لما سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ هل يجوز الغناء على رؤوس النخل وبين السواني إلخ؟ أجاب على ذلك بقوله:
[رفع الصوت بالغناء من الباطل ولا يجوز، وأما الأدب عليه فلا يؤدب عليه إلاَّ إن كان معه منكر كاجتماع النساء والرجال والرقص ونحوهما لترتب المفاسد، فأدِّبوا عليه. مما يردع صاحبه] ٢.
من الواضح أن المقصود هنا بالغناء السماع المجرد عن المعازف، ففي لسان العرب: الغناء بالكسر من السماع وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء٣.
وقد كره العلماء الغناء المجرد عن آلات اللهو٤، قال رجل لابن عباس ﵄: "ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام؟ فقال: لا أقول حرامًا إلاَّ ما في كتاب الله، فقال: أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاء يوم القيامة فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك"، فهذا
_________________
(١) ١ انظر إقليم الحجاز وعوامل نهضته الحديثة ص ٢٢٢. ٢ الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٣٦٠. ٣ لسان العرب ٥/٣٣٠٩ مادة: [غنا] بتصرف يسير. ٤ انظر أقوال أهل العلم في ذلك في مجموع الفتاوى ١١/٥٧٧، والسماع والرقص ص٤٠- ٤٤، ورسالة في أحكام الغناء ص٦ تأليف الإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي- ن دار طيبة- الرياض.
[ ٤٠٤ ]
جواب ابن عباس ﵄ عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط، والتَّشبيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف، وآلات المطربات، فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول١ ا. هـ.
ومما لابد من التنبيه إليه هنا أنَّ اهتمام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالاحتساب على منكرات الآداب الفرعية، رغم انشغاله بالاحتساب على منكرات العقيدة التي نهضت في مجتمعه واستغرقت جل وقته وجهده ﵀، ينبغي أن يستثير همم طلبة العلم والدعاة والمحتسبين لبذل جل أوقاتهم وقدراتهم في محاربة شتى المنكرات، وألاَّ يشغلهم بعضها عن بعضها الآخر، مهما تعددت مسؤولياتهم في الحياة.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/٢٤٣.
[ ٤٠٥ ]