لم يقتصر احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على العقيدة والعبادة، إنَّما تعداهما إلى المعاملات مما يعطي تصورًا واضحًا عن شمولية حسبته ﵀.
ومن أبرز المعاملات التي احتسب فيها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب الوقف على الأولاد الذكور دون الإناث، وبعض الأولاد دون بعض.
والوقف في اللغة: من الوقوف، وهو خلاف الجلوس ووقَفَ الأرض على المساكين وقفًا: حبسها١.
وفي اصطلاح الفقهاء: هو تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته بصرف ريعه إلى جهة بر تقربًا إلى الله تعالى٢ ا. هـ.
حكمه:
أما عن حكمه فهو قربة مندوب إليها٣.
وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف٤.
_________________
(١) ١ لسان العرب ٦/٤٨٩٨ مادة: [وقف] عصرًا. ٢ الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حبل ٣/٢، وانظر الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ٧/٣. ٣ المجموع شرح المهذب- التكملة الثانية ١٤/٥٧٢. ٤ المغني ٨/١٨٥، وانظر المجموع شرح المهذب- التكملة الثانية ١٤/٥٧٥.
[ ٣٥٥ ]
ودليله من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاّ من ثلاثة: إلاّ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ١.
قال النووي: (والصدقة الجارية هي الوقف) ٢ ا. هـ.
ولحديث ابن عمر ﵄: "أنَّ عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال يا رسول الله: إنّي أصبت أرضًا بخيبر، ولم أُصبِ مالًا قط أنفس عندي منه فما تأمر به، قال: إن شئت حَبست أصلها وتَصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر أنَّه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدَّق بها في الفقراء وفي القربى وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويُطعم غير متمولٍ، قال فحدثت به ابن سيرين، فقال غير متأثَّل٣ مالًا" ٤.
وشرطه أن يكون الواقف جائز التصرف وهو الحر البالغ الرشيد٥.
أما عن حكم الوقف على الأولاد عند الإمام أحمد بن حنبل ففيه روايتان:
إحداهما: لا يصح، فإنَّه قال في رواية أبي طالب، وقد سئل عن هذا، فقال: لا أعرف الوقف إلاَّ ما أخرجه لله، وفي سبيل الله
وثانيتهما: نقل جماعة أنَّ الوقف صحيح، اختاره ابن أبي موسى، قال ابن
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحة- ك: الوصية- ب ما يلحق الإنسان من ثواب بعد وفاته ح: ١٤- ٣/١٢٥٥. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ١١/٨٥، الحاشية بتصرف يسير. ٣ وغير متأثِّل: أي غير جامع، (النهاية في غريب الحديث والأثر ١/٢٣ مادة: [أثل] . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه- ك: شروط- ب: الشروط في الوقف ٣/٢٥٩. ٥ حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع ٥/٥٣١ وهـ (٥) بالموضع نفسه.
[ ٣٥٦ ]
عقيل: وهي أصح والأول أقيس١.
ولما سئل الإمام أحمد بن حنبل: إن وقف على نفسه شيئًا ثم على ولده من بعده فهو جائز؟ قال: نعم هو جائز٢.
ووجهه: (إن وقف على ولده أو أولاده أو ولد غيره ثم على المساكين فهو لولده الذكور والإناث والخناثي بينهم بالتسوية، للذكر مثل حظ الأنثى) ٣.
لأنَّ اللفظ يشملهم٤.
وإن حدث للواقف ولد بعد وقفه استحق كالموجودين ويدخل ولد بنيه وجدوا حالة الوقف أو لا، ولا يدخل ولد البنات٥ لأنَّهم من رجل آخر٦.
ويقيد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ جواز الوقف على الأولاد بشرط الحاجة مستدلًا على ذلك قائلًا:
[الوقف على المحتاج من ذريته، فهو صحيح ذكره البخاري عن ابن عمر أنَّه وقف نصيبه من دار عمر على المحتاج من آل عبد الله] ٧.
وهو في الصحيح بنص: " وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سُكْنى لذوي الحاجة من آل عبد الله"٨
_________________
(١) ١ انظر المغني ٨/١٩٤. ٢ مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن هانئ النيسابوري ٢/٥١. ٣ انظر الإقناع في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ٣/٢٠، وانظر الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ٧/٧٤، وروضة الطالبين ٥/٣٣٤ للإمام النووي- ن المكتب الإسلامي. ٤ حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع ٥/٥٥٢. ٥ انظر الإقناع في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ٣/٢٠. ٦ المغني ٨/١٩٥. ٧ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- القسم الثالث الفتاوى والمسائل ص ٩٠. ٨ صحيح البخاري – ك: الوصايا – ب: إذا وقف أرضًا أو بئرًا ٤/١٥.
