قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:" أما بناء القباب عليها١ فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الأشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده قصده لأجل الدعاء فكذلك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك كما صح عنه ﷺ أنه قال:
_________________
(١) أي على القبور.
[ ٢٨٣ ]
"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١، وذكر العلماء أنه يجب التغليظ في هذه الأمور لأنه يفتح باب الشرك"٢.
من ذلك قول الإمام الشوكاني ﵀: " هذه البدعة قد صارت وسيلة لضلال كثير من الناس لا سيما العوام، فإنهم إذا رأوا القبر وعليه الأبنية الرفيعة والستور الغالية وانضم إلى ذلك إيقاد السرج عليه تسبب عن ذلك الاعتقاد في ذلك الميت ولا يزال الشيطان يرفعه من رتبة إلى رتبة حتى يناديه مع الله سبحانه ويطلب منه ما لا يطلب إلا من الله ﷿ ولا يقدر عليه سواه فيقع في الشرك"٣اهـ.
ويأتي الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بحجج قوية على وجوب هدم القباب المبنية على القبور فقال ﵀: "سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذر منها كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" ٤، وهو ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة وابن عباس﵃- قالا: " لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه، وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" ك: الأنبياء ب ما ذكر عن بني إسرائيل،٤/٢٠٦.
(٢) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- القسم الثالث فتاوى ومسائل الإمام ص ٧٠و ١٠١.
(٣) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ١/٣٦٧، تحقيق محمود إبراهيم زايد- ن دار الباز- مكة المكرمة- دار الكتب العلمية- بيروت لبنان ط/١- بيروت "١٤٠٥هـ-١٩٨٥م".
(٤) سبق تخريجه ص"٢٥٥" هـ-"١".
[ ٢٨٤ ]
حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق يوصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر١ وثبت فيه أيضا أنه بعث علي بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثال٢ إلا طمسه٣، ولهذا قال غير واحد من العلماء٤: يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم٥.
واستجابة لأمر الله ورسوله انطلق الشيخ الإمام الهمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بعزيمة الرجال وثبات الجبال لهدم ما قدر عليه من القباب والمشاهد معلنا للتوحيد الخلص مغيرا لأعظم المنكرات.
قال المؤرخ ابن غنام ﵀ في سياق حديثه عن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير عثمان بن معمر:
"أمر الشيخ محمد الأمير عثمان بهدم القبب والمساجد المبنية في الجبيلة على قبور الصحابة فبادر عثمان لذلك وامتثل وخرج الشيخ معه وجماعتهم على عجل وخرجوا بالمعاول، والكل للأجر آمل فهدموا تلك المساجد وأزالوا رفيع المشاهد وأزالوا جميع المحظور عن جميع تلك
_________________
(١) مراده حديث جابر بن عبد الله ﵁ الذي نصه: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه"، صحيح مسلم ك: الجنائز ب: النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه ح:٩٤، ٢/٦٦٧.
(٢) الصواب أن يقول: تمثالًا.
(٣) راجع ص ٢١٢ من هذا البحث.
(٤) منهم ابن القيم ﵀ انظر ما قاله في زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/٦٠١، حقق نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه شعيب الأرنؤوط، عبد القادر الأرنؤوط- ن مؤسسة الرسالة – بيروت- مكتبة المنار الإسلامية- الكويت ط/٢ "١٤٠١هـ- ١٩٨١م"،وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/٢١٠، ورسالة في أمراض القلوب ص٢١٣، تحقيق محمد الفقي- ن دار طيبة- الرياض.
(٥) الرسالة الشخصية – الرسالة السابعة عشر ص ١١٣، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٥٨.
[ ٢٨٥ ]
القبور، وعدلت على السنن المشروع واندرس الأمر الممنوع وهدم رفيع ذلك البناء وبطل ذلك التعظيم والاعتناء وخر شامخ الأحجار "١.
