قال الله ﷿ في محكم التنزيل:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١.
الحكمة في اللغة بكسر الحاء وإهمال الكاف وضم الميم: العدل٢.
والحكيم: المتقن للأمور٣.
والحكيم: العالم٤.
أما في الاصطلاح فقد ذكر العلماء لها عدة معان منها:
١-عن ابن عباس ﵄: يعني المعرفة بالقرآن ناسخة، ومنسوخة، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
٢-قال السدي٥: الحكمة النبوة.
٣-قال أبو مالك: الحكمة السنة.
٤-قال أبو العالية٦ الحكمة خشية الله.
_________________
(١) سورة البقرة آية ٢٦٩.
(٢) لسان العرب ٢/٩٥٣ مادة: حكم.
(٣) المصدر السابق الموضع نفسه، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٥/٥٩٠١ مادة: " حكم".
(٤) المصدر الأخير الموضع نفسه.
(٥) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي حسن الحديث، قال أبو حاتم: لا يحتاج به مات سنة "٢٧هـ" " الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستى ١/٢٤٧ ت: ٣٩١ للإمام الذهبي وحاشيته للإمام أي الوفاء العجمي حلبي علق عليهما وخرج نصوصهما محمد عوامة-أحمد الخطيب- ن شركة دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن- جدة ط١"١٤١٣هـ-١٩٩٢م".
(٦) هو: رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي مولاهم البصري، رأى الصديق، قالت حفصة بنت سيرين: سمعته يقول: قرأت القرآن على عمر ثلاث مرات، توفي سنة تسعين" المرجع السابق ١/٣٩٧ ت: ١٥٨٥ باختصار".
[ ١٥٧ ]
٥-قال إبراهيم النخعي١: الحكمة الفهم.
٦-قال زيد بن أسلم٢: الحكمة العقل.
٧-قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة: هو٣ الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله٤.
٨-قال الراغب الأصفهاني٥: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل٦.
٩-قال إسماعيل الهروي: هي وضع الشيء في موضعه٧.
١٠-أما ابن القيم فعرف الحكمة بأنها: فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي٨.
والذي أراه أن الأرجح من هذه الأقوال هو تعريف الإمام ابن القيم والله
_________________
(١) -١هو: إبراهيم بن يزيد النخعي، أبو عمران، الكوفي، الفقيه، رأى عائشة رضي لله عنها- وكان عجبا في الورع والخير،، متوقيا للشهرة، رأسا في العلم، مات سنة "٩٦هـ" كهلا " الكاشف في معرفة له رواية في الكتب السنة ١/٢٢٧ت: "٢٢١" باختصار".
(٢) هو: زيد بن أسلم الفقيه العمري، قال ابن عجلان: ما هبت أحدا هيبتي زيد بن أسلم، توفي سنة "١٣٦" " المرجع السابق ١/٤١٤ ت: " ١٧٢٢" باختصار".
(٣) لعل الصواب أن يقول: هي.
(٤) جميع هذه الأقوال أوردها وغيرها الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ١/٤٧٥، والراغب الأصفهاني في المفردات في غريبالقرآن ص ١٢٧ مادة: " حكم"، تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني- ن دار المعرفة- بيروت- لبنان- ط/بدون، وذكر بعضها ابن القيم في التفسير القيم ص ٢٢٧، حققه محمد حامد الفقي- ن دار الكتب العلمية- بيروت لبنان- ط/"١٣٩٨هـ-١٩٧٨م"، ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نعبد وإياك نستعين ٢/٤٧٩ بتحقيق محمد حامد فقي- ن دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان- ط/٢"١٣٩٣هـ-١٩٧٣م".
(٥) هو: الحسين بن محمد بن المفضل، أو القاسم الأصفهاني المعروف بالراغب، أديب من الحكماء العلماء، من أهل " أصبهان" سكن بغداد واشتهر، توفي سنة "٥٠٢هـ-١١٠٨هـ" " الأعلام ٢/٢٥٥ باختصار".
(٦) المفردات في غريب القرآن ص ١٢٧ مادة: حكم.
(٧) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ٢/٤٧٩.
(٨) المرجع السابق والموضع نفسه.
[ ١٥٨ ]
تعالى أعلم بالصواب.
هذا فيما يتعلق بمفهوم الحكمة على الإطلاق، أما باعتبار خصوصيتها للمحتسب فهي: معيار ضابط للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبار حال المأمور والمنهي، والأسلوب المناسب له، في الوقت المناسب.
فليس كل الناس يصلح لهم أسلوب واحد في الاحتساب، وليست جميع المنكرات يصلح لها الاحتساب نفسه في الوقت نفسه، هذا التفاوت يقتضي استخدام المعيار الضابط لذلك كله وهو الحكمة في جميع الأحوال بحيث يستخدم المحتسب الأسلوب المناسب للاحتساب مع من يناسب من الناس في الوقت المناسب.
"فليس من الحكمة استخدام أسلوب واحد في الأمر والنهي مع الكبير والصغير والرجل والمرأة والمثقف والجاهل والأمير والحقير والغضوب والهادئ بل لابد من تنويع أسلوب المخاطبة بما يناسب السن والثقافة والطبيعة النفسية والمركز الاجتماعي لكل فرد"١.