[ ٣٥٧ ]
أما الوقف على من يرث من الأولاد على إطلاقه بلا قيد ولا شرط من غير أن يكونوا محتاجين خاصة ما يُحتال به على حرمان البعض دون الآخر، أو - حرمان الأزواج والعصبة ونسل البنات مما شرعه الله لهم من حق الميراث فقد أنكره الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وسماه وقف الجَنَف والإثم وحكم عليه بأنَّه بدعة ملعونة.
قال ﵀ لما سئل عن وقف المرأة على ولدها وليس لها زوج :
[إنَّ الوقف على الورثة ليس من دين الرسول ﷺ، ولو شرعه لكان أصحابه أسرع الناس إليه سواء شرط على قسم الله أم لا، وهذا في الحقيقة يريد أمرين:
الأول: تحريم ما أحل الله لهم في بيعه وهبته والتصرف فيه.
الثاني: يحرم زوجات الذكور وأزواج الإناث١ فيشابه مشابهة جيدة ما ذكر الله عن المشركين في سورة الأنعام٢ ولكن كون الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر به كافٍ في فساده، صلحت نية صاحبه أم فسدت] ٣.
وقارن ﵀ بين ما يراه مشروعًا وغير مشروع من صور الوقف فقال:
[ إنَّ السلف اختلفوا في الوقف الذي يراد به وجه الله على غير من يرثه مثل الوقف على الأيتام، وصُوَّام رمضان، أو المساكين، أو أبناء
_________________
(١) ١ من الواقفين والواقفات. ٢ يقصد فوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ* وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ الأنعام الآيتان ١٣٨-١٣٩. ٣ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب – القسم الثلاث الفتاوى والمسائل ﷺ ٩٠.
[ ٣٥٨ ]
السيبل، فقال شريح١ القاضي: وأهل الكوفة٢ لا يصح ذلك الوقف حكاه عنهم الإمام أحمد.
وقال جمهور أهل العلم: هذا وقف صحيح واحتجوا بحجج صحيحة صريحة ترد قول أهل الكوفة، فهذه الحجج التي ذكرها أهل العلم يحتجون بها على علماء أهل الكوفة مثل قوله (صدقة جارية) ٣، ومثل وقف عمر أوقاف أهل المقدرة من الصحابة على جهات البر التي أمر الله بها ورسوله ليس فيها تغيير لحدود الله.
وأما مسألتنا فهي إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفرَّ من قسمة الله وتمرد عن دين الله مثل:
أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل، ولا تأكل منه إلاَّ حياة عينها٤.
أو يريد أن يزيد بعض أولاده على بعض فرارًا من وصية الله بالعدل.
أو يريد أن يحرم نسل البنات.
أو يريد أن يحرّم على ورثته بيع هذا العقار لئلا يفتقروا بعده، ويفتي له بعض المفتين أنَّ هذه البدعة الملعونة صدقة برّ تُقرب إلى الله، ويوقف على هذا الوجه قاصدًا وجه الله، فهذه مسألتنا فتأمل هذا بشراشر٥ قلبك، ثم تأمل ما
_________________
(١) ١ هو: شريح بن الحارث القاضي أبو أمية الكندي، وليَ الكوفة لعمر وبعده، سمع عمر وعليًا، وقيل: إنَّه تعلم من معاذ باليمن، توفي سنة (٧٨ هـ) وقيل سنة ثمانين. (الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب السنة ١/٤٨٣ ت:٢٢٦٥) . ٢ لعل الصواب أن يقول: وأهل الكوفة قالوا: لا يصح إلخ. ٣ جزء من حديث أبي هريرة المتقدم ص (٣٥٦) . ٤ المراد بحياة عينها: مدة حياتها، والله أعلم.. ٥ الشراشر: النفس والمحبة وألقى عليه شراشره أن يحبه حتى يستهلك في حبه وينهمك في الاستكثار منه والشراشر الأثقال (لسان العرب ٤/٢٢٣٣ مادة: [شرشر] باختصار) والمقصود: تأمل هذا الكلام بثقل قلبك ومن أعماقه، والله أعلم.
[ ٣٥٩ ]
نذكره من الأدلة فنقول: من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر تغيير شرع الله ودينه والتحيل على ذلك بالتقرب إليه، وذلك مثل أوقافنا هذه إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله من امرأة أو امرأة ابن أو نسل بنات أو غير ذلك، أو يعطي من حرمه الله، أو يزيد أحدًا عما فرض الله، أو ينقصه من ذلك، ويريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مُبْعِدًا عن الله] ١.
ويقول ﵀ محتسبًا على من يجيز هذا الأخير:
[وسر المسألة أنَّك تفهم أنَّ أهل الكوفة يبطلون الوقف على المساجد، وعلى الفقراء والقرابات الذين لا يرثونهم، فرد عليهم أهل العلم ومسألتنا هي إبطال هذا الوقف الذي يُغيِّر حدود الله، وإيتاء حكم الجاهلية وكل ظاهر هذا لا خفاء فيه، ولكن إذا كان الذي كتبه يفهم معناه وأراد به التلبيس على الجهال كما فعل غيره فالتلبيس يضمحل، وإن كان هذا قدر فهمه وأنَّه ما فهم هذا الذي تعرفه العوام فالخلف والخليفة على الله] ٢ ا. هـ.
ويفند الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في احتسابه هذا أقوال من يجيز وقف الجنف والإثم ويدحضها بحجج قوية على النحو التالي:
أولًا: [يقال لمُدَّعي الصحة إذا كنت تدعي أنَّ هذا مما يحبه الله ورسوله، وفعله أفضل من تركه وهو داخل فيما حضَّ عليه النبي ﷺ من الصدقة الجارية وغير ذلك، فمعلوم أنَّ الإنسان مجبول على حبه لولده وإيثاره على غيره حتى أصحاب رسول الله ﷺ قال الله تعالى -لهم- ٣: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ
_________________
(١) ١ الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية عشرة ص ٧٨، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٥٩. ٢ المرجع السابق ص ٨٣ باختصار يسير. ٣ زِيدَ الضمير ليكون هناك ارتباط في المعنى لتناسب سياق الكلام وليس لأنَّها خاصة بهم.
[ ٣٦٠ ]
فِتْنَةٌ﴾ ١ فإذا شرع الله لهم أن يوقفوا أموالهم على أولادهم ويزيدوا من شاءوا أو يحرموا النساء والعصبة ونسل البنات فلأي شيء لم يفعل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ، ولأي شيء لم يفعله التابعون، ولأي شيء لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم؟ أتراهم رغبوا عن الأعمال الصالحة ولم يحبوا أولادهم، وآثروا البعيد عليهم، وعلى العمل الصالح، ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عشر! أم تراهم خفي عليهم حكم هذه المسألة، ولم يعلموها حتى ظهر هؤلاء٢ فعلموها؟ سبحان الله ما أعظم شأنه وأعز سلطانه، فإن ادعى أحد أنَّ الصحابة فعلوا هذا الوقف فهذا عين الكذب والبهتان] ٣.
ثانيًا: [وأما حديث عمر أنَّه تصدق بالأرض على الفقراء والرقاب والضيف وذوي القربى وأبناء السبيل٤ فهذا بعينه من أبين الأدلة على مسألتنا، وذلك أنَّ من احتج على الوقف على الأولاد ليس له حجة إلاَّ هذا الحديث لأنّ عمر ﵁ قال: لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف، وأنَّ حفصة ﵂ وليته ثم وليه عبد الله بن عمر فاحتجوا بأكل حفصة وأخيها دون بقية الورثة، وهذه الحجة من أبطل الحجج، وقد بينه الشيخ الموفق ﵀، والشارح، وذكروا أنَّ أكل الولي ليس زيادة على غيره وإنَّما ذلك أجرة عمله٥ كما كان في زماننا هذا
_________________
(١) ١ جزء من الآية ١٥ من سورة التغابن. ٢ المبيحون له من أهل زمانه. ٣ الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية عشرة ص ٧٩، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦٠. ٤ تقدم ذكر الحديث ص (٣٥٦) . ٥ قال موفق الدين ابن قدامة: (وأما خبر عمر، فإنَّه لم يخص بجض الورثة بوقفه، والنزاع إنَّما هو في تخصيص بعضهم. وأما جعل الولاية لحفصة، فليس ذلك وقفًا عليها، فلا يكون ذلك واردًا في محل النَّزاع، وكونه انتفاعًا بالعَلّة، لا يقتضي جواز التخصيص) المغني ٨/٢١٨.
