وقد وضع شيخ الإسلام ﵀ النقاط على الحروف في العلاقة بمشايخ العلم والدين قائلا: " من أثبتهم وسائط بين الله تعالى وبين خلقه بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله تعالى حوائج خلقه، فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل"١ ا. هـ.
وقال ﵀: " والمرتد من أشرك بالله تعالى أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم"٢.
وهذا بعينه ما قرره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معرض احتسابه على نواقض لا إله إلا الله حيث قال ﵀: "فمن عبد الله ليلًا ونهارًا ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله، لأن الإله هو المدعو كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير٣ أو عبد القادر٤ أو غيرهم، وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد٥ وغيره، ومن ذبح لله ألف ضحية ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين كما قال تعالى:
_________________
(١) الواسطة بين الحق والخلق ص ٤٠، تحقيق وإعداد رياض مصطفى عبد الله – ن المكتبة التجارية- مكة المكرمة- مطابع دار الطباعة والنشر الإسلامية- القاهرة باختصار، انظر مجموع الفتاوى ١/١٦٢.
(٢) الفتاوى الكبرى ٤/٦٠٦ – ن دار المعرفة- بيروت ط/"١٣٩٧هـ-١٩٧٨م".
(٣) الزبير بن العوام ﵁.
(٤) أي عبد القادر الجيلاني وقد تقدمت ترجمته ص "٢٤٦" هـ-"٢".
(٥) زيد بن الخطاب ﵁.
[ ٢٤٩ ]
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١الآية، والنسك: هو الذبح وعلى هذا فقس، فمن اخلص العبادات لله ولم يشرك فيها غيره فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن جعل فيها مع الله غيره فهو المشرك الجاحد لقول لا إله إلا الله، وهذا الشرك الذي أذكره اليوم قد طبق مشارق الأرض ومغاربها إلا الغرباء المذكورون في الحديث٢ وقليل ما هم، وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم من كل المذاهب. فإذا أردت مصداق هذا فتأمل باب حكم المرتد في كل كتاب وفي كل مذهب، وتأمل ما ذكروه في الأمور التي تجعل المسلم مرتدا يحل دمه وماله منها:
من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم كيف حكى الإجماع في " الإقناع" على ردته"٣اهـ.
من هذا المنطلق حكم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالكفر على دعاة الشرك.
قال ﵀: " إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى بأضعاف، وليس في كلامي مجازفة بل هو الحق لأن عباد
_________________
(١) سورة الأنعام آية ١٦٢.
(٢) سبق ذكر الحديث وتخريجه في ص "١٨٠" هـ"٦" من هذا البحث.
(٣) الرسائل الشخصية الرسالة والرابعة والعشرون ص ١٦٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٧٥، وانظر الرسالة الحادية والعشرون ص ١٤٧، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٩٢، وانظر الرسالة التاسعة عشرة ص ١٢٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٢/٢٢، وانظر الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ٤/٢٩٧، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل١٠/٣٢٧ للمرداوي الحنبلي، صححه وحققه محمد حامد الفقي- ط/١"١جمادى الثانية ١٣٧٥هـ- يناير ١٩٥٦م" مطبعة السنة المحمدية- القاهرة، والفروع ٦/١٦٥ لمحمد بن مفلح- ن عالم الكتب- بيروت ط/٤"١٤٠٥هـ-١٩٨٥م".
[ ٢٥٠ ]
اللات والعزى يعبدونها في الرخاء ويخلصون لله في الشدة وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياهم في شدائد البر والبحر، فإن كان الله أوقع في قلبك هذه الأصول ولو كان أباك أو أخاك فاكتب لي وبشرني لأن هذا ليس مثل الخطأ في الفروع، بل ليس الجهل بهذا فضلا عن إنكاره مثل الزنا والسرقة بل والله ثم والله ثم والله إن الأمر أعظم، وإن وقع في قلبك إشكال فاضرع إلى الله مقلب القلوب أن يهديك لدينه ودين نبيه"١.
