إن القلب المتلألأ بنور الإيمان لا يقنعه القليل من الأعمال، وإذا بدا له منكر ظاهر يستطيع تغييره، فإنه يدفعه بهمة عالية لأقوى درجات الإنكار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأعلى درجات الإنكار التغيير باليد.
ولما كان الشرك بالله تعالى أعظم المنكرات قاطبة، أعلن الشيخ الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀ النكير عليه بكل ما أوتي من قوة وعزيمة ونصرة لدين الله ﷿ وللعقيدة الصحيحة.
فقال ﵀ في معرض حديثه عن فوائد قصة مسجد ضرار١ ضمن اختصاره لكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للإمام ابن القيم ﵀:
" ومنها٢ تحريق أمكنة المعصية كما أحرق مسجد الضرار، وكل مكان مثله فالواجب على الإمام تعطيله، وإما بهدم أو تحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مساجد الضرار، فمشاهد الشرك أحق وأوجب، وكذا بيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر ﵁ قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد وسماه فويسقا، وحرق قصر
_________________
(١) للاستزادة راجع قصة مسجد الضرار في السيرة النبوية ٣/*٥٣٠ لابن هشام، حققها، ومصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي- القسم الثاني- ن دار الكنوز الأدبية.
(٢) أي من فوائد القصة.
[ ٢١٠ ]
سعد لما احتجب فيه عن الرعية، وهم ﷺ بتحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة وإنما منعه من فيها، ممن لا تجب عليهم.
وعلى هذا فيهدم المسجد الذي بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله، وغربته بين الناس كما ترى"١اهـ.
وقال أيضا ﵀:
" لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الشرك والكفر وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها والله المستعان"٢اهـ.
والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بكلامه السابق يقرر قاعدة أساسية في فقه إنكار المنكر وهي اشتراط القدرة على إزالة المنكر في أولى درجات الإنكار وهي الإنكار باليد، وذلك لحديث رسول الله ﷺ المتقدم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٣.
_________________
(١) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- القسم الرابع- مختصر زاد المعاد في هدي خير العباد ص ٢٨٧ باختصار يسير.
(٢) الرسائل الشخصية- الحادية عشر ص ٧٣، الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٥٩.
(٣) تقدم تخريجه في ص "٩" هـ"٣".
[ ٢١١ ]
وفي رواية الترمذي " فلينكره بيده " ١.
قال القاضي عياض ﵀: " الحديث أصل في كيفية التغيير فيجب على المغير أن يغير بكل وجه أمكنه زواله به، فالتغيير باليد أن يكسر آلات الباطل وبريق الخمر وينزع الغصب أو يأمر بذلك"٢اهـ.
وفي حديث أبي الهياج الأسدي٣ ﵀ قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁ " أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ٤.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ٥ "٦.
فدل الحديثان الشريفان على مشروعية إنكار المنكر باليد مع القدرة عليه والله أعلم.
ولقد ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أروع مثل في سرعة الاستجابة لشرع الله ﷿ وتغيير المنكر باليد حينما حرم الله تعالى الخمر.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص "١٨٣" هـ-"٤".
(٢) الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني- حاشيته مختصر شرحه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ٦/١٥٦، المنهل العذب المورود شرح شرح سنن الإمام أبي داود ٣/٣١٧.
(٣) هو الحيان بن حصين، أبو هياج، الأسدي الكوفي، ثقة، من الثالثة " التقريب التهذيب٢/٢٠٨ ت:٦٥٣".
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه – ك: الجنائز – ب: الأمر بتسوية القبر ح: ٩٣-٢/٦٦٦.
(٥) قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ سورة الإسراء آية ٨١، وقال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ سورة سبأ آية ٤٩.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه- ك: تفسير سورة بني إسرائيل – ب: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل ٦/١٠٨، وك: المغازي –ب: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح ٥/١٨٨، وك: المظالم ب: هل كسر الدنان ٣/٧٧٨.
[ ٢١٢ ]
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ١ زهو وتمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها فأهرقتها"٢.
هكذا الإيمان حينما تتشربه القلوب الصافية يجعل المبادرة إلى تغيير المنكر باليد فورية لا تحتمل التسويف والتأخير.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: " خرج رسول الله ﷺ إلى المربد٣ فخرجت معه فكنت عن يمينه وأقبل أبو بكر فتأخرت له فكان عن يمينه وكنت عن يساره ثم أقبل عمر ﵁ فتنحيت له، فكان عن يساره، فأتى رسول الله ﷺ المربد، فإذا بأزقاق٤ على المربد فيها الخمر، قال ابن عمر ﵁: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية٥، قال: وما عرفت المدية إلا يومئذ فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال لعنت الخمر وشاربها، وساقيها، بائعها، ومبتاعها،
_________________
(١) في النهاية فيغريب الحديث والثر: هو شارب متخذ من البسر المفضوح: أي المشدوخ ٣/٤٥٣ مادة " فضخ"، وهو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار: غريب الحديث ٢/١٧٧ لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي- ن دار الكتاب العربي- بيروت –ط/١ مطبعة إدارة المعارف العثمانية بحيدر آباد " سنة ١٣٨٤هـ-١٩٦٥م" والمربد: اسم لموضع مسجد رسول الله ﷺ. " المغانم المطابة في معالم طابة ص ٣٧٥".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه- ك- الأشربة- ب نزل تحريم الخمر وهي من البسر واتلمر – ٧/١٣٦.
(٣) المربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم وبه سمى مربد المدينة والبصرة، وهو بكسر الميم وفتح الباء من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربد إذا حبسه. " النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/١٨٢ مادة: "ربد" والمربد: اسم لموضع مسجد رسول الله ﷺ. " المغانم المطابة في معالم طابة ص ٣٧٥".
(٤) جمع زق والزق: بالكسر السقاء ينقل فيه الماء أو جلد يجز شعره ولا ينتف نتف الأديم، وقيل الزق من الأهب: كل وعاء اتخذ للشراب وغيره: تاج العروس ٦/٣٧١ فصل الزاي، من باب القاف، مادة: زق – ط مطابع دار صادر- بيروت عام "١٣٨٦هـ-١٩٦٦م".
(٥) المدية: بالضم: الشفرة، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٦/٢٤٩٠ مادة: مدى.
[ ٢١٣ ]
وحاملها، الحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها" ١.
فالتغير باليد لا مندوحة عنه متى وجدت القدرة عليه.
قال المروذي: سألت أبا عبد الله – أحمد بن حنبل- " رحمهما الله" قلت: أمر في السوق فأرى الطبول تباع أكسرها؟ قال: ما أراك تقوى، إن قويت يا أبا بكر- أي فافعل- قلت: أدعى أغسل الميت فأسمع صوت الطبل، قال: إن قدرت على كسره وإلا فاخرج٢.
وقال أيضا ﵀:
قلت لأبي عبد الله: لو رأيت مسكرا مكشوفا في قنينة أو قربة ترى أن تكسر أو تصب؟ قال: تكسره٣.
وقال أبو داود ﵀: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى به، قال: قد أحسن، قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا، قيل له: وكذلك إن كسر عودا أوطنبور٤؟ قال: نعم٥.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله قال: أبي سئل عن رجل رأى مثل الطنبور والعود، أو الطبل وما أشبه هذا، ما يصنع به؟ قال: إذا كان مغطى فلا، وإذا كان مكشوفا فاكسره٦.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند، مسند عبد الله بن عمر ح: ٥٣٩٠،٧/٢٠٦ شرح أحمد محمد شاكر- ن دار المعارف بمصر ط/٢"١٣٩١هـ-١٩٧١م"، وقال أحمد شاكر بهامشه: إسناده صحيح.
(٢) كتاب الورع ص ١٥٥.
(٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٧٩ للخلال.
(٤) الطنبور: الذي يلعب به معرب، وقد استعمل في لفظ العربية: لسان العرب ٤/٢٧٠٩ مادة: طنب.
(٥) كتاب مسائل الإمام أحمد ص ٢٧٩ تأليف الحافظ أبي داود بن سليمان بن الأشعث السجستاني، تقديم السيد محمد رشيد رضا- ط/١- مطبعة المنار بمصر سنة ١٣٥٣هـ.
(٦) الأمر بالمعروفو النهي عن المنكر ص ٨٠ للخلال.
[ ٢١٤ ]
وبناء على ذلك فإنه يجوز للناهي عن المنكر أن يتلف الأشياء العينية المحرمة مثل الأصنام المعبودة من دون الله بشتى أنواعها وأيا كانت مادتها من خشب أو ذهب أو نحاس، فله تكسيرها وإتلافها، وكذلك آلات اللهو بشتى أنواعها من عود وآلات موسيقية ونحو ذلك، أو الأشرطة التي سجل فيها أغاني خليعة وموسيقى ماجنة ونحو ذلك، أو الصور الخليعة المحرمة، فله طمسها أو تمزيقها وإتلافها، كل ذلك يجوز له تغييره باليد وإتلافه لكن عليه أن ينظر إلى قواعد الشرع قبل الإقدام على ذلك ومراعاة المصلحة لا يخلف ذلك منكرا أكبر منه١.
كما ينضم إلى شرط الاستطاعة شرط آخر وهو ألا يكون الإنكار بالسلاح.
روى الخلال عن صالح- بن احمد بن حنبل ﵏- أن أباه قال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح٢.
وقال القاضي عياض ﵀: " ولا ينكر بسيف إلا مع سلطان"٣ اهـ.
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀: " الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه اشهار سلاح أو سيف يجوز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة فإن احتاج إلى أعوان يشهرون السلاح فلا بد من إذن السلطان على الصحيح"٤.اهـ.
لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة وآيلا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٥، والله المستعان.
_________________
(١) انظر درجات تغيير المنكر ص ٢٠.
(٢) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٤٤ للخلال
(٣) كتاب غذاء الألباب لشرح لشرح منظومة الآداب١/٢٢٤.
(٤) المرجع السابق- الموضع نفسه.
(٥) أحكام القرآن ١/٢٩٣ لابنالعربي، تحقيق على محمد البجاوي- ن عيسى البابي الحلبي وشركاه –ط ١/٢ "١٣٨٧-١٩٦٧م".
[ ٢١٥ ]