قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " لا يجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على إبطالها يوما واحدا فإنها شعائر الكفر، وهي أعظم المنكرات"١.
عن أبي واقد الليثي٢ ﵀: " أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ: سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٣ والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان
_________________
(١) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- القسم الرابع مختصر زاد المعاد ص ٢٧٣.
(٢) هو: صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، قال ابن معين وغيره: ليس بذاك، كان صاحب ليل- أي تهجد والله أعلم- وتأله وجهاد " الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ١/٤٩٨ ت:٢٣٥٩ باختصار".
(٣) جزء من الآية ١٣٨ من سورة الأعراف
[ ٢٧٨ ]
قبكلم" ١.
واستشهد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بكلام الطرطوشي٢ بعد أن ساق حديث أبي واقد الليثي الذي عزاه الطرطوشي للبخاري٣ قائلا: " فانظر رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها"٤.
ومن فضل الله تعالى ورحمته أن غيب عن عقول وأعين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان.
عن سعيد بن المسيب ﵀ عن أبيه ﵁ قال: " لقد رأيت الشجرة
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح- أ: الفتن ب: لتركبن سنن من كان قبلكم ح: ٢٢٧١،٣/٣٢١، وصحح إسناده الألباني في تخريجه لمشكاة المصابيح ٣/١٤٨٩ ح:٥٤٠٨هـ "٢" كما صححه في صحيح سنن الترمذي٢/٢٣٥، ح: ١٧٧١، وأخرجه بنحو أحمد في مسنده " مسند الإمام أحمد بن حنبل وبهامشه منتخب كنز العمال مسند الأنصار حديث أبي واقد الليثي ٥/٢١٧"، وابن أبي عاصم في السنة ١/٣٧ ح:٧٦، وصححه الألباني في تخريجه للسنة المسمى ظلال الجنة في الموضع نفسه.
(٢) هو أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان الأندلسي الطرطوشي نسبة إلى طرطوشة، وهي مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس على ساحل البحر، وهي في شرق الأندلس، الفقيه المالكي، الزاهد المعروف بابن أبي رندقة.. ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريبا وتوفي ثلث الليل الأخير من ليلة السبت لأربع بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة " وفيات الأعيان وأنباء الزمان ٣/٣٩٣-٣٩٥ بتصرف".
(٣) الذي وجدته أن الحديث أخرجه الترمذي وأحمد وابن أبي عاصم كما تقدم، أمارواية البخاري التي ربما قصد إليها الطرطوشي، فليس فيها ذكر قصة، وهي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا اليهود والنصارى؟ قال: فمن" صحيح البخاري- ك: الأنبياء ب: ما ذكر عن بنبي إسرائيل ٤/٢٠٦، وك: الاعتصام ب: قول النبي ﷺ لتتبعن سنن من كان قبلكم ٧/١٢٦، والله أعلم بالصواب.
(٤) الرسائل الشخصية- الرسالة الحادية عشرة ص٧٠، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٥٧، وانظر كلام الطرطوشي بكتاب الحوادث والبدع ص١٨، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه بشير محمد عيون- ن مكتبة المؤيد- الطائف- ط/٢"١٤١٣هـ-١٩٩١م" دمشق- بيروت.
[ ٢٧٩ ]
ثم أتيتها بعد فلم أعرفها قال محمود ١ ثم أنسيتها بعد"٢.
وعن طارق بن عبد الرحمن قال انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان في من بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: " إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها انتم؟ فأنتم أعلم"٣.
وعن ابن عمر ﵄ قال: " رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله"٤.
وعن سعيد بن المسيب ﵀ عن أبيه ﵁ أنه كان ممن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا"٥.
بينما جاء في الأثر عن عبد الله بن عون٦ عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن
_________________
(١) هو: غيلان أبو أحمد المروزي شيخ البخاري ومسلم"عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٧/٢١٩" للشيخ العلامة بدر الدين محمد العيني عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه شركة من العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية-ن دار إحياء التراث العربي- بيروت – لبنان.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه- ك: المغازي- ب غزوة الحديبية ٥/١٨٥.
(٣) المصدر السابق- الموضع نفسه.
(٤) المصدر السابق ٤/٦١ ك: الجهاد ب: البيعة في الحرب.
(٥) المصدر السابق ك: المغازي – ب: غزوة الحديبية ٥/١٩٥.
(٦) هو: عبد الله بن عون بن ارطبان المزني، مولاهم أبو عون الخزار البصري، رأى أنس بن مالك، ثقة، مات سنة إحدى وخمسين ومائة "انظر تهذيب التهذيب ٥/٣٤٦-٣٤٩ ت: "٦٠٠" عبد الله بن عون: للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني –ط/١ ١ بمطبعة مجلس دائرة النظاميسة الكائن في الهند سنة ١٣٢٦هـ".
[ ٢٨٠ ]
الخطاب ﵁ فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت١.
ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ أن الحكمة من خفاء تلك الشجرة هي: "أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن وشاهدًا في ما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: " كانت رحمة من الله" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى"٢اهـ.
