ليكون ذلك كفارة لها كما ورد في حديث عبادة بن الصامت ﵁ وكان شهد بدرًا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابةٌ من أصحابه: "بايعوني على ألاَّ تُشركوا بالله شيئًا ولا تَسرِقوا ولا تَزنُوا ولا تقتلوا أولادَكم ولا تأتُوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجُلِكم ولا تَعصوا في معروف فمن وَفَى منكم فأجرُهُ على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقِبَ في الدنيا فهو كفارةٌ له ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستَرَهُ الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنهُ وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك" ١.
ولما رجمت الزانية سرى خبرها سير البرق في البوادي والحضر، فوقع على القلوب وقع الصاعقة٢.
وتناقل الناس هذا الخبر الغريب عليهم وارتدع العديد منهم عن غوايتهم خوفًا من العقوبة٣.
قال ابن بشر ﵀: (فعظم أمره بعد ذلك وكبرت دولته وفشا التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ٤.
وزادت هيبة الشيخ الإمام في النفوس كما أوقدت نار الحسد في قلوب الخصوم، وازدادت مخاوف الرؤساء والأمراء من أن تمتد سلطته إلى بلادهم فيغزو عقول رعاياهم وقلوبهم فيتبعونه فأخذوا ينصبون له ولأتباعه الشباك فيء طي الخفاء بغية إيقاعهم فيها! ٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه- ك: الإيمان- ب:١١ (ولم يسمه البخاري)، ١/١١. ٢ انظر تاريخ نجد وملحقاته ص ٣٩. ٣ انظر إقليم الحجاز وعوامل نهضته الحديثة ص ١٧٩. ٤ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/١٠. ٥ انظر صقر الجزيرة ص ٣٢.
[ ٢٨٦ ]
ومن أبرزهم أمير الأحساء الذي كان استنكاره لرجم الزانية سببًا في انتقالة كبيرة في حياة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ غيّرت مجرى التاريخ، يحدثنا عنها وعن كيده للإمام ﵀ بسببها المؤرخ ابن بشر فيقول: (فلمّا صدرت منه هذه، أعني رجم المرأة. اشتهر أمره في الأفاق. فبلغ خبره سليمان بن محمد بن غرير الحميدي١ قائد الأحساء والقطيف وما حوله من العربان وقيل له: إنَّ في بلد العيينة عالمًا فعل كذا وكذا وقال كذا وكذا.
فأرسل سليمان إلى عثمان كتابًا وقال: إنَّ هذا المطوع الذي عندك فعل وفعل. وتهدد عثمان، وقال اقتله فإن لم تفعل قطعنا خراجك٢ الذي عندنا في الإحساء، وخراجه عندهم كثير، قيل لي أنَّه اثنا عشر مائة أحمر٣ وما يتبعها من طعام وكسوة، فلمّا ورد عليه كتابه ما وسعه مخالفته واستظم٤ أمره في صدره لأنَّه لم يعلم قدر التوحيد ولا ما لمن٥ نصره وقام به من العز والتمكين في الدنيا ودخول الجنّة في الآخرة٦ فأرسل إلى الشيخ. وقال له: إِنَّه أتانا خط من سليمان قائد الأحساء وليس لنا طاقة بحربه ولا إغضابه. فقال له الشيخ:
_________________
(١) ١ هو: الأمير سليمان بن محمد بن براك بن غرير، تَقلد إمارة الأحساء ورئاسة بني خالد سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين هجرية (١٧٣٠م)، ثم بنى مسجده المعروف باسمه شرقي سوق التمر ببلد المبرّز، وامتد سلطانه على الأحساء وبواديها، وعلى نجد وبواديها، توفي في بلد الخرج من أرض نجد سنة ست وستين ومائة وألف (انظر تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد ص١٢٤، وتاريخ هجر دراسة شاملة في أحوال الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية- الأحساء- البحرين- الكويت وقطر ٢/٦٦٨ تأليف عبد الرحمن بن عثمان آل مُلا- ن مكتبة التعاون الثقافي- الأحساء- الهفوف- ط/١ (١٤١٠هـ- ١٩٩٠م) . ٢ سبق التعريف به في ص (٤٣) هـ (٢) . ٣ تقدم التعريف به ص (٣٤٣) هـ (٢) . ٤ الصواب: استعظم. ٥ لعل الصواب أن يقول: ولا ما وعد الله به من نصره ٦ برحمة الله.
