اللسان أداة نقل الكلام الذي يدور في عقل الإنسان، وهو من أعظم نعم الله تعالى عليه، ومن تمام شكر هذه النعمة استخدامه في طاعة الله، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولإيصال الكلام للمستمعين طريقتان: إما مشافهة باللسان، وإما مكاتبة بالقرطاس والقلم، وكلتا هاتين الوسيلتين تنضويان تحت الدرجة الثانية من ردجات الاحتساب.
وهذه الدرجة في الإنكار هي الأوسع نطاقا في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ولقد استفاضت في مؤلفاته بشكل لا يمكن حصره هنا، ولكن على سبيل المثاللا الحصر أذكر بعضا من أقواله قال ﵀:
"ورأى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن لمنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة"١.
وما توجب الشريعة هو مجمل الضوابط والقواعد التي عقدها أهل العلم في الحسبة على ضوء الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
وقال ﵀: " الشيء الذي عندنا زين هو عند الناس زين، والذي عندهم شين هو عندنا شين إلا إنا نعمل بالزين ونغصب٢ الذي يدنا٣ عليه وننهى عن الشين ونؤدب الناس عليه"٤.
_________________
(١) الرسائل الشخصية- الرسالة الأولى ص ١١، الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٣٠.
(٢) راجع ص "١٧٤"هـ-"٢" من هذا البحث.
(٣) راجع ص "١٧٤"هـ-"٣" من هذا البحث.
(٤) راجع ص "١٧٤"هـ-"٤" من هذا البحث.
[ ٢١٦ ]
ولتوضيح مفهومه عن هذه الدرجة في الحسبة قال في رسالته للسويدي١ عالم العراق:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الرحمن بن عبد الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد: فقد وصل كتابك وسر الخاطر، جعلك الله من أئمة المتقين ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين، وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست مبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وبينت لهم أن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون عليا وغيره ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء لأنه يخالف عادة نشأوا عليها، وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عبد الله الشافعي البغدادي الشهير بالسويدي الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه المفنن أبو الخير زين الدين، ولد ببغداد سنة أربع وثلاثين ومائة وألف وأخذ عن والده وعن فصيح الدين الهندي، وياسين الهيتي، وبرع وفضل، وله حاشية على شرح الحضرمية، وحاشية على شرح القطر للعصامي، وله شعر ونثر وكانت وفاته في عشرين ربيع الثاني سنة مائتين وألف. "سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر٢/٣٣٠".
[ ٢١٧ ]
المسكر وأنواع من المنكرات فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنا عند العوام فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد وأنهى عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس"١.
هكذا كان ﵀ يفهم الإنكار باللسان ويبادر إليه تارة باللطف والرفق كما جاء في إحدى رسائله:
"فانظر رحمك الله ما أحدث الناس من عبادة غير الله فتجده في الكتب جعلني الله وإياك ممن يدعوا إلى الله على بصيرة كما قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ " ٣.
وقد ربط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين الدعوة والحسبة عند استدلاله بهذه الآية ربطا جميلا فقال ﵀:
" إن الدعوة نفسها أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإنَّ الداعي طالب مستدع مقتض لما دعى إليه وذلك هو الأمر به إذ الأمر هو طلب الفعل المأمور به واستدعاء له ودعاء إليه، فالدعاء إلى الله الدعاء إلى سبيله، فهو أمر بسبيله، وسيلة تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر"اهـ. ٤.
ومن شواهد رفق الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إنكاره باللسان قوله لمحمد بن عبد اللطيف في رسالته إليه:
_________________
(١) راجع ص"١٧٢" هـ"٤".
(٢) سورة يوسف آية ١٠٨.
(٣) الرسائل الشخصية –الرسالة الخامسة عشرة ص ١٠١، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٦٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١٥/١٦٦.
[ ٢١٨ ]
" فإني أحبك، وقد دعوت لك في صلاتي وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القيم، ولا يمنعني من مكاتبتك إلا ظني أنك لا تقبل وتسلك مسلك الأكثر، ولكن لا مانع لما أعطى الله والله لا يتعاظم شيئا اعطاه، وما أحسنك تكون في آخر هذا الزمان فاروقا لدين الله كعمر ﵁ في أوله"١.