[ ٣٦١ ]
يقول صاحب الضحية لوليها الجلد والأكارع] .
ثالثًا: [من وقف من الصحابة مثل عمر وغيره لم يوقفوا على ورثتهم، ولو كان خيرًا لبادروا إليه فإذا كان وقف عمر على أولاده أفضل من الفقراء، أبناء السبيل فما باله لم يوقف عليهم؟ أتظنّه اختار المفضول على الفاضل؟ أم تظن أنَّه هو ورسول الله ﷺ الذي أمره لم يفهما حكم الله؟] ١.
رابعًا: [قولهم تصدق أبو بكر بداره على ولده وتصدق فلان وفلان، وأنَّ الزبير خص بعض بناته، ليس معناه كما فهموا، وإنما معناه أنهم تصدقوا بما ذكر صدقة عامّة على المحتاجين، فكان أولاده إذا قدموا البلد نزلوا تلك الدار لأنَّهم من أبناء السبيل، كما يوقف الإنسان مسقاة ويتوضأ منها، وينتفع بها هو وأولاده مع الناس، وكما يوقف مسجدًا ويصلى فيه، وعبارة البخاري في صحيحه٢: وتصدق انس بدار فكان إذا قدم نزلها، وتصدق الزبير بدوره، واشترط للمردودة من بناته أن تسكنها، فتأمل عبارة البخاري يتبين لك أن ما ذكر عن الصحابة مثل من وقف نخلًا على المفطرين من الفقراء في هذا المسجد ويقول: إن افتقر أحد من ذريتي فليفطر معهم فأين هذا من وقف الجنف والإثم؟ على أنَّ هذه العبارة كلام٣ الحميدي٤، والحميدي في زمن القاضي
_________________
(١) ١ الرسائل الشخصية ص ٨٠، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦٠. ٢ قال البخاري ﵀: باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا وأشترط لنفسه مثل ولاء المسلمين، وأوقف أنس دارًا، فكان إذا قدمها نزلها، وتصدق الزبير بدوره وقال للمردودة من بناته أن تسكُن غير مُضِّرة ولا مُضَّر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق، وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله ، صحيح البخاري ك: الوصايا ٤/١٥. ٣ الصواب أن يقول: من كلام الحميدي. ٤ هو: عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي، القرشي المكي الفقيه، أحد الأعلام، وصاحب ابن عيينة، قال الفَسَويُّ: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه، مات سنة (٢١٩هـ) . (الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ١/٥٥٢ ت: ٢٧٢١ باختصار) .
[ ٣٦٢ ]
أبي يعلى، وأجع أهل العلم على أنَّ مراسيل المتأخرين لا يجوز الاحتجاج بها، فمن احتج بها فقد خالف الإجماع، هذا لو فرضنا أنَّه يدل على ذلك، فكيف وقد بينا معناه ولله الحمد؟] ١.
خامسًا: وهنا يبسط الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الأدلة على رد هذا النوع من الوقف فيقول:
[إذًا قلنا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢- ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ٣ وغير ذلك، أو قلنا: "إنَّ الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" ٤، أو قلنا إن النبي ﷺ غلظ القول فيمن٥ تصدق بماله كله٦ أو
_________________
(١) ١ الرسائل الشخصية ص٨٠، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦١. ٢ جزء من الآية ١١ من سورة النساء. ٣ جزء من الآية ١٢ من سورة النساء. ٤ وهو قول الرسول ﷺ: "إنَّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" أخرجه عن أبي أمامة الباهي ﵁ ابن ماجه- ك: الوصايا ب: لا وصية لوارث ح: ٢١٨٧- ٢/٩٠٥ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/١١٢ ح: ٢١٩٣، وأخرجه أبو داود بلفظ: " ولا وصية " في سننه- ك: الوصايا- ب: في الوصية للوارث ح: ٦- ٣/٢٩٠ وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود: حسن صحيح ٢/٥٥٤ ح: ٢٤٩٤، كما أخرجه النسائي عن عمرو بن خارجة: (سنن النَّسائي شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي- ك: الوصايا- ب: إبطال الوصية للوارث ٦/٢٤٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ح: ٣٤٠٢، ٢/٧٧٤، والترمذي عنه في سننه بلفظ: " فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحَجَر" وقال: هنا حديث حسن صحيح- ك: الوصايا- ب: ما جاء لا وصية لوارث ح: ٢٢٠٤- ٣/٢٩٤ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح: ١٧٢٢، ٢/٢١٨، وتتبع طرقه في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ح: ١٦٥٥، ٦/٨٧- ن المكتب الإسلامي- ط/ ١ (١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩م) . ٥ الصواب أن يقال: (في من) . ٦ يرمز إلى حديث سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت إنّي قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلاَّ ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا فقلت: بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال: الثلث والثلث كبير أو كثير، إنَّك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلاَّ أُجرت بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك.. " الحديث، أخرجه البخاري في صحيحه – ك: الجنائز – ب: رثى النبي ﷺ سعد بن خولة ٢/١٠٣، وك: الوصايا –ب: أن =
[ ٣٦٣ ]
قلنا: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" ١ وادعوا علينا أنَّ الصحابة وقفوا، هل أنكرنا الوقف كأهل الكوفة حتى يحتج علينا بذلك؟] ٢ ا. هـ.