[ ٢٨٧ ]
إنَّ هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلاَّ الله وأركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن الله سبحانه يظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإنّي أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده وما وراءها وما دونها، فاستحيا عثمان وأعرض عنه) ١.
وهكذا بذل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب كل جهوده في سبيل إقناعه ولكن إذا سيطر على القلوب خوف زوال الدنيا فلا تؤثر حينذاك أي موعظة أو نصيحة٢.
ويقول ابن بشر: (ثم تعاظم في صدره أمر صاحب الإحساء وباع الآجل بالعاجل. وذلك لمَّا علم الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير إنَّ نصر هذا الدين والظهور والغلبة والتمكين يكون لغيره وعلى يد غيره. فأرسل إلى الشيخ ثانيًا) ٣.
ويضيف ابن غنام فيقول: (فآثر عثمان الدنيا على الدين، وأمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخروج من العيينة٤ فخرج الشيخ سنة سبع أو ثمان وخمسين
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/١٠. ٢ انظر الشيخ محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه ص٤٠. ٣ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/١٠. ٤ ذكر ابن بشر في سياق حديثه عن خروج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من العيينة قصة مفادها أنَّ عثمان بن معمر وكَّل بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وقت خروجه مولى من مواليه ليقتله في الطريق إلاَّ أنَّ الله قذف في قلبه الرعب فلم يقتله. (انظر عنوان المجد في تاريخ نجد ١/١١) وقد ذكر عبد الله بن خميس أنَّ ابن بشر عاد وأوضح في مبيضَّة كتابه وفي مخطوطته الخاصة الموجودة في المتحف البريطاني في لندن، أنَّ هذا الخبر لا صحة له وأنَّه اعتذر عمّا وضعه في المسودة، إلاَّ أنَّ من قام بطباعة الكتاب لم ينتبه إلى هذه الحقيقة فتناقل الناس هذا الخطأ. (انظر معجم اليمامة ٢/٢٠٥) .
[ ٢٨٨ ]
ومائة وألف من العيينة إلى بلدة الدرعية١ ٢.
ويستأنف ابن بشر عرضه لقصة خروج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب من العيينة إلى الدرعية فيقول:
(فوصل أعلاها٣ وقت العصر فقصد إلى بيت محمد بن سويلم العريني. فلما دخل عليه ضاقت عليه داره، وخاف على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وأسكن جأشه، وقال سيجعل الله لنا ولك فرجًا ومخرجًا. فعلم به خصائص من أهل الدرعية فزاروه خفية، فقر لهم التوحيد واستقر في قلوبهم، فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود ويشيروا عليه بنصرته فهابوه، فأتوا إلى زوجته موضي بنت٤ وكانت ذات عقل ومعرفة، فأخبروها بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلبها معرفة التوحيد وقذف الله في قلبها محبة الشيخ، فلما دخل عليها زوجها محمد أخبرته بمكانه، وقالت إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك فأكرمه وعظمه واغتنم نصرته، فقبل قولها، وألقى الله سبحانه في قلبه للشيخ المحبة، فأراد أن يرسل إليه، فقالوا سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به. لعل الناس أن يكرموه ويعظموه، فسار إليه محمد، فدخل عليه في بيت ابن سويلم ورحب به وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة: (لا إله إلاَّ الله) من تمسك بها وعمل بها
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بها ص (٧١) هـ (٥) . ٢ تاريخ نجد ص ٨٦ بتحقيق ناصر الدين الأسد. ٣ الضمير يعود على الدرعية. ٤ في عنوان المجد في تاريخ نجد لم يذكر اسم أبيها، وهي في تذكرة أولي النهى والعرفان: (موضي بنت أبي وهطان) ١/٣٠.
[ ٢٨٩ ]
ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهى كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم) ١.
وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/١١- ١٢، وانظر تذكرة أولي النهى والعرفان ١/٣٠- ٣١. ٢ سورة النور آية ٥٥.
[ ٢٩٠ ]