٧/١٧٦.
(٣) بدائع الفوائد ٢/٢٢١.
(٤) قال ابن الأثير: مطلوب أي مسحور، كنوا بالطب عن السحر، تفاؤلا بالبرء. " النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/١١٠ مادة: " طبب"، وقال الحافظ في الفتح: يقال طب الرجل بالضم إذا سحر. " فتح الباري شرح صحيح البخاري" ١٠/٢٢٨".
(٥) ذروان: بئر لبني زريق بالمدينة. " النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/١٦٠".
[ ٣٢٤ ]
فأمر بها فدفنت" ١.
ففي الحديث دلالة واضحة على حقيقة وجود السحر لتأثيره على الرسول ﷺ.
سأل إسحاق الكوسج٢ الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله: السحر حق؟ قال بلى أليس قد سحر النبي٣.
فدل هذا الأثر الملموس للسحر على أنه حقيقة.
ثالثا: حقيقته من الإجماع:
قال ابن هبيرة٤ ﵀: "وأجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه قال لا حقيقة له"٥.
وكذلك المعتزلة فإنهم أنكروا حقيقة السحر، قال المتولي الشافعي٦ ﵀:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/١٧٦ ك: طب ب: السحر.
(٢) هو: إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي، المروزي، الحافظ، ثقة ثبت من الطبقة الحادية عشرة، مات سنة "٢٥١هـ" " انظر الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة" ١/٢٣٩ ت: ٣٢٢، تقريب التهذيب ١/٦١ ت: ٤٣٦.
(٣) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة ٢/١٠١ جمع عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي- ن دار طيبة- الرياض- ط/١"١٤١٢هـ-١٩٩١م" بتصرف يسير.
(٤) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة الذهلي الشيباني، أبو المظفر، عون الدينمن كبار الوزراء في الدولة العباسية، عالم بالفقه والأدب، ولد سنة "٤٩٩هـ-١١٠٥م" وتوفي ببغداد سنة "٥٦٠هـ-١١٦٥م"، " الأعلام ٨/١٧٥ باختصار".
(٥) الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/٢٢٦، ن المؤسسة السعيدية بالرياض، للإستزادة انظر السحر حقيقته وحكمه والعلاج منه مع مناقشة شبهات منكري سحر النبي ﷺ ص ٢٥ تأليسف الدكتور سفر بن غرم الله الدميني- ط/١ "١٤١٢هـ-١٩٩١م".
(٦) هو عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري أبو سعد، المعروف بالمتولي، فقيه مناظر، عالم بالأصول، كبير في فقه الشافعية، ولد بنيسابور سنة "٤٢٦هـ-١٠٣٥م"، تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، توفي فيها سنة "٤٧٨هـ-١٠٨٦م" " الأعلام ٣/٢٣٢ بتصرف".
[ ٣٢٥ ]
"وأنكرت المعتزلة ذلك، قالوا لا أصل له"١.
وقال إسماعيل الصابوني في جملة بيانه لمعتقد السلف: " ويشهدون أن في الدنيا سحرا وسحرة إلا أنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢، والمقصود بالإذن هنا هو الإذن الكوني القدري أي أن السحرة لا يضرون أحدا إلا بمشيئة الله تعالى وتقديره، وليس المراد الإذن الديني الشرعي"٣اهـ.
وقال المتولي الشافعي: "مذهب أهل الحق أن السحرة حق ومعناه أنه موجود ، والدليل عليه قصة هاروت وماروت، وهو ظاهر في نص القرآن. والدليل عليه اتفاق أهل التفسير على أن نزول المعوذتين في سحر لبيد بن أعصم لرسول الله ﷺ والدليل عليه إجماع الفقهاء على السحر واختلافهم في أحكامه حتى تكلموا في وجوب القصاص على من قتل بالسحر، فدل ذلك على أنه موجود"٤.
حكم السحر والأدلة عليه:
أما عن حكم السحر فقد نقله الإمام محمد بن عبد الوهاب عن " الإقناع" قائلا: " ويحرم تعلم السحر وتعليمه وفعله ويكفر بتعلمه وفعله سواء اعتقد حرمته أو إباحته"٥.