سادسًا: [وأما قول أحمد من رد الوقف فكأنما رد السنّة فهذا حق ومراده وقف رسول الله ﷺ وأصحابه كما ذكره أحمد في كلامه، وأما وقف الإثم والجنف فمن رده فقد عمل بالسنّة ورد البدعة واتبع القرآن] ٣.
سابعًا: [وأما قوله: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ٤ وقوله: "صدقتك على رحمك صدقة وصلة" ٥ وقوله: "ثم أدناك
_________________
(١) =تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنَّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلاَّ أُجرت بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك.." الحديث، أخرجه البخاري في صحيحه – ك: الجنائز – ب: رثى النبي ﷺ سعد بن خولة ٢/١٠٣، وك: الوصايا – ب أن: يترك ورثته أغنياء خير..، ٤/٣، وك: مناقب الأنصار ب: قول النبي ﷺ "اللهم امض لأصحابي هجرتهم.." ٥/٨٧ وك: النفقات – ب: فضل النفقة على الأهل ٧/٨٠، وك: الطب –ب: وضع اليد على المريض ٧/١٥٢، وك: الدعوات – ب: الدعاء يرفع الوباء والوجع ٨/٩٩، وك: الفرائض- ب: ميراث البنات ٨/١٨٧. ١ وهو حديث النعمان بن بشير قال: "تصدق عليَّ أبي ببعض ماله فقالت أمي عَمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ﷺ فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي فقال له رسول الله ﷺ: أفعلت هذا بولدك كُلِّهم؟ قال: لا قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم فرجع أبي فرد تلك الصدقة" أخرجه مسلم –ك: الهبات –ب: كراهة تفضيل بعض الأبناء في الهبة ح:١٣-٣/١٢٤٢. ٢ الرسائل الشخصية ص ٨١، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦٢. ٣ المرجع السابق ص ٨٢، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٥٢. ٤ وهو حديث حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنىً ومن يستعفف يُعفْه الله ومن يستغن يُغنه الله" أخرجه البخاري في صحيحه – ك: الزكاة –ب: لا صدقة إلاّ عن ظهر غنىً..، ٢/١٣٩. ٥ هو حديث سلمان بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة" أخرجه النسائي في سننه – ك: الزكاة –ب: الصدقة على الأقارب ٥/٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ح: ٢٤٢٠، ٢/ ٥٤٦، كما أخرجه عنه الترمذي في سننه بلفظ: "إذا أفطر أحدكم فليُفطر على تمرٍ فإنَّه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء فإنّه طهور وقال: الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" وقال: حديث حسن – ك: الزكاة – ب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة ح: ٦٥٣-٢/ ٨٤ وضعف الألباني الشق الأول منه في صحيح سنن الترمذي وصحح الشق الثاني موضع الشاهد ١/٢٠٢ ح: ٥٣١.
[ ٣٦٤ ]
أدناك" ١ وأشباه ذلك فكل هذا صحيح لا إشكال فيه لكن لا يدل على تغيير حدود الله، فإذا قال:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢ ووقف الإنسان على أولاده ثم أخرج نسل الإناث محتجًا بقوله: "ثم أدناك أدناك" أو صلة الرحم فمثله كمثل رجل أراد أن يتزوج خالة أو عمة فقيرة فتزوجها يريد الصلة، واحتج بتلك الأحاديث، فإن قال إن الله حرم نكاح الخالات والعمات، قلنا وحرم تعدي حدود الله التي حد في سورة النساء قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ ٣ فإذا قال الوقف ليس من هذا قلنا هذا مثل قوله: من تزوج خالته إذا تزوجها لفقرها ليس من هذا، فإذا كان عندكم بين المسألتين فرق فبينوه،٤.