ويفصل المؤرخ ابن بشر ﵀ في قصة هدم هذه القبة قائلًا: "إن الشيخ أراد أن يهدم قبة قبر زيد بن الخطاب ﵁ التي عند الجبيلة فقال لعثمان٢:"دعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل وضل بها الناس عن الهدى" فقال: دونكها فاهدمها فقال الشيخ: "أخاف من أهل الجبيلة أن يوقعوا بنا ولا أستطيع هدمها إلا وأنت معي" فسار معه عثمان بنحو ستمائة رجل فلما قربوا منها ظهروا عليهم أهل الجبيلة يريدون أن يمنعوها فلما رآهم عثمان علم ما هموا به فتأهب فلما رأوا ذلك كفوا عن الحرب وخلوا بينهم وبينها، وذكر لي أن عثمان لما أتاها قال للشيخ نحن لا نتعرضها فقال أعطوني الفأس فهدمها الشيخ بيده حتى ساواها، ثم رجعوا فانتظر تلك الليلة جهال البدو وسفهاؤهم ما يحدث على الشيخ بسبب هدمها فأصبح في أحسن حال"٣ ا. هـ.
فكان ذلك نصرا عمليا له ولدعوته أقنع بعض المتشككين في أمره بصحة ما يدعو إليه٤ وهذا وعد من الله ﷿ لمن نصر دينه قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٥.
ويصف لنا ابن غنام ﵀ حال الناس بعد هذا النصر قائلًا:
_________________
(١) تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام ١/٣٠.
(٢) أي الأمير عثمان بن حمد بن معمر.
(٣) عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩.
(٤) انظر الدولة السعودية الأولى الجزء الأول ص٤٤.
(٥) جزء من الآية ٤٠ من سورة الحج.
[ ٢٨٦ ]
"فلم يبق وثن في البلدان التي كانت تحت يد عثمان وشاع ذلك واستبان ونعم بذلك أهل الإيمان وصلحوا حالًا من ذلك المكان وانتشر الحق من ذلك الأوان واشتهر الأمر وبان وسارت بذلك الركبان"١ ا. هـ.
ولكن سنة الله في خلقه أن يبتلى ويمحص أهل الحق ويصقلوا بالفتن كما يصقل الذهب بالنار لينقى من الشوائب ويزداد لمعانًا!!
لذلك قوبل هذا الاحتساب من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بكثير من النفور الذي وصفه ابن غنام قائلًا:
"فأنكرت ذلك قلوب الذين حقت عليهم كلمة العذاب وقالوا مثل ما قال الأولون ذووا الكفر والإعجاب: ﴿أجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ فأخذوا في رده والإنكار عليه وأتوا بأعظم الأسباب وزجوا الخلق في لجة الضلال والارتياب وضجوا على كلمة الحق بالتكذيب والإكذاب – وبهتوا – الشيخ بأنه ساحر ومفتر وكذاب وحكموا بكفره واستحلال دمه وماله وجميع من له من أصحاب: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ٣ وأشر الناس إنكارا عليه وأعطمهم تشنيعا وسعيا بالشر إليه سليمان ابن سحيم وأبوه محمد فقد أنهم٤ في ذلك وأنجد وجد في التحريش
_________________
(١) تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام ١/٣١.
(٢) سورة ص آية ٥.
(٣) جزء من الآية ٥ من سورة غافر.
(٤) أنهم: من النهم وهو إفراط الهوة في الطعام وأن لا تمتلىء عين الآكل ولا يشبع والنهمة الحاجة وبلوغ الهمة والشهوة في الشيء وهو منهوم بكذا مولع به. "القاموس المحيط ٤/١٨٤ فصل النون والواو باب الميم مادة: النهم".
