لقد أشار الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلي هذه الدرجة النهائية من الإنكار في رسالته لسويدي١ قائلا فيها:
"وأنا أرجوا أن يكرمك الله بنصر دينه ونبيه وذلك بمقتضى الاستطاعة ولو بالقلب والدعاء وقد قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" ٢ ٣.
قال الإمام ابن حزم ﵀: "واتفقوا في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلوب"٤ا. هـ.
لقوله ﷺ: " فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٥.
فالحديث الشريف يدل أنه إن لم يستطع الإنكار بلسانه لوجود مانع كخوف فتنة أو خوف على نفس أو عضو أو مال محترم أو شهر سلاح، فبقلبه ينكره وجوبا بأن يكرهه به ويعزم أنه لو قدر بقول أو فعل فعل، وهذا واجب عينيا على كل أحد بخلاف الذي قبله، فأفاد الخبر وجوب تغيير المنكر بكل
_________________
(١) هو: عبد الله بن الحسين بن مرعي بن ناصر الدين البغدادي، أبو البركات السويدي الفقيه، المتأدب، من أعيان العراق، وهو أول من عرف بالسويدي من هذا البيت، ولد في كرخ بغداد سنة " ١١٠٤هـ-١٦٩٣م"وتوفي في بغداد سنة "١١٧٤هـ-١٧٦١م" "الأعلام ٤/٨٠باختصار".
(٢) جزء من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" أخرجه البخاري في صحيحه ك: الاعتصام بالكتاب والسنة ب: الإقتداء بسنن رسول الله ﷺ ،٩/١١٧.
(٣) الرسائل الشخصية- الرسالة الخامسة ص ٣٧- والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٥٥.
(٤) مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات ص ١٧٦ لابن حزم ويليه نقد مراتب الإجماع لابن تيمية-ن دار الكتب لعلمية- بيروت "و" دار الباز- مكة – ط/بدون.
(٥) تقدم بتمامه راجع ص "٩" هـ"٣".
[ ٢٢٢ ]
طريق ممكن فلا يكفي الوعظ لمن يمكنه إزالته بيده، ولا القلب لمن يمكنه باللسان١، والإنكار بالقلب وهو الكراهية٢ أضعف أعمال الإيمان المتعلقة بإنكار المنكر في ذاته لا بالنظر إلى غير المستطيع فإنه بالنظر إليه هو تمام الوسع والطاقة وليس عليه غيره٣ فلا يكتفي به إلا من لا يستطيع غيره٤.
وفي توضيح معنى قوله ﷺ: "ليس وراء ذلك مثقال حبة خردل من إيمان" ٥ يقول شييخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " مراده أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان، حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان ليس مراده أن من لم ينكر ذلك، لم يكن معه من الإيمان حبة خردل، ولهذا قال: " ليس وراء ذلك" فجعل المؤمنين ثلاث طبقات، وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه، لكن الأول لما كان أقدرهم كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني، وكان ما يجب على الثاني أكمل مما يجب على الآخر، وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم"٦ اهـ.
وهنا نكتة حول معنى الحديث ينبغي التفطن لها:
_________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير٦/١٣١ بتصرف يسير.
(٢) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ٦/٣٩٣.
(٣) التعليقات السلفية ص ٢٦٦ لصاحب الفضيلة الأسبتاذ محمد عطاء الله الفوجياني على سنن النسائي للإمام الحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي – ن، ط المكتبة السلفية- لاهور- باكستان.
(٤) بذل المجهود في حل أبي داود ٦/١٧١.
(٥) سبق تخريجه ص "١٨٣" هـ"٥".
(٦) الإيمان ص ٤٠٩- ن المكتب الإسلامي- ط/٣"١٤٠١هـ".
[ ٢٢٣ ]
كثير من الناس قد يظن أن الحديث في آخره يعني السلبية إذا ترك كل مسلم المجتمع دون أن يعني بالإصلاح لما فسد به، ولكن ذلك مردود بأن السلبية تعني عدم الاهتمام أصلا بما يجري في المجتمع المسلم، بينما الاستنكار أو الإنكار على ما ظهر من فساد هو أول درجات هذا الاهتمام١ لكن هذا الاهتمام خاضع لمعيار القدرة ويتناسب معه تناسبا طرديا، فكلما زاد معيار القدرة زاد اهتمام المحتسب واشتد في إنكاره، والعكس بالعكس.
يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن درجات الإنكار: هو باليد مع القدرة، وباللسان عند عدم المكنة، وبالقلب عند خوف الفتنة والعجز عن القيام بالفريضة وهو أضعفها٢.
وسأل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ٣ الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله: متى يجب على الرجل الأمر والنهي؟ قال: ليس هذا زمان النهي، إذا غيرت بلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك، فهو أضعف الإيمان٤.
قال ابن مسعود ﵁: إنها ستكون هنات وهنات٥ بحسب امرئ إذا رأى
_________________
(١) أصول المجتمع الإسلامي ص ٢٠٣: دكتور جمال الدين محمد محمود- ن الكتاب المصري- القاهرة- دار الكتاب اللبناني- بيروت- ط /١" ١٤١٣هـ-١٩٩٢م" بتصرف.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/٢٧٩.
(٣) هو: إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، ولد أول يوم من شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين وخدم الإمام أحمد بن حنبل وهو ابن تسعين سنة، نقل عنه مسائل كثيرة ومات ببغداد سنة خمسين وسبعين ومائتين " طبقات الحنابلة ١/١٠٨ ت: ١٢١ باختصار".
(٤) مسائل الإمام أحمد بن حنبل ٢/١٧٥ رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، تحقيق زهير الشاويش –ن المكتب الإسلامي- بيروت- دمشق- ط/"١٤٠٠هـ- بيروت".
(٥) هنات: جمع هنة وهي: الخصلة من الشر ولا تقال في الخير- جامع الأصول في أحاديث الرسول ١٠/٣١.
[ ٢٢٤ ]
أمرا لا يستطيع له تغييرا أن يعلم الله أن قلبه له كاره١.
وعن أبي الطفيل ﵀ قال: قيل لحذيفة ﵁ ما ميت الأحياء؟ قال: من لم يعرف المعروف بقلبه وينكر المنكر بقلبه٢.
وبكراهية القلب للمنكر تبرأ ذمة المحتسب إن لم يستطع الإنكار باليد أو اللسان.
عن العرس بن عميرة الكندي ﵁ ٣ عن النبي ﷺ قال: " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها وقال مرة" أنكرها" كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" ٤.
قال الشيخ أبو الطيب آبادي ﵀ في معنى قوله: " كمن غاب عنها" " أي في عدم لحوق الإثم له، وهذا في من يعجز عن إزالتها بيده ولسانه، والأفضل أن يضيف إلى القلب اللسان فيقول: اللهم هذا منكر لا أرتضيه قاله العزيزي"٥اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: " فمن شهد الخطيئة فكرهها في قلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها، لأن الرضا بالخطايا من
_________________
(١) المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ٣/٢١١ للحافظ ابن حجر- تحقيق الأستاذ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي—ن التراث الإسلامي- إدارة الشؤون الإسلامية بوزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت- ط / طباعة المطبعة العصرية الكويت ١٣٩٣هـ-١٩٧٣م.
(٢) أخرجه ابن أبي في الكتاب المصنف في الاحاديث والآثار ك: الفتن ب: ما ذكر في فتنة الدجال ح: ١٩٤٢٣،١٥/١٧٢- ن الدار السلفية- الهند- ط/١"١٤٠٢هـ-١٩٨٢م".
(٣) هو: العرس بن عميرة الكندي، صحابي " الكاشف في معرفة من له رواية الكتب الستة ٢/١٧ ت:٣٧٦٧".
(٤) أخرجه أبو داود في سننه- ك: الملاحم- ب: الأمر والنهي ح: ٤٣٤٥، ٤/٥١٥ وحسنه الألباني في تخريج المشكاة ٣/٢٥- ح: ٥١٤١، صحيح سنن أبي داود ٣/٨٢٠- ح:٣٦٥١.
(٥) عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١/٥٠١ للعلامة أبي الطيب محمد العظيم آبادي مع شرح الحافظ ابن القيم الجوزية، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان- ن دار الفكر- بيروت- المكتبة السلفية- ط/٣"١٣٩٩هـ-١٩٧٩م".
[ ٢٢٥ ]
أقبح المحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم، لا يسقط عن أحد في حال من الأحوال"١اهـ.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما حقيقة الإنكار بالقلب؟ فإن البعض يظن مخطئا أنه ما دام كارها للمنكر فلا بأس عليه بمخالطة فاعله والجلوس معه حال مواقعته للمنكر، أو البقاء في مكان فيه منكر٢ مبررا ذلك الفعل بكراهية قلبه لذلك المنكر، وهذا الفعل مخالف لصريح الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ٣.
قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: " فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر"٤.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها، والحاصل أن من حضر مجلسا، يعصى الله به فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم، مع قدرة، أو القيام مع عدمها"٥اهـ.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جامع الكلم ٢/٢٥٩- ن دارابن الجوزي- ط/١"١٤١٥هـ-١٩٩٥م".
(٢) انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه ص ٣٣٥.
(٣) سورة النساء آية ١٤٠.
(٤) الجامع لأحكام القرآن٥/٤١٨- ط/دار الكتب المصرية- القاهرة "١٣٥٦هـ-١٩٣٧م"
(٥) المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٢/١٩٩- ن مركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة "١٤٠٧هـ-١٩٨٩م"- ن دار المعرفة- بيروت لبنان ط/٤"١٤٠٠هـ" – المطبعة الكبرى الأميرية ٠ مصر.
[ ٢٢٦ ]
وحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" ١.
فدل على تحريم الجلوس في مكان المنكر بدون إنكار له، وأن من علامات الإنكار بالقلب المتضمن لأقل درجات الإيمان مفارقة مكان المنكر. والله أعلم.
"وأخرج ابن جرير عن هشام بن عروة ﵁ قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب، فضربهم وفيهم صائم، فقالوا: إن هذا صائم فتلا: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ ٢ ٣.
وهكذا تعتبر هذه المرحلة الإيمانية النهائية، وهي الكراهة أو الإنكار بالقلب الذي يقتضي مفارقة مكان المنكر، حتمية على كل مسلم ومسلمة، ولا رخصة لأحد في تركها البتة.
ولقد فطن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذا فقام في معرض احتسابه على سليمان بن سحيم الذي استخدم فيه التغليظ والتوبيخ كما مر
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه- أ: الاستئذان والآداب- ب: ما جاء في دخول الحمام ح:٢٩٥٣،٤/١٩٩، وقال الترمذي: حديث غريب، وأخرجه الحاكم في مستدركه- ك: الأدب- ب: "لا تجلسوا على مائدة يدار عليها الخمر" ٤/٢٨٨ وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث طاووس عن جابر إلا من هذا الوجه، وصححه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ٧/٦- ح:١٩٤٩- ن المكتب الإسلامي- ط/١"١٣٩٩هـ-١٩٧٩م".
(٢) جزء من الآية ٤٠ من سورة النساء.
(٣) جامع بيان في تفسير القرآن ٥/٢١٢، وانظر الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة الكتاب الأول الإيمان ٢/٤٨١- ع: ٥١٥ تأليف الشيخ الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، تحقيق رضا بن نعسان معطي،- ن دار الراية- الرياض ط/٢"١٤١٥هـ-١٩٩٤م".
[ ٢٢٧ ]
في المطلب السابق، بتوبيخه له على حضوره للمولد وأكله من الطعام المعد لذلك١ لما في الجلوس في أماكن المنكرات على افتراض كراهية القلب لها من مخالفة لمفهوم الإنكار بالقلب الذي يعني اقتران البغض القلبي للمنكر بالمفارقة الجسدية للمكان الذي يتواجد فيه ذلك المنكر.
_________________
(١) راجع ص "٢١٩" هـ "٤" من هذا البحث.
[ ٢٢٨ ]