ثامنًا: "وأما القول بأنَّ عمر وقفه على الورثة فيا سبحان الله كيف يكابرون النصوص، ووقف عمر وشرطه ومصارفه ثمغي ٥ وغيرها معروفة مشهورة" ٦.
تاسعًا: "وأما وقف حفصة الحُلي على آل الخطاب فيا سبحان الله! هل وقفت على ورثتها أو حرمت أحدًا أعطاه الله؟ أو أعطت أحدًا حرمه الله؟ أو استثنت غلته مدة حياتها؟ فإذا وقف محمد بن سعود نخلًا على الضعيف من آل مقرن أو
_________________
(١) ١ وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قال رجل: يا رسول الله من أحق بحسن الصحبة؟ قال: أمك، ثم أمك ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك " أخرجه مسلم في صحيحه- ك: البر- ب: بر الوالدين وأنّهما أحق به ح: ٢- ٤/١٩٧٤. ٢ جزء من الآية ١١ من سورة النساء. ٣ جزء من الآية ١٤ من سورة النساء. ٤ الرسائل الشخصية ص ٨٢، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦٢. ٥ ثَمغّ: بالفتح ثم السكون، والغين معجمة: موضع مالٍ كان لعمر بن الخطاب ﵁. (معجم البلدان ٢/٨٤ مادة:"ثمغ"، تلقاء المدينة، خرج إليه يومًا ففاتته صلاة العصر، فقال فد شغلني عن الصلاة أشهدكم أنّها صدقة معجم معالم الحجاز ٢/٨٨. ٦ الرسائل الشخصية ص ٨٣، وادرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦٣.
[ ٣٦٥ ]
مثل ذلك هل أنكرنا هذا؟ وهذا وقف حفصة فأين هذا مما نحن فيه؟] .
عاشرًا: [وأما قولهم إنَّ عمر وقف على ورثته، فإن كان المراد ولاية الوقف فهو صحيح وليس مما نحن فيه، فإن كان مراد القائل إنَّه ظن أنَّه وقف يدل على صحة ما نحن فيه فهذا كذب ظاهر ترده النقول الصحيحة في صفة وقف عمر] .
أحد عشر: [وأما كون صفية وقفت على أخ لها يهودي فهو لا يرثها ولا ننكر ذلك] ١.
اثنى عشر: [وأما ختمه الكلام بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢ فيا لها من كلمة ما أجمعها ووالله إنَّ مسألتنا هذه من إنكارها، وقد أتانا رسول الله ﷺ ويلزم حدود الله والعدل ببن الأولاد، ونهانا عن تغيير حدود الله، والتحيل على محارم الله، وإذا قَدَّرنا أنَّ مراد صاحب هذا الوقف وجه الله لأجل من أفتاه بذلك فقد نهانا رسول الله ﷺ عن البدع في الدين ولو صحت نيّة فاعلها فقال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي لفظ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٣، هذا نص الذي قال فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤. وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٥، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٦.
فمن قَبِلَ ما آتاه الرسول، وانتهى عما نهى وأطاعه ليهتدي واتبعه ليكون
_________________
(١) ١ الرسائل الشخصية- ص ٨٣، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦٣. ٢ جزء من الآية ٧ من سورة الحشر. ٣ راجع ص (٢٩٩)، واللفظ الآخر: أخرجه مسلم- ك: الأقضية- ب: نقض ح: ١٧، ٤/١٣٤٤. ٤ جزء من الآية ٧ من سورة الحشر. ٥ جزء من الآية ٥٤ من سورة النور. ٦ جزء من الآية ٣١ من سورة آل عمران.
[ ٣٦٦ ]
محبوبًا عند الله فليوقف كما أوقف رسول الله ﷺ، وكما وقف عمر ﵁ وكما وقفت حفصة وغيرهم من الصحابة وأهل العلم، وأما هذا الوقف المحدث الملعون المغير لحدود الله فهذا الذي قال الله فيه بعد ما حدَّ المواريث والحقوق للأولاد والزوجات وغيرهم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١، ا. هـ ٢.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٣-١٤ من سورة النساء. ٢ الرسائل الشخصية ص٨٤، والدرر السنية في الأجوبة النجدية٥/٢٦٣.
[ ٣٦٧ ]