هذا الشرط هو حجر الأساس الذي وضعه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في بناء الحسبة النظرية.
قال ﵀ في رسالته إلى أحمد بن محمد بن سويلم وثنيان بن مسعود الآنف ذكرها:
"فعلى كل حال نبهوهم على مسألتين: الأولى:
عدم العجلة، ولا يتكلمون إلا مع التحقق فإن التزوير كثير.
الثانية: أن النبي ﷺ كان يعرف المنافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم ما يوجب جهادهم جاهدهم"١.
الشاهد: قوله: ظهر منهم".
قال الجوهري٢: ظهر الشيء بالفتح ظهورا: تبين ز الظاهر خلاف الباطن٣ - ويراد بالظهور هنا الانكشاف إما بالرؤية أو السماع أو النقل الموثوق الذي يقوم مقامها فإن ظهر له شيء بأحد هذه الطرق فله الاحتساب في هذه الحال٤.
_________________
(١) راجع ص ١٦٧ من هذا البحث.
(٢) -هو إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر أول من حاول الطيران ومات في سبيله، لغوي، أشهر كتبه الصحاح مات سنة "١٣٩٣هـ-١٠٠٣م" " الأعلام ١/٣١٣ باختصار".
(٣) تاج اللغة الصحاح العربية ٢/٧٣١-٧٣٣ مادة: "ظهر".
(٤) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه ص ٢٩٨.
[ ١٨٢ ]
فإذا استبان المنكر وظهر للعيان يكون على المحتسب الإنكار، أما ما توارى عن الأنظار فلا إنكار فيه كما صرح بذلك أهل العلم.
قال الماوردي١ ﵀: " إن عليه- أي المحتسب- أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته"٢.ا. هـ.
برهان ذلك قوله ﷺ: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٣.
وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد ﵁: فلينكره بيده ومن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه" ٤.
وحديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ما نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ٥.
وقوله ﷺ: " من رأى منكم منكرا"، يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية، فلو كان مستورا فلم يره، ولكن علم به، فالمنصوص عن أحمد في أكثر
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص "٧" هـ "٦".
(٢) الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص ٢٩٩ للماوردي.
(٣) سبق تخريجه ص"٩"هـ "٣".
(٤) سنن الترمذي أ: الفتن ب: ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب ٣/٣١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي باختصار السند ٢/٢٣٣ ح:١٧٦٤.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ك: الإيمان – ب: كون النهي عن المنكر من الإيمان ح:٨٠-١/٦٩.
[ ١٨٣ ]
الروايات أنه لا يعرض له، وأنه لا يفتش على ما استراب به. وعنه في رواية أخرى أنه يكشف المغطى إذا تحققه١.
قال القاضي أبو يعلى٢ ﵀: "وكان- أي الإمام أحمد بن حنبل- يذهب إلى أنه لا يجوز كشف منكر قد استسر به، كما لا يجوز ترك إنكاره مع المظاهرة والمجاهرة به، ويأمر أن يظن بالمسلمين خيرا. كان يقول: إن التواري بالمنكر لا يمنع إنكاره إذا ظهرت رائحة أو صوت"٣.
روى الخلال عن منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد النسائي حدثهم قال: " سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يمر بالقوم يغنون. قال: إذا ظهر له وهم داخل، قلت: لكن الصوت يسمع في الطريق قال: هذا قد ظهر، عليه أن ينهاهم، ورأى أن ينكر الطبل، يعني إذا سمع حسه"٤أهـ.
وروى أيضا عن عبد الكريم بن الهيثم العاقولي قال: " سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يسمع حس الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه، فقال: وما عليك؟ وقال: ما غاب فلا تفتش"٥. اهـ.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم ٢/٢٦٩، وانظر لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ٢/٤٣٣ تألأيف العلامة الشيخ محمد السفارييني الحنبلي –ن المكتب الإسلامي- يروت- دار الخاني- الرياض- ط/٣"١٤١١هـ-١٩٩١م".
(٢) هو: محمد بن الحسين بن خلف بن أحمد الفراء أبو يعلى، ولد لتسع وعشرين أو ثمان وعشرين ليلة خلت من المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة، كان عالم زمانه، وكان أصحاب الإمام أحمد ﵀ له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون والفقهاء على اختلاف مناهجهم كانوا عنده يجتمعون، توفي ليلة الاثنين، بين العشاءين تاسعة عشر رمضان سنة ثمان وخمسين أو أربعامئة " طبقات الحتابلة ٢/١٩٣-٢٣٠ باختصار".
(٣) المرجع السابق ٢/٢٨٠.
(٤) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٦١ للخلال.
(٥) المرجع السابق ص ٦٠.
[ ١٨٤ ]
فالمظهر للمنكر استحق الإنكار علانية من الناس١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه علانية، ولم يبق له غيبة، ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره، فلا يسلم عليه، ولا يرد ﵇، إذا كان الفاعل لذلك متمكنا من ذلك من غير مفسدة راجحة"٢.ا-هـ.