_________________
(١) الغنية في أصول الدين ص ١٥٤.
(٢) جزء من الآية ١٠٢ من سورة البقرة.
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص ١٣٩، وانظر مجموع الفتاوى ١١/٢٦٧، وبدائع الفوائد ٢/٢٢١.
(٤) الغنية في أصول الدين ص ١٥٤ باختصار.
(٥) الرسائل الشخصية ص ٦٩، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٥٦، وهو في الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل بإضافة " كالذي يركب الحمار من مكنسة وغيرها فتسير في الهواء او يدعي أن الكواكب تخاطبه" ٤/٣٠٧، وانظر المذهب الأحمد في مذهب الإمام أحمد ص ١٩٢ تأليف ابن الجوزي ﵀- ن المؤسسة السعدية بالرياض- ط/٢.
[ ٣٢٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "السحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع"١.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ ٢.
ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات٣ قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات" ٤.
في الحديث الشريف: نهى ﷺ عن السبع المهلكات من الذنوب وثانيها السحر فدل على تحريمه، واقترانه بالشرك يدل على عظم العقوبة. والله أعلم.
وذكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب أن السحر من خصال الجاهلية٥.
وقد حكم أهل العلم بتكفير الساحر.
قال الذهبي: "الساحر لا بد وأن يكفر"٦اهـ.
لذلك نجد الفقهاء ﵏ بوبوا للسحر في كتاب حكم المرتد، مما حدى بالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى تصنيفه ضمن نواقض الإسلام العشرة قال ﵀: السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٥/١٧١،، وانظر المغني ١٢/٣٠٠.
(٢) جزء من الآية ١٠٢ من سورة البقرة.
(٣) الموبقات: أي الذنوب المهلكات. " النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/١٤٦ مادة: وبق".
(٤) أخرجه البخاري- ك: الوصايا –ب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٤/١٢، وك: الطب-ب: السحر ٧/١٧٦.
(٥) مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية ص ٣٥.
(٦) كتاب الكبائر ص ١٤ للحافظ شمس الدين الذهبي- الكبيرة الثالثة في السحر- ن المكتبة الثقافية- بيروت لبنان.
[ ٣٢٧ ]
فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١ ٢.
ولخطورة السحر وتعاطيه احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بشدة على سليمان بن سحيم بسبب كتابته لشيء من السحر فقال ﵀:
"إنك تكتب في حجبك طلاسم، وقد ذكر في " الإقناع"٣ أنها من السحر، والسحر يكفر صاحبه فكيف تفهم التوحيد وأنت تكتب الطلاسم؟ وإن جحدت فهذا خط يدك موجود"٤.
ومن هذا المنطلق حكم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عليه وعلى أبيه بالكفر بسبب اشتغالهما بالسحر فقال ﵀:
"وأنا أذكر لك كلام صاحب " الإقناع" أنه مكفرك ومكفر أباك في غير موضع من كتابه- إلى أن قال- أنه ذكر أن السحر يكفر بتعلمه وتعليمه والطلاسم من جملة السحر٥ وهي دينك ودين ودين أبيك، فأما أن تتبرؤوا من دينكم هذا٦، وإلا فأجيبوا عن كلام صاحب الإقناع وكلامنا"٧.
ثم يخفف ﵀ من حدته مع ابن سحيم للتوازن كفتي الشدة واللين في حسبته فيقول:
"فتأمل هذا الكلام، ثم تأمل ما جرى في الناس خصوصا الصرف والعطف
_________________
(١) جزء من الآية ١٠٢ من سورة البقرة.
(٢) الرسائل الشخصية – الرسالة الثانية والثلاثون ص ٢١٣ والدرر السنية في الأجوبة٨/٨٩، ورسالة نواقض الإسلام ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب – القسم الأول العقيدة والآداب الإسلامية ص ٣٨٦.
(٣) قال الحجاوي في الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل: " وتحرم رقية وحرز، وتعوذ بطلسم وعزيمة بغير عربي "٤/٣٠٨.
(٤) الرسائل الشخصية – الرسالة الرابعة والثلاثون ص ٢٧٧، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٦٢.