[ ٢٨٧ ]
عليه والتحريض، وهيئوا له أسباب الجريض١ وأرسل بذلك إلى الأحساء والحرمين والبصرة فلم ينل من مراده سوى الخزي والعار والحسرة، ولم يحصل من مراده بغير العثرة، ولقد كاد وشنع وعادى وجشر٢ علماء السوء ونادى وكذب عليه وبهت وزور وجد في دحض الهدى وشمر وسعى وفي إبطاله٣ وما قصر وبعث الطروس٤ منزعه بالباطل والمين٥ إلى علماء الحسا والبصرة والحرمين فقاموا معه فورا بالإنكار وأفتوا للحكام والسلاطين والأشرار بأن القائم بدعوة التوحيد ليس له في الحق تثبت ولا قرار، وأنه من لظى الجحيم والنار على شفا جرف هار، بل جزم أكثر علماء الأمصار في تلك الأزمان والأعصار بأن هذا المبين لآثار السلف الأخيار المتبع لهدي نبيه المختار من أقبح الضلال والفساق والكفار وأشر الخوارج والفجار، وحسبوا أنهم إذا حرشوا عليه الحكام يجدون في قتله ويجتهدون فيفوزون حينئذ بما كانوا يؤملون، ولقد عرفوا أن الذي جاء به الحق ولكنهم كانوا يكتمون: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ
_________________
(١) الجريض الغصة واختلاف الفكين عند الموت "المعجم الوسيط ١/١١٧ مادة: الجريض" والجريض: الريق يغض به: يقال: جرض بريقه تَجْرَضُ، وهو أن يبتلع ريقه على هم وحزن، يقال: مات فلانا جريضا، أي مغموما وفي المثل "حال الجريض دون القريض" والقريض: الشعر، وأصله البعير. وحال: منع. يضرب المثل للأمر يقدر عليه اخيرا حين لا ينفع. وأصله ان رجلا كان له ابن نبغ في الشعر، فنهاه أبوه عن ذلك، فجاش به صدره، ومرض حتى أشرف على الهلاك فأذن له أبوه في قول الشعر، فقال هذا القول. "مجمع الأمثال ١/٢٥١لأبي الفضل النيسابوري الميداني، قدم له وعلق عليه نعيم حسين زرزور –دار الكتب العلمية- بيروت ط/١ "١٣٠٨هـ- ١٩٨٨م".
(٢) جشر الرجل والبعير: أصابه سعال جاف فخشن صوته، ويقال: جشر صوته. فهو أجشر وهي جشراء، "المعجم الوسيط ١/١٢٣ مادة: جشر".
(٣) الواو هنا زائدة.
(٤) الطرس: الصحيفة والكتاب الذي محي ثم كتب ج: طروس واطراس "المرجع السابق ٢/٥٥٤ مادة الطرس".
(٥) سبق التعريف بها ص"٤٣" هـ "٥".
[ ٢٨٨ ]
يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١ فصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله وتغييره للشرع النبوي وتبديله وعدم معرفته بأسرار العلوم وتجهيله، وسطروا فيها الجزم بكفره وبطلان حجته ودليله وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون، فأطبق أهل الباطل والضلال على قبيح تلك الأقوال وأرهفوا أسنة المقال والكل خاض في الإفك ونال فآب بالخسران والإذلال ورجع ولله الحمد بخيبة الآمال: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ٢ والذي تول منهم هذا لأمر الكبير، واقتحم لجج موجه الخطير، وشمر فيه أعظم التشمير، وتنادى عليه مع أعوانه لأجل التغيير حسدا وبغيا لفوزه بهذا الفضل الكثير والفخر النابل المنير سليمان ابن سحيم وأبوه محمد من مطاوعة الرياض والموانيس من أهل منيخ٣ وعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف ومحمد بن عبد الرحمن بن عفالق فصار كل من هؤلاء معاندا مجادلا مشاقق٤ وحذروا منه جميع الأنام، وأخرجوه بلا شك من حوزة الإسلام وأغروا به الخاص والعام خصوصا السلاطين والحكام وقطعوا لهم أنه رافض شريعة محمد عليه الصلاة
_________________
(١) سورة التوبة آية ٣٢.
(٢) سورة الأنعام أية ١١٣.
(٣) منيخ: بضم الميم، وكسر النون، وإسكان الياء، فخاء "المجمعة" وما حولها من واديها: كان هذا الاسم يطلق عليه قديما، ولا تعرف إلا به.. أما الآن فقد أصبح هذا الاسم أثريا، وكانوا قبل يقولون "سدير" و"منيخ".. أما الآن فإن "المجمعة" التي هي "منيخ" سابقا، قد أصبحت قاعدة ل"سدير" كله "معجم اليمامة ٢/٤٠٢"، وراجع ص"٩٩" هـ"٣".
(٤) الصواب أن يقول مشاققًا.