بينما نجده ﵀ تارة أخرى يستخدم التغليظ والتوبيخ مع من لا يجدي معه الرفق واللين كاحتسابه على سليمان بن سحيم ٢ قائلا:
" إنك تقول إني أعرف التوحيد وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرأه لهم وتحضرهم وهم ينخون٣ ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تعرف أن هذا كفر فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم؟ "٤.
وقوله أيضا في جملة احتسابه على سليمان بن سحيم: " أما مسألة التذكير فكلامك فيها من أعجب العجاب، أنت تقول بدعة حسنة، والنبي ﷺ يقول:
_________________
(١) الرسائل الشخصية – الرسالة السابعة والثلاثون ص ٢٥٧، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٣٥.
(٢) هو سليمان بن محمد بن سحيم العنزي، ولد في اليوم السابع من ذي الحجة عام "١١٣٠هـ"وقرأ على علماء نجد منهم والده ثم استوطن الرياض فأقام فيها وصار مدرس أهل البلاد وفقيههم وإمامهم وخطيبهم في زمن دهام بن دواس أمير الرياض هاجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودوته وصار يزور ويصور للناس في رسائله أشياء لم تقع من الشيخ فاحتدم الجدال بينه وبين الشيخ حتى أظهر الله الحق وأخمد الباطل، توفي في الزبير في "١١٨١هـ"، " وانظر علماء نجد خلال ستة قرون ١/٣٢٢".
(٣) كلمة عامية بمعنى يطلبون.
(٤) الرسائل الشخصية مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب القسم الخامس- الرسالة الرابعة والثلاثون ص ٢٢٧، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٦٢.
[ ٢١٩ ]
"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١، ولم يستثن شيئا تشير علينا به فنصدقك أنت وأبوك لأنكم علماء ونكذب رسول الله، والعجب من نقلك الإجماع فتجمع مع الجهالة المركبة الكذب الصريح والبهتان"٢.
وهكذا نجد أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد استوعب جيدا هذه الدرجة من الإنكار فاستخدم الكلام اللطيف الرقيق في حينه مشافهة أو مكاتبة والغليظ في مجاله الأمر الذي يعكس عمق إلمام الإمام بفقه إنكار المنكر وفق الدرجات التي أصلها حديث أبي سعيد ﵁ السابق: "فإن لم يستطع فبلسانه " ٣.
ففي الحديث دلالة على أنَّ من لم يستطع تغيير المنكر بيده لضعفه وعدم قدرته، أو خشيته أو يترتب على تغييره باليد مفسدة أشد فليغيره بلسانه، بالأمر والنهي ويكون بلين ورفق ما لم تدع الحاجة إلى الشدة ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب٤.
قال القاضي عياض: " فإن خاف من التغيير باليد مفسدة أشد غير بالقول، فيعظ ويخوف ويندب إلى الخير، ويستحب أن يرفق بالجاهل وذي
_________________
(١) نص الحديث: عن جابر بن عبد الله قال: " كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له من يضلل فلا هادي له إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي محمد وشر الأمور محدثتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش صبحكم مساكم ثم قال: من ترك دينا أو ضياعا فإلي أو على وأنا أولى بالمؤمنين" أخرجه النسائي سنن النسائي بشرح الحافظ جلا الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي- ك: الجمعة - ب: كيفية الخطبة ٣/١٨٨ – ن دار الفكر- بيروت –ط/١-سنة ط ١٣٤٨هـ-١٩٣٠م"، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي باختصار السند ١/٣٤٦،ح:١٤٨٧- ن مكتبة التربية العربي لدول الخليج- الرياض- ط/١"١٤٠٩هـ-١٩٨٨م" والمكتب الإسلامي- بيروت.
(٢) الرسائل الشخصية – الرسالة الرابعة والثلاثون ص ٢٣٤، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٦٦.
(٣) تقدم نصه وتخريجه راجع ص "٩" هـ"٣".
(٤) انظر المنهل العذب المورود بشرح سنن الإمام داود ٦/٣١٦.
[ ٢٢٠ ]
العزة الظالم المتقي شره فإنه أدعى للقبول، ولهذا استحب في المغير: أن يكون من أهل الصلاح، فإن القول منه أنفع، ويغلظ على غيرهما"١ بشرط ألا يغلب ظن أن المنهي يزيد عنادا٢ ويبدأ في الإنكار بالأسهل فإن زال وإلا أغلظ، فإن زال وإلا رفعه إلى الإمام٣.
قال المرداوي٤:
وبالأسهل ابدأ ثم زد قدر حاجة فإن لم يزل بