ولقد رثاه عدد من العلماء والأدباء من أرباب القوافي مثل ابن غنام بقصيدة رائعة تدل على مبلغ تأثر الشاعر بفقد الإمام وهي بتمامها موجودة في كتاب: عنوان المجد في تاريخ نجد.
قال حسين بن غنام ﵀:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع وليس إلى غير المهيمن مفزع
لقد كسفت شمس المعارف والهدى فسالت دماء في الخدود وأدمع
إمام أصيب الناس طرا١ بفقده وطاف بهم خطب من البين موجع
وأظلم أرجاء البلاد لموته وحل بهم كرب من الحزن مفظع
شهاب هوى من أفقه وسمائه ونجم ثوى في الترب واراه بلقع٢
وكوكب سعد مستنير سناؤه وبدله في منزل اليمن مطلع
وصبح تبدى للأنام ضياؤه فداجى٣ الدياجى بعده متقشع
لقد غاض بحر العلم والفهم والندى وقد كان فيه للبرية مرتع
-لقد- وجد الإسلام يوم فراقه مصابا خشينا بعده يتصدع
وطاش ذووا الإسلام والفضل والنهى وكادت له الأرواح تترى ونتبع
_________________
(١) طرًا: أي جميعا، الصحاح تاج اللغة، وصحاح العربية ٢/٧٢٥، مادة: طرر.
(٢) البلقع، والبلقع: الأرض العفر التي لا شيء بها، لسان العرب ١/٣٤٨، مادة: بلقع.
(٣) الدجى سواد الليل مع غيم، المرجع السابق ٢/١٣٣٢، مادة: دجا.
[ ١٢٧ ]
وطارت القلوب المسلمين بموته وظنوا به أن القيامة تقرع
فضجوا جميعا بالبكاء تأسفا وكادت قلوب بعده تنفجع
بكتة ذووا الحاجات يوم فراقه وأهل الهدى والحق الدين أجمع
يحق لأرواح المحبين أن ترى مقوضة لما خلت منه أربع
وتتلوا شريرا فوقه قمر الهدى وشمس المعالي والعلوم تشيع
فيا لك من قبر حوى الزهد والتقى وحل به طود من العلم منزع
لئن كان في الدنيا له القبر موضعا فيوم الجزا يرجى له الخلد موضع
وأسكنه بحبوبة الفوز والرضى ولا زال بالرضوان فيها يمتع١
وممن رثاه أيضا الإمام محمد بن علي الشوكاني ﵀ بقصيدة طويلة اخترت منها الأبيات التالية:
مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي وأصمى بهم الافتجاع مقاتلي
وخطب به أعشار أحشاي صدعت فأمست بفرط الوجد أي ثواكلي
ورزء تقاضا صفاء معيشتي وأنهلني قسرا أمرا المناهل
فقد مات طود العلم قطب رحى العلا ومركز أدوار الفحول الأفاضل
إمام الورى علامة العصر قدوتي وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل
محمد ذو المجد الذي عز دركه وجل مقاما عن لحوق المطاول
إلى عابد الوهاب يعزى، وأنه سلالة أنجاب زكي الخصائل
عليه من الرحمن أعظم رحمة تبل ثراه بالضحى والأصائل
_________________
(١) عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩٥-٩٦ باختصار.
[ ١٢٨ ]
ستبكيه أجفاني حياتي وإن امت سيبكيه عني جفن طل ووابل
وتبكيه أقلامي أسى ومحاربي ويبكيه طرسي دائما وأناملي
عجبت لقبر ضمه كيف لم يكن يميد بحير فائض العلم سائل
ومن نعش كان حامل جسمه هنيئا له إذ كان أشرف حامل
ولا غرو أن يبكي الزمان لفقده فقد كان غيث الجود كهف الأرامل
فآهًا على ذاك المحيا وحسنه وآها على تلك العلوم الجلائل
وآها على تحقيقه في دروسه وتوضيحه للمعضلات المشاكل
فمن للبخاري بعده ولمسلم يبيّن المخبا منهما للمحاول
ومن ذا لتفسير الكتاب ومن ترى لأحكام فقه الدين من للرسائل
ومن لمسانيد سمت ومعاجم وكشف لثام الحكم عند النوازل
ومن للمعالي والبيان ومنطق وردع أخي الجهل الغوي المجادل
ومن بعده للصدع بالحق قائم بجد ولا يخشى ملامة عاذل
فوآ أسفي وآ لهف قلبي وحسرتي عليه وحزني لأكرم راحل
ويا ندمي لو كان يجدي من القضا ولكن قضاء الله أغلب حائل
ولو كان من ريب المنية مخلص لكنت له بالجهد أي محاول
فيا سائر الأولاد للشيخ إنني أعزيكموا مع ذي انتساب واثل
وأوصيكموا بالصبر طرا وبالرضا بجاري القضا في عاجل ثم آجل
[ ١٢٩ ]
بتسليم أمر الله ثم احتساب ما لديه تعالى من أجور جزائل
ومثلكموا لا يعتريه تزلزل ولا وهن في فادحات النوازل
وأنتم بحمد الله عنه خلائف بعلم وأفضل شامخ القدر شامل
وإنا لنرجو أن تكونوا أئمة بكم يقتدي في دينه كل فاضل
ونسأل رب العرش بعظم أجوركم ويحميكموا من طارقات الغوائل
ويجبر صدع القلب والكسر منكمو ويعقبكم طرا جمال المحافل١
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١٢/٢٠-٢٤ باختصار.
[ ١٣٠ ]