[ ٢٨٩ ]
والسلام، وأنه مغير لمنار السنة والأحكام وليس له منها تمسك والتزام ولا بالدين أخذ واعتصام، فليس له ولا لأصحابه عهد ولا ذمام، ولم يكن له قصد ولا مرام إلا تنفير الخواص والعوام، ملأ قلوب الجهال والطغام بما يبديه لهم من ذلك الكلام فيقوموا بالمشاققة على الحكام والولاة ويكونون عليهم عتاة وبما يأمرونهم به في جميع الأحوال عصاة، فهذا غايته ومناه ومنتهى مراده وأقصاه يخوفونهم بهذه الأقاويل ويجلبون لهم أنواع الأباطيل ويحذرونهم منه أنه إن تمكن أمره في البلاد أزال جميع المنكرات والفساد وقطع جميع ما كان من المظالم معتاد، فكانوا بهذا الكلام لهم يغرون وعن طريقه يحذرون وينفرون، وهو ﵀ صابر على ما يقولون محتسب الأجر فيما إليه ينسبون متسل بما كابده وقاساه قبله الموحدون وما لقيه من الابتلاء المؤمنون وما سعى به لهم الضلال والمشركون: ﴿ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ ١ وهذه سنة الله تعالى في عبادة جارية في جميع الأزمان على مراده، يختبر بها أحبابه المؤمنين ويمتحن بها أحزابه المفلحين: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢ فيرفع جل وعلا قدر الصابرين ويعلى مرتبة الصادقين ويخفض منزلة المنافقين، ويفضح بإرادته الفاسقين والكاذبين ويحق عليهم كلمة العذاب أجمعين: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٣ فمضى رحمه
_________________
(١) سورة العنكبوت الآيتان ١-٢.
(٢) سورة العنكبوت آية ٣.
(٣) سورة العنكبوت آية ٤.
[ ٢٩٠ ]
الله تعالى في المناصحة وبذل الجد في الدعوة، والخلق رموا النبال نحوه فصبر متأسيا بسلفه الصالح فكان له بهم أسوة ما كانوا عليه يحزنون: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١ ٢ا. هـ.
إلا أن صبره لم يكن إطلاقًا يعني السلبية أو الانهزامية بل كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يناضل عن الحق الذي يعتقده ويدين الله به بكل ثبات ويقين، فأرسل إلى علماء المسلمين بعض الرسائل يفسر فيها عن الحق والحقيقة لما لبسهما بعض الجهال وأدعياء العلم- الذين ذكر بعضهم ابن غنام ﵀ في كلامه السابق- على العوام بسبب هدمه للقباب ومما كتبه محتسبا في ذلك- غفر الله- له رسالته التي قال فيها: "من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم سيد الانام وتابعي الأئمة الأعلام.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: جرا علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كبر على العامة جدا، وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب أخر، التي لا تخفى على مثلكم أعظمها اتباع هوى العوام من أسباب أخر فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا
_________________
(١) سورة الصفات الآيات ١٧١-١٧٣.
(٢) تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام ١/٣١.
[ ٢٩١ ]
أشياء يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن عليه خبرا لا أستطيع أن أكذب" بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب على أناس متظاهرون١ بمذهبهم عند الخاص والعام لا يروّج، فنحن ولله الحمد٢ متبعون غير مبتدعين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل"٣.
كما قال أيضا ﵀ في جملة احتسابه على عبد الله بن سحيم:
" العجب من قولك أنا هادم قبور الصحابة، عبارة الإقناع في الجنائز يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول٤ والنبي ﷺ صح عنه أنه بعث عليا لهدم القبور٥ "٦.
بمثل هذه القوة والثبات والجرأة في الدفاع عن لحق، يستطيع المحتسب- بإذن الله تعالى- أن يتغلب على ما يعترض طريق احتسابه من معوقات شتى.
_________________
(١) لعل الصواب أن يقال متظاهرين.
(٢) الصواب ولله الحمد.
(٣) الرسائل الشخصية- الرسالة السادسة ص ٤٠، الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٤٣، وانظر الرسائل الشخصية – الرسالة السادسة والعشرون ص ١٧٦، وانظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٢/٥٢.
(٤) الرسائل الشخصية- الرسالة الحادية عشر ص ٧٥، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٦١.
(٥) راجع نص الحديث ص "٢١٢".
(٦) انظر الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ١/٢٣٣، وقد نسب الكلام لابن القيم في إغاثة اللهفان، راجع ص "٢٨٥"هـ"٤".
[ ٢٩٢ ]