برهان ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
ومما جاء في قصة إسلام عكرمة بن أبي جهل٤ ﵁ أنه لما ذهب فارا من رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وركب البحر أصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم هاهنا شيئا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجيني في البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلا أجدنه إلا عفوا كريما، قال فجاء فأسلم٥ ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) الرسائل الشخصية- الرسالة الحادية عشرة ص ٧٥، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٦٠.
(٢) سورة الإسراء آية ٦٧.
(٣) سورة العنكبوت الآيتان ٦٥-٦٦.
(٤) هو: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أسلم عام الفتح قتل باجنادين "الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٤٩٦ ت: ٥٦٣٨ باختصار".
(٥) المرجع السابق – الموضع نفسه.
[ ٢٥١ ]
مما تقدم تبين شرك المتأخرين وشرك الأولين فروقا أربعة:
الأول: أن الأولين لا يشركون في توحيد الربوبية.
الثاني: ولا يشركون في الشدة.
الثالث: ويريدون الشفاعة والقربة.
الرابع: يطلبون من الله سبحانه بواستطهم.
بينما مشركي زماننا فقد أشركوا في صفات الربوبية، وفي الشدة، وطلبوا من معبوداتهم المطالب مباشرة١.
كل هذا مما يعلم الله ورسوله وأهل التوحيد الخالص أنه وما شاكله عين الشرك والكفر وعين المحادة لله ورسوله..فأي رزء للإسلام أشد من الكفر؟ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكاره هذا الشرك البين واجبا؟ ٢.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣.
فدلت الآية الكريمة على العاقبة الوخيمة لمن أشرك مع الله غيره.
على ضوء ما سبق احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على عبد الله ابن سحيم لما لبس على العوام في مسألة تكفير دعاة الشرك فقال ﵀:
_________________
(١) انظر درجات الصاعدين إلى مقامات الموحدين ص ٣٤-٣٥ للعلامة البكري، تحقيق وتخريج وتعليق أبي سعيد عمر بن غارمة العمروي- ن مكتبة المعلا- الكويت ط/١"١٤٠٧هـ".
(٢) انظر المنحة المحمدية في بيان العقائد السلفية ص ٢٠٤-٢٠٥ تأليف محمد بن أحمد بن خضر- ن دار الكتب العلمية- بيروت لبنان- ط/١"١٤٠٧هـ-١٩٨٧م"
(٣) سورة المائدة آية ٧٢.
[ ٢٥٢ ]
"..إنما كفرنا هؤلاء الطواغيت أهل الخرج١ وغيرهم بالأمور التي يفعلونها هم منها:
أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط.
ومنها: أنهم يدعون الناس إلى الكفر.
ومنها: أنهم يبغضون عند الناس دين محمد ﷺ ويزعمون أن أهل العارض كفروا لما قالوا لا يعبد إلا الله وغير ذلك من أنواع الكفر، وهذا أوضح من الشمس لا يحتاج إلى تقرير، ولكن أنت رجل جاهل مشرك مبغض لدين الله، وتلبس على الجهال الذين يكرهون دين الإسلام ويحبون الشرك ودين آبائهم"٢.
وقال ﵀ داحضا لشبهاته التي ضلل بها العوام: " وأما المسألة الثالثة: وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بذنب، وهذا حق ولكن ليس هذا ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى أو من سرق أو سفك الدم بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر.
وأما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، وانت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر، فإذا كنت تعتقد ذلك فما تقول في المنافقين الذين يصلون ويصومون ويجاهدون، قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ
_________________
(١) تقدم التعريف بها ص (٤٣) هـ (١) .
(٢) الرسائل الشخصية - الرسالة الرابعة والثلاثون ص ٢٣٢، والدرر السنية في الأجوبة النجدية٦٥/٨
[ ٢٥٣ ]
الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١، وما تقول في الخوارج الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أينما لقيتموهم فاقتلوهم" ٢، أتظنهم ليسوا من أهل القبلة؟ ما تقول في الذين اعتقدوا في علي ابن أبي طالب ﵁ مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره فأضرم لهم علي بن أبي طالب ﵁ نارا فأحرقهم بها، وأجمعت الصحابة على قتلهم لكن ابن عباس أنكر تحريقهم بالنار، وقال يقتلون بالسيف، أتظن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟ أم أنت تفهم الشرع وأصحاب رسول الله ﷺ لا يفهمونه لما قاتلوا من منع الزكاة فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون؟ وأنت وأبوك الذين يفهمون! يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا، وأنَّ من أم القبلة لا يكفر فما معنى هذه المسائل العظيمة الكثيرة التي ذكرها العلماء في باب حكم المرتد التي كثير منها في أناس أهل زهد وعبادة عظيمة.
ومنها طوائف ذكر العلماء أن من شك في كفرهم فهو كافر، ولو كان
_________________
(١) جزء من الآية ١٤٥ من سورة النساء.
(٢) جزء من حديث أبي سعيد ﵁ قال: بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علانة العامري، ثم أحد بني كلاب فغضبت قريش والانصار قالوا يعطى صناديد أهل نجد ويدعنا، قال إنما أتألفهم، فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين، كث اللحية، محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: من يطع الله إذا عصيت أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني، فسألأه رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد فمنعه، فلما ولى قال إن من ضئضئي هذا أو في عقب هذا قوم يقؤرون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون من أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"، أخرجه البخاري في صحيحه –ك: بدء الخلق ب: قول الله ﷿: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا ﴾ ٤/١٦٦، وك: التوحيد ب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ٩/١٥٥.
[ ٢٥٤ ]
الأمر على زعمك لبطل كلام العلماء في حكم المرتد إلا مسألة واحدة وهي الذي يصرح بتكذيب الرسول ﷺ وينتقل يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ونحوهم، وهذا هو الكفر عندك يا ويلك ما تصنع بقوله ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" ١، وكيف تقول هذا وأنت تقرأ أن من جعل الوسائط كفر؟ فإذا كان أهل العلم في زمانهم حكموا على كثير من أهل زمانهم بالكفر والشرك أتظن أنكم صلحتم بعدهم يا ويلك؟ "٢.
فإذا كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد أنكر الصور الشركية التي كانت شائعة في عصره بهذه القوة والشجاعة مع غربته في قومه فإن واقع الأمة الإسلامية اليوم في البلدان الأخرى القاصية والدانية، الذي انتكس فيه المسلمون فمارسوا العديد من الصور الشركية كالطواف حول الأضرحة ودعاء الأموات، والذبح لغير الله استجابة للسحرة، وغير ذلك، يتحتم على العلماء وطلبة العلم الذين كثر سوادهم في الأمة ولله الحمد، وأن يعطوا تلك الشركيات الأولية في الإنكار والتغيير.
_________________
(١) جزء من حديث، ولفظ "فئام" استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء صراط المستقيم ١/١٢٢، وبعد البحث عن الحديث في مظانه لم أعثر عليه إلا بلفظ: "قبائل" من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" أخرجه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح – أ: الفتن ب: ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون ح: ٢٣١٥—٣/٣٣٨، وأخرجه مطولا أبو داود في سننه –ك: الفتن ب: ذكر الفتن ودلائلها ح: ٤٢٥٢-٤/٤٥٠، وابن ماجة في سننه – ك: الفتن ب: ما يكون من الفتن ح: ٣٩٥٢،٢/١٣٠٤ وأحمد في مسنده " مسند الإمام أحمد ابن حنبل وبهامشه منتخب كنز العمال مسند البصريين من حديث ثوبان ﵁ ٥/٢٧٨،٢٨٤" ولحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٤٤ ح:٥٤٠٦ هـ "٤"، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٢٥٢ ح:١٦٨٣.
(٢) الرسائل الشخصية – الرسالة الرابعة والثلاثون ص٢٣٣، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٦٥.
[ ٢٥٥ ]