وقال القاضي أبو يعلى ﵀:
" فأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها٣ ولا يهتك الأستار حذرا من الاستسرار بها"٤.ا. هـ.
وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره الأئمة مثل سفيان الثوري٥ ﵀ وغيره، وهو داخل في التجسس المنهي عنه٦، ولا يحب على العالم ولا على العامي أن يكشف منكرا قد ستر، بل محظور عليه كشفه٧ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ ٨ ولحديث أبي برزة
_________________
(١) انظر الهجر في الكتاب والسنة أو إضاءة الشموع في بيان الهجر الممنوع والمشروع ص ١٨٧: مشهور حسن محمود سلمان –ن دار ابن القيم –الدمام ط/١"١٤٠٩هـ-١٩٨٩م".
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/٢١٧.
(٣) الصواب أن يقول: عليها.
(٤) الأحكام السلطانية ص ٢٩٥ للقاضي أبي يعلى الفراء.
(٥) راجع ص ١٤٤ من هذا البحث.
(٦) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم ٢/٢٦٩.
(٧) كتاب المعتمد في أصول الدين ص ١٩٦.
(٨) جزء من الآية ١٢ من سورة الحجرات.
[ ١٨٥ ]
الأسلمي١ ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوارتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته" ٢.
فكل من الآية والحديث أصل في تحريم التجسس واتباع عورات المسلمين والله أعلم.
فإن للبيوت حرمة فلا يجوز دخولها من غير إذن أصحابها٣.
لذلك لا ينبغي للآمر بالمعروف البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون بل إن عثر على منكر غيره جهده، هذا كلام إمام الحرمين٤، فكما أن الحكم على الناس بالكفر أو بالإسلام أو بالفسوق والعدالة أو غيرها إنما يكون على الظهار من أعمالهم٥ دون السرائر منها، فإن الاحتساب كذلك لا يتأتى إلا على ما ظهر من أعمالهم، "إلا أن يصله علم ممن يثق به باقتراف منكر يخشى من عدم تداركه شر عظيم"٦ ففي هذه الحالة عليه أن يقارن بين حرمة المستترين وحرمة ذلك المنهي عنه ثم يسلك أخف الطريقين في ذلك دفعا
_________________
(١) هو: نضلة بن عبيدة أبو برزة الأسلمي الصحابي، بقي إلى سنة "٦٤هـ". " الكاشف فغي معرفة من له رواية في الكتب الستة ٢/٣٢٢ ت:٥٨٤٣ مختصرا".
(٢) أخرجه أبو داود في سننه- ك: الأدب – ب: في الغيبة ح: ٤٨٨٠-٥/١٩٥، وقال الألباني: حسن صحيح " صحيح سنن أبي داود ٣/٩٢٣ ح:٤٠٨٣".
(٣) انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وواقع المسلمين اليوم ص ١٠٩: صالح بن عبد الله الدويش – ن دار الوطن – الرياض- ط/١"ربيع الثاني ١٤١٢".
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٢٦، الحاشية بتصرف يسير.
(٥) انظر حركة التجديد والإصلاح فينجد في العصر الحديث ص ٧٩ تأليف الدكتور عبد الله بن محمد العجلان – لبنان- ط/١"١٤٠٩هـ-١٩٨٩م" – الرياض.
(٦) موسوعة الحضارة العربية الإسلامية بحث " الفقه الإسلامي- القضاء والحسبة" ٢/٢٨٠ د. علي عبد القادر- ن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت ط/الأولى ١٩٨٦م.
[ ١٨٦ ]
للمفسد وتحقيقا للمصلحة١ مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات مالا يستدرك من انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات٢.
ولقد أجمل الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذه القاعدة الجوهرية في سياق احتسابه على مطاوعة أهل الدرعية المتقدم حيث قال ﵀:
"ومتى لم تتبين٣ لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبيين لكم خطؤه بل الواجب السكوت والتوقف"٤ا. هـ.
وعليه فمراد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: متى لم يظهر المنكر لم يحل الإنكار، وذلك تقريرا منه لما تقدم من أقوال أهل العلم.
_________________
(١) انظر الحسبة في الماضي والحاضر بين ثبات الهداف وتطور الأسلوب ١/٢٥٠ تأليف الدكتور علي بن حسن بن علي القرني –ن مكتبة الرشد – الرياض ط/١-١٤١٥هـ-١٩٤٤م.
(٢) الأحكام السلطانية ص ٢٩٦ للقاضي أبي بعلى الفراء، وانظر في آداب الحسبة ص ٢٤تأليف الفقه أبي عبد الله محمد بن أبي محمد السقطي المالقي الأندلسي- ن دارالفكر الحديث – بيروت- لبنان – ط/"١٤٠٧هـ-١٩٨٧م"
(٣) التبين في اللغة: الظهور، وتبين الشيء: أي ظهر " انظر لسان العرب المحيط ١/٤٠٦ مادة: بين".
(٤) راجع ص "١٤٣" من هذا البحث.
[ ١٨٧ ]