أما الرُّقى فهي جمع رقية. والرُّقية في اللغة: العَوْذَة يقال: رَقَى الرَّاقِي رُقْيَةً ورُقِيًّا، إذا عَوَّذ ونَفَث في عُوذته١.
وهي العُوذة التي يُرقى بها صاحب الآفة كالحمَّى والصرع وغير ذلك من الآفات٢.
والرقية شرعًا: (هي التي تسمى العزائم) ٣ وهي القراءة، فيقال: رُقي عليه من القراءة ورقى عليه من الصعود٤، وهي على نوعين:
١- رقية شرعية.
٢- رقية غير شرعية.
أولًا: الرقية الشرعية:
حكمها: الجواز وقد قيدها أهل العلم بشروط.
_________________
(١) ١ لسان العرب ٣/١٧١١ مادة: [رقا] . ٢ النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/٢٥٤ مادة: [رقى] . ٣ كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ص ١٩. ٤ القول المفيد على كتاب الوحيد ١/١٧٥ شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين- ن دار العاصمة- الرياض- ط /١ (١٤١٥هـ) .
[ ٣٤٥ ]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: (أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
١- أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وبصفاته.
٢- وباللسان العرب أو بما يعرف معناه من غيره.
٣- وأن يعتقد أنَّ الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى) ١.
الدليل على جوازها حديث عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال سألت عائشة ﵂ عن الرقية من الحُمَةِ٢ فقالت: "رخَّص النبي ﷺ الرقية من كل ذي حُمَةٍ"٣.
قال ابن حجر العسقلاني ﵀: "رخَّص" فيه إشارة إلى أنَّ النهي عن الرقي كان متقدمًا) ٤ ا. هـ.
وقال الخطَّابي ﵀: "وليس في هذا نفي جواز الرقية في غيرها من الأمراض، والأوجاع لأنَّه ثبت عن النبي ﷺ رقى بعض أصحابه من وجع كان به) ٥.
وقال ابن القيم ﵀: (المراد به لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحُمة) ٦.
وعن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الرُّقى. فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنَّه كانت عندنا رقية نرقي بها
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠/١٩٥ بتصرف يسير. ٢ الحُمة: سم ذوات السموم وقد تسمى إبرة العقرب والزنبور حمة وذلك لأنّها مجرى السم، (معالم السنن للخطابي ضمن مختصر سنن أبي داود للمنذري ٥/٣٦٣) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه- ك: الطب ب: رقية الحية والعقرب ٧/١٧١. ٤ فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠/٢٠٦. ٥ معالم السنن للخطابي ضمن مختصر سنن أبي داود للمنذري ٥/٣٦٣. ٦ الطب النبوي ص١٧٥، حقَّق نصوصه، وخرّج أحاديثه، وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط- ن مؤسسة الرسالة- بيروت- مكتبة المنار الإسلامية- الكويت ط/٢ (١٤٠١ هـ- ١٩٨١م) .
[ ٣٤٦ ]
من العقرب. وإنَّك نهيت عن الرقى، قال فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" ١.
وعن عائشة ﵂ قالت: "أمرني رسول الله ﷺ أو أمر أن يُسترقى من العين" ٢.
وعن عوف بن مالك الاشجعي٣ قال: كُنّا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليَّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" ٤.
ثانيًا: الرقى غير الشرعية:
دلَّ حديث عبد الله بن مسعود المتقدم٥ على النوع الثاني من الرقى وهو الرقى الشركية، والتي لا تخلو من الشرك وهي الرقى التي يستعان فيها بغير الله من دعاء غير الله والاستغاثة والاستعاذة به٦ ويستخدمها المعزمون والدجالون والعرّافون والمشعوذون٧.
قال الإمام البغوي ﵀: (.. المنهي من الرقى ما كان فيه شرك، أو كان يذكر مردة الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب، ولا يُدرى ما
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه- ك: السلام- ب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة- ٤/١٧٢٦. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه- ك: الطب- ب: رقية العين- ٧/١٧١. ٣ عوف بن مالك الأشجعي: صحابي حمل راية قومه يوم الفتح، مات سنة (٧٣ هـ) . (الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ٢/١٠١ ت: ٤٣١١ بتصرف) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه- ك: السلام- ب: لا بأس بالرقى ما لم يكن شركًا ح: ٦٤- ٤/١٧٢٧. ٥ راجع ص (٣٤١) من هذا البحث. ٦ انظر كتاب التوحيد ص ٤٩ للدكتور الشيخ صالح بن فوزان الفوزان- مطابع الحميضي. ٧ انظر فتح المغيث في السحر والحسد ومس إبليس ص ١٨٤ لأبي عبيدة ماهر بن صالح آل مبارك- ن دار علوم السنة- الرياض ط/١ (١٤١٥هـ-١٩٩٥م) .
[ ٣٤٧ ]
هو، ولعله يدخله سحر، أو كفر) ١.
وسئل ابن عبد السلام ﵀ عن الحروف المقطعة فمنع منها ما لا يعرف، لئلا يكون فيه كفر٢.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. ما يقال ويكتب مما لا يعرف معناه فلا يشرع، لاسيما إن كان فيه شرك، فإنَّ ذلك محرم. وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك، وقد يقرأون مع ذلك شيئًا من القرآن ويظهورن ويكتمون ما يقولونه من الشرك، وفي الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله) ٣.
وفي هذا المعنى قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
[نهى النبي ﷺ عن الرقى التي فيها شرك كالتي فيها استعاذة بالجن كما قال تعالى: ﴿وأنَّهُ كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهُم رهقًا﴾ ٤ ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والأقسام التي يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره التي تتضمن الشرك، بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك] ٥ ا. هـ.
وبالنظر إلى حال بعض المشتغلين بالرقية في عصرنا الحاضر ممن يعوزهم العلم الشرعي، والذي يعج بالمخالفات الشرعية يحتم على المحتسبين الإنكار عليهم وتحذير الناس منهم حفاظًا على سلامة عقائدهم.
_________________
(١) ١ شرح السنة ١٢/١٥٩. ٢ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص ١٦٧. ٣ الدليل والبرهان على مصرع الجن للإنسان ص٥٦، راجعه وخرّج أحاديثه محمد بن طاهر الزين- ن مكتبة السندس- ط/٢ (غرة ذي الحجة ١٤٠٩هـ- تموز (يوليو) ١٩٨٩م)، وانظر مجموع الفتاوى ١٩/٦١. ٤ سورة الجن آية ٦. ٥ ملحق المصنفات ص ١٠٧.
[ ٣٤٨ ]