لأن الحكمة تعني الإصابة في الأقوال والأفعال ووضع كل شيء في موضعه٢.
إذن هي لين في وقت اللين فحسب، وشدة في وقت الشدة فحسب٣.
فهي تعني العلم والوعي وتقدير الموقف ثم التفاعل مع الحدث تفاعلا مثمرا٤.
وهذا ما أشار إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته
_________________
(١) فقه الدعوة في إنكار المنكر ص ٣٤ تأليف عبد الحميد البلالي، مراجعة المستشار سالم البهناوي- ن دار الدعوة- الكويت- ط/٤"١٤١١هـ-١٩٩١م". بتصرف يسير.
(٢) انظر الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى تأليف سعيد بن علي بن وهف القحطاني ص ٢٧-ط"محرم١٤١٣هـ-١٩٩٢م".
(٣) الحكمة في الدعوة إلى الله ص ٣٣: د. زيد بن عبد الكريم الزيد- ن دار العاصمة- الرياض- ط"المحرم ١٤١٢هـ".
(٤) انظر المرجع السابق والموضع نفسه.
[ ١٥٩ ]
التي أرسلها إلى إخوانه من أهل سدير حيث قال:
" إن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان"١.
هذا التغليظ ناتج عن عدم انضباط معيار الحكمة في الاحتساب عند بعض الناس، ولقد وضع ابن القيم ﵀ للحكمة ثلاثة أركان وأضداد فقال:
"الحكمة ثلاثة أركان هي: العلم والحلم والأناة وآفاتها وأضدادها: الجهل والطيش والعجلة، فلا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول"٢.
ومن حكمة المحتسب أن يجعل لاحتسابه أولويات أساسية يقدم بعضها على بعض حسب الأهمية.
"وسلم الأوليات هذه يتطلب االبدء بأمور العقيدة وتقديم الكليات على الجزئيات"٣.
وهذا نراه جليا في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حيث أعطى ﵀ العقيدة جل اهتمامه في الاحتساب لما لها من الأولية والصدارة والأهمية في كيان الامة الإسلامية، ثم تدرج ﵀ في الاحتساب بعدئذ إلى الجوانب الفقهية والسلوكية، مما يؤكد أنه ﵀ كان في احتسابه على جانب كبير من الحكمة، وما ورد في رسالته الجوابية التي أرسلها لعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف٤ ردًا على رسالته التي أغلظ فيها على الشيخ لما خالف ﵀
_________________
(١) الرسائل الشخصية – الرسالة الرابعة والأربعون ص ٢٩٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٧/٢٥.
(٢) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ٢/٤٨٠.
(٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ص ١٠٢ إعداد: أ. د سليمان بن عبد الرحمن الحقيل- ن دار الشبل- الرياض ط/٣" ١٤١٣هـ-١٩٩٣م".
(٤) لم أجد له ترجمة.
[ ١٦٠ ]
بعض ما ألفه الناس في زمانه من الأمور التي تعارض الحق والدليل فقال ﵀:
"فإذا خالفت قول عالم لمن هو أعلم منه أو مثله إذا كان معه الدليل ولم آت بشيء من عند نفسي تكلم بهذا الكلام الشديد فإن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه من إجماع أهل العلم توجه علي القول، وقد بلغني أنكم في هذا الأمر قمتم وقعدتم، فإن كنتم تزعمون أن هذا إنكار للمنكر فياليت قيامكم كان في عظائم بلدكم تضاد أصلي الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله منها وهو أعظمها عبادة الأصنام عندكم من بشر وحجر، هذا يذبح له، وهذا ينذر له، وهذا يطلب إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات، وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر، وهذا يزعمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة ولو عصى الله، فإن كنتم تزعمون أن هذا ليس هو عبادة الأصنام والأوثان المذكورة في القرآن فهذا من العجب، فإني لا أعلم أحدا من أهل العلم يختلف في ذلك اللهم إلا أأن يكون وقع فيما وقع فيه اليهود من إيمانهم بالجبت والطاغوت، وإن ادعيتم أنكم لا تقدرون على ذلك، فإن لم يقدروا على الكل قدرتم على البعض١، كيف وبعض الذين أنكروا علي هذا الأمر وادعوا أنهم من أهل العلم ملتبسون بالشرك الأكبر ويدعون إليه، ولو يسمعون إنسانا يجرد التوحيد ألزموه بالكفر والفسوق؟ ولكن نعوذ١ بالله من رضاء الناس بسخط الله"٢ ا. هـ.
ومن حكمة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ استخدامه للهجة العامية في كثير من رسائله لأن كثيرا ممن احتسب عليهم كانوا من العوام فبات من المناسب مخاطبتهم بالأسلوب الذي يفهمونه.
_________________
(١) لعل الصواب أن يقول: على بعض.
(٢) الرسائل الشخصية- الرسالة السابعة والثلاثون ص ٢٦٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية١/٤.
[ ١٦١ ]