لم يقتصر احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على النواحي العقدية فحسب وإن كان جل اهتمامه منصبًا عليها لحاجة مجتمعه - إلى ذلك - إلاَّ أنَّ احتسابه ﵀ تعداها إلى نواحي العبادة التي تليها مباشرة في الأهمية.
وأبرز ما احتسب فيه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في العبادات أمره بإقامة بقية أركان الإسلام التي جمعها حديث ابن عمر ﵄، قال قال رسول الله ﷺ: "بُني الإسلام على خمسٍ شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان" ١.
ومن الأمور المهمة التي قام بها الإمام في العُيينة إلزام الناس بالصلاة ومعاقبة من لا يؤدونها جماعة في المسجد٢.
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
[ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله] ٣.
وقال أيضًا ﵀:
[وندعو الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه- ك: الإيمان- ب: دعاؤكم إيمانكم ١/٩. ٢ انظر تاريخ المملكة العربية السعودية ص٧١ للدكتور عبد الله العثيمين- ن جامعة الملك سعود- ط/١ (١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م) . ٣ الرسائل الشخصية- الرسالة الخامسة ص ٣٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٥٤.
[ ٣٤٩ ]
كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١ ٢.
كما أمر ﵀ أن يصلي بالناس الصلاة إمام واحد، حيث كانت العادة أن يصلي بالجماعة الحاضرة أحد الأئمة من المذاهب الأربعة ثم يعقبه غيره، فأمر بإبطال هذه العادة القبيحة التي فرقت المسلمين، وأن لا يصلي بالجماعة إلاَّ إمام واحد فصار يصلي الصبح إمام الشافعية والظهر إمام المالكية.. وهكذا بقية الأوقات٣.
ومن أبرز المسائل التي احتسب فيها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المتعلقة بالصلاة بدعة التذكير.
والتذكير هو: التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك٤، ومنه قراءة سور من القرآن قبل الفجر بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم ويختلط على المتهجدين قراءتهم٥، ومنه قولهم قبل الفجر على المنابر: يا رب عفوًا بجاه المصطفى كرمًا٦.
حكمه: بدعة منكرة في الدين٧.
_________________
(١) ١ سورة الحج آية ٤١. ٢ الرسائل الشخصية- الرسالة السابعة عشرة ص ١١٤، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٥٩. ٣ انظر إقليم الحجاز وعوامل نهضته الحديثة ص ٢٢١. ٤ الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ١/٨٠. ٥ تلبيس إبليس ص١٣٧ (ذكر تلبيسه عليهم في الأذان) بتصرف. ٦ السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات ص٥٤ ولا يخفى ما في هذه العبارة من شرك ظاهر التوسل بجاه النبي ﷺ. ٧ انظر الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ١/٨٠، وتلبيس إبليس ص١٣٧، والسنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات ص ٥٤.
[ ٣٥٠ ]
ويذكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنَّه سُئل عن التذكير فقال: [إنَّه بدعة، فذكر١ أنَّ عندنا من لا يعرف الجمعة إلاَّ به، وذكرت له أنَّ الرسول ﷺ أعلم منّا بمصالح أمته، وهو سنَّ الأذان ونهى عن الزيادة، فلمّا فتح الله لكم بابًا في اتباع نبيكم ﷺ فلا تتثقلوا٢ من قطع العادات في طاعة الله ورسوله] ٣ ا. هـ.
وقال ﵀ محتسبًا على من يرى هذه البدعة:
[من العجب كفكم عن نفع المسلمين في المسائل الصحيحة وتقولون لا يتعين علينا الفتيا، ثم تبالغون في مثل هذه الأمور مثل التذكير الذي صرحت الأدلة والإجماع وكلام الإقناع بإنكاره] ٤ ا. هـ.
وقد اشتد ﵀ في نكيره على سليمان بن سحيم بشأنها فقال ﵀:
[.. أما مسألة التذكير فكلامك فيها من أعجب العجاب، أنت تقول بدعة حسنة، والنبي ﷺ يقول: "كل بدعة ضلالة ركل ضلالة في النار"٥، ولم يستثن شيئًا تشير علينا به فنصدقك أنت وأبوك لأنَّكم علماء ونكذب رسول الله، والعجب من نقلك الإجماع فتجمع مع الجهالة المركبة الكذب الصريح والبهتان فإذا كان في (الإقناع) ٦ في باب الأذان قد ذكر كراهيته في مواضع متعددة أتظن أنَّك أعلم من صاحب (الإقناع) أم تظنه مخالفًا
_________________
(١) ١ أي السائل. ٢ لعل الصواب: تستثقلوا، وهكذا وردت في تاريخ نجد بتحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد ٢/٤٧٢. ٣ مؤلفات الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب- القسم الثالث الفتاوى والمسائل ص٨٦. ٤ الرسائل الشخصية- الرسالة التاسعة والأربعون ٣١٤. ٥ سبق تخريجه ص (٢٢٠) هـ (١) . ٦ سبقت الإشارة إليه راجع ص (٣٥٠) هـ (٧) .
[ ٣٥١ ]
للاجتماع١ وأيضًا لما جاءك -يعضهم- أقررت لهم أن التذكير بدعة مكروهة فمتى هذا العلم جاءك؟،٢ ا. هـ
ويبلغ احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في الصلاة والزكاة إلى حد قتال تاركهما.
قال ﵀:
[ونقاتل على ترك الصلاة وعلى منع الزكاة كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁] ٣.
وذلك لعموم حديت ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" ٤.
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلاَّ الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة؟ حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم
_________________
(١) ١ يقصد الإجماع، والله أعلم. ٢ راجع ص (٢١٩) من هذا البحث. ٣ الرسائل الشخصية- الرسالة الرابعة عشرة ص ٩٨، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٦٤. ٤ أخرجه البخاري في صحيحه- ك: الإيمان- ب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، ١/١٢.
[ ٣٥٢ ]
على منعه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيت الله ﷿ قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنَّه الحق"١.
وحديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنَّ بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة" ٢.
وقد اتفق العلماء على تكفير تارك الصلاة جحودًا٣.
أما تاركها تهاونًا وكسلًا ففي تكفيره خلاف بين أهل العلم٤.
وخروجًا من هذا الخلاف فإنَّ الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ توقف في مسألة التكفير هذه حيث أجاب لما سُئل عما يُقاتل عليه، وعمّا يكفر الرجل به قائلًا:
"أركان الإسلام الخمسة أولها الشهادتان ثم الأركان الأربعة إذا أقر بها وتركها تهاونًا فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نُكفِّره بتركها والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود ولا نكفر إلاَّ ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان] ٥ ا. هـ.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٥١ ك: الإيمان ب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله ح: ٣٢. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٨٨ ك: الإيمان ب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ح:١٣٤. ٣ انظر مجموع الفتاوى ٢٨/٥٥٦، والمغني ٣/٣٥١، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ١/٤٠١. ٤ انظر كتاب الصلاة وحكم تاركها ص٣٣ للإمام ابن قيم الجوزية بتحقيق تيسير زعير- ن المكتب الإسلامي- دمشق- بيروت- ط/١ (١٤٠١ هـ- ١٩٨١م)، والإنصاف في معرفة الراجح عن الخلاف على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل ١/٤٠٥، والمغني ٢/٣٥٧. ٥ مؤلفات الشيخ الإمام عمد بن عبد الوهاب- القسم الثالث- الفتاوى والرسائل ص٩، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٦٥.
[ ٣٥٣ ]
وقال ﵀: [ولا أُكفِّر أحدًا من المسلمين بذنب ولا أُخرجه من دائرة الإسلام] ١ ا. هـ.
وقيَّد ﵀ تكفير تارك الصلاة بالجحود لها حيث قال: [من صدَّق رسول الله ﷺ في كل شيء وجحد وجوب الصلاة فهو كافر حلال الدم والمال بالإجماع] ٢ ا. هـ.
وهو ما أجمع عليه أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أما تارك الصلاة فهذا إن لم يكن معتقدًا لوجوبها فهو كافر بالنص والإجماع) ٣ ا. هـ.
ويقارن ﵀ بين الجاحد والمتهاون قائلًا: (من كان مُصرًِّا على تركها لا يُصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد) ٤ ا. هـ. والله تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ الرسائل الشخصية- الرسالة الأولى ص ١١. ٢ كشف الشبهات ص ٣٨. ٣ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٠. ٤ المرجع السابق ٢٢/٤٩.
[ ٣٥٤ ]