(٥) حيث ذكرها في سياق حديثه عن السحر راجع هـ"٣" في هذه الصفحة.
(٦) الصواب أن يقول: تتبرأ من دينكما هذا. أو من هذا الذي تدينان به.
(٧) الرسائل الشخصية – الرسالة الرابعة والثلاثين ص ٢٢٩، والدرر في الأجوبة النجدية ٨/٦٤ باختصار.
[ ٣٢٨ ]
تعرف أن الكفر ليس ببعيد وعليك بتأمل هذا الباب في الإقناع وشرحه وتأمله جيدا، وقف عند المواضع المشكلة، وذاكر فيها كما تفعل في باب الوقف والإجارة يتبين لك إن شاء الله أمر عظيم"١.
عقوبة الساحر:
ويذكر الإمام الشوكاني ﵀ أن العلة الموجبة للحكم بالكفر على الساحر ليست إلا الاعتقاد أن الساحر مشارك لله تعالى في علم الغيب٢.
من هنا يرى أهل العلم أن عقوبة الساحر القتل.
قال الخلال ﵀: سألت أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل ﵀- ما الحكم في السحر ومن سحر؟ ٣.
قال: الحكم في الساحر إذا عرف السحر القتل.
وقال الإمام مالك ﵀: " الساحر الذي يعمل السحر، ولم يعمل ذلك له غيره وهو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٤ فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه"٥اهـ.
_________________
(١) السائل الشخصية – الرسالة الحادية عشرة ص ٦٩.
(٢) انظر الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص ٥٣، علق عليه وخرج أحاديثه أبو عبد الله الحلبي- ن دار ابن خزيمة- ط/١"١٤١٤هـ".
(٣) أخرجه الخلال في أحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل ص ٤٦٦.
(٤) جزء من الآية ١٠٢ من سورة البقرة.
(٥) موطأ الإمام مالك وشرحه تنوير الحوالك ك: الحدود- ب: ما جاء في الغيلة والسحر ٢/١٩٢، للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي ن شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر- ط/الأخير "١٣٧٠هـ-١٩٥١م".
[ ٣٢٩ ]
وجاء في الإنصاف: " يكفر ويقتل هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب"١.
وذلك لقول وفعل الصحابة رضوان الله عليهم.
عن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " حد الساحر ضربة بالسيف" ٢.
وعن عبد الله بن أحمد رحمهما الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو وسمعه بجالة٣ يقول: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف
_________________
(١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ١٠/٣٤٩، وانظر المغني لابن قدامة ١٢/٣٠٢-٣٠٣، والإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ٤/٣٠٤.
(٢) الحديث أخرجه الترمذي في سننه- أ: الحدود ب: ما جاء في حد الساحر ح:١٤٨٥- ٣/١٠ وقال: الصحيح عن جندب موقوف، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. المرجع نفسه ٣/١١، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن جندب الخير- ك: الحدود ٤/٣٦٠ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وإن كان الشيخان تركا حديث إسماعيل بن مسلم فإنه غريب صحيح وله شاهد صحيح على شرطهما جميعا في ضد هذا ووافقه الذهبي في التخليص قائلا في الموضع نفسه: صحيح غريب، كما أخرجه الدارقطني في سننه- ك: الحدود ح:١١٢-٣/١١٤ وعبد الرزاق في مصنفه- ب: قتل الساحر ح:٨٧٥٢-١٠/١٨٤، عني بتحقيق نصوصه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي- ن المكتب الإسلامي- ط/٢"١٤٠٣هـ-١٩٨٣م"، وجزم بعض أهل العلم بضعفه كابن حجر، قال في فتح الباري: في سنده ضعف ١٠/٢٣٦، حيث إنه روي من طريق إسماعيل حققه وعليق عليه السيد صبحي البدري السامرائي ب: إسماعيل ع: ٧٧- ص ٥٧، ن مؤسسة الرسالة ط/١"١٤١٤هـ-١٩٩٤م"، وضعفه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/١٩٨ ت: ٦٦٩، وابن حجر في تهذيب التهذيب ١/٣٣٢ ت: ٥٩٨،والذهبي في ميزان الاعتدال ١/٢٤٨ ت:٩٤٥، ووجد له الألباني متابعا من طريق أخرى لكنها- كما قال- متابعة واهية: سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/٦٤١ ح:١٤٤٦- ن مكتبة المعارف- الرياض ط/٢"١٤٠٨هـ-١٩٨٨م" إلا أن له عدة طرق يتقوى بها انظر تفصيل ذلك في تخريج احاديث منتقدة في كتاب التوحيد ص ٥٠-٥٣ تألأيف فريح بن صالح البهلال- ن دار الأثر- الرياض- ط/١"١٤١٥هـ"، وقد علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على كلام الإمام الترمذي على الحديث بقوله: " والصواب ما قاله الترمذي من أنه موقوف": التعليق المفيد على كتاب التوحيد ص ١٤١- الحاشية- لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز- ن مكتبة التراث الإسلامي- القاهرة.
(٣) هو: بجالة بن عبدة، كاتب جزء بن معاوية، ثقة من الطبقة الثانية " انظر الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة ١/٢٦٣ ت:٥٣٥، تقريب التهذيب ١/٩٣ ت:٣"حرف الباء الموحدة"".
[ ٣٣٠ ]
فأتانا كتاب عمر ﵁ قبل موته بسنة قال: اقتلوا كل ساحر وربما قال سفيان وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر١.
قال ابن قدامة: هذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا٢.
وذكر السنامي أن رجلا يتخذ لعبة ليفرق بين المرأة وزوجها بتلك اللعبة، قالوا هو مرتد يحكم بردته ويقتل إذا كان يعتقد لها أثرا ويعتقد التفريق من اللعبة لأنه كافر. والساحر إذا تاب قبل ان يؤخذ تقبل توبته وإن أخذ ثم تاب لم تقبل توبته٣، هذا في إسقاط الحد عند التوبة، أما فيما بينه وبين الله فلا أحد يحول بينه وبين التوبة إن كانت صادقة٤ والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه- ك: الحدود ب: ما قالوا في الساحر ما يصنع به ع: ٩٠٣١- ١٠/١٣٦، والخلال في أحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام احمد بن حنبل ص ٤٦٨، وعبد الرزاق في المصنف- ب: قتل الساحر- ح:١٨٧٤٥-١٠/١٧٩، وأخرجه أبو داود في سننه مطولا- ك: الإمارة ب: في أخذ الجزية من المجوس ح:٣٠٤٣-٣/٤٣١ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٥٨٩ ح:٢٦٢، وانظر مزيدا من الآثار في موطأ الإمام مالك- ك: العقول –ب: ما جاء في الغيلة والسحر ٢/١٩٢، ومصنف عبد الرزاق- ب: قتل الساحر- ح:١٨٧٤، ١٠/١٨٠-١٨٢، وسنن الدارقطني وبذيله التعليق المغني على الدارقطني- ك: الحدود ح:١١٣، ٣/١١٤ تألأيف المحدث العلامة أبي الطيب محمد العظيم آبادي، عني بتصحيحه وتنسيقه وترقيمه وتحقيقه السيد عبد الله هاشم يماني المدني- ن السيد عبد الله هاشم المدني- المدينة- ط/"١٣٨٦هـ-١٩٦٦م"، والبيهقي في السنن الكبرى – ك: القسامة –ب: تكفير الساحر وقتله إن كان ما يسحر به كفر صريح ٨/١٣٨- ن دار الفكر- بيروت.
(٢) المغني٢/٣٠٣.
(٣) نصاب الاحتساب ص ٢٦١، تحقيق ودراسة الدكتور مريزن سعيد عسيري- ن دار الوطن- الرياض ط/١"١٤١٤هـ-١٩٩٣م" بتصرف يسير.
(٤) انظر فتح الحق المبين في علاج الصرع والسحر والعين ص ١٨٠ تأليف الدكتور عبد الله بن محمد الطيار، والشيخ سامي بن سليمان المبارك- ن دار الوطن- الرياض – ط/٢"١٤١٥هـ".
[ ٣٣١ ]