وقال الإمام ابن القيم ﵀: " فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين من شجرة أو عمود أو وثن أو قبر أو خشبة أو عين ونحو ذلك والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره"٣.
وذلك سدًا لذريعة الشرك وحماية لجناب التوحيد.
لهذا نجد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بادر بكل بسالة إلى
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٠٠- ن دار صادر- بيروت، وابن أبي شيبة في الكتاب المصنف الأحاديث والآثار بلفظ: " بلغ عمر بن الخطاب أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال فأمر بها فقطعت": ٢/٣٧٥، وابن أبي وضاح في البدع والنهي عنها بلفظ: "إن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر": ص٤٣، تحقيق محمد أحمد دهان- ن دار البصائر- دمشق ط/٢"١٤٠٠هـ-١٩٨٠م" وصحح إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه: فتح الباري شرح صحيح البخاري ٧/٤٤٨، إلا أن الإمام أحمد بن حنبل قال: نافع عن عمر منقطع: تهذيب التهذيب ١٠/٤١٢- ت: "٧٤٢" نافع الفقيه مولى ابن عمر، لذلك قال الألباني: رجاله كلهم ثقات لكنه منقطع بين نافع وعمر فلعل الواسطة بينهما عبد الله بن عمر ﵄وخفاء الشجرة على الصحابة كما في حديث البخاري نص على أن الشجرة لم تبق معروفة المكان حتى يمكن قطعها من عمر، فدل ذلك على ضعف رواية القطع الدال عليه الانقطاع الظاهر فيها نفسها: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ص ١٣٧ هـ"٢" باختصار.
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٦/١١٨.
(٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/٢٠٩.
[ ٢٨١ ]
قطع دابر الشرك المجسد في الأشجار التي كان يتبرك بها كثير من الناس.
قال المؤرخ ابن غنام ﵀:
" أمر الشيخ محمد الأمير عثمان بهدم القبب وقطع الأشجار التي كانت الخلق لها في كل ساعة منتابة فبادر عثمان لذلك وامتثل، وخرج الشيخ معه وجماعتهم على عجل وخرجوا بالمعاول والكل للأجر آمل وخر ما في العارض من مُعبدات الأشجار كشجرة قريوه وأبي دجانة والذيب فلم يكن أحد إلى التبرك بهما١ ينيب ولم تسألها من لم تتزوج مثل العادات زوجا حبيب٢ وليس هذا في تلك الأزمان بغريب وليس وقوع أقبح منه بعجيب، وكان الشيخ رحمه الله تعالى هو الذي باشر قطع شجرة الذيب بيده مع بعض أصحابه فنال من ربه جزيل أجره وثوابه، وقطع شجرة قريره ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم فأدركوا من الفوز مناهم"٣أهـ.
وقال ابن بشر ﵀: " وكان فيها٤ أشجار تعظم وتعلق عليها فبعث إليها سرا من يقطعها بأجرة من ماله، فقطعت، وفي البلد شجرة هي أعظمهن عندهم، وذكر لي أن الشيخ خرج إليها بنفسه سرا يريد قطعها فوجد عندها راعي غنم أهل البلد فأراد ان يمنعها منه أو أنه خاف أن ينم عليه، فأعطاه
_________________
(١) لعل الصواب أن يقول بها لأن الضمير يعود على جمع لا مثنى.
(٢) الصواب أن يقول: حبيبا.
(٣) تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام ١/٣٠
(٤) أي في العيينة.
[ ٢٨٢ ]
الشيخ أحد أسلابه١ الذي عليه وخلى بينه وبينها فقطعها"٢اهـ.
وكان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "كلما قطع شجرة من الأشجار التي زعموا أن سر البركة في أغصانها كلما زاد قوة وعزما٣؛ لأن العقيدة الصحيحة الصافية التي تسمو بالنفس عن الأحجار والأشجار والأوثان وعبادة العظماء تربي صاحبها على الشجاعة وعدم الخوف من الموت في سبيل الحق وإنكار المنكر مهما كانت التبعات٤ وكان من نتائج هذا الإنكار العملي لمظاهر الشرك أن أيد الله الإمام محمد بن عبد الوهاب وأظهره.
قال ابن بشر ﵀: "ثم صار أمره في ازدياد واجتمع معه عصابة نحو سبيعن رجلا معهم من هو من رؤساء المعامرة٥ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"٦اهـ.
_________________
(١) أسلاب جمع سلب وكل شيء على الإنسان من اللباس فهو سلب: لسان العرب ٣/٢٠٥٧ مادة: سلب، فيكون المعنى: أعطاه أحد ألبسته التي عليه.
(٢) عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩.
(٣) انظر المملكة العربية السعودية في إطار تاريخ الوطن العربي الكبير في العصور الحديثة ص٦١.
(٤) انظر تاريخ المملكة العربية السعودية ص ١٣٥ لسيد محمد إبراهيم.
(٥) المعامرة: هم آل معمر أمراء نجد فيالقرنين الحادي عشر والثاني عشر " أنظر جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد ٢/٨٣٤".
(٦) عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩.
[ ٢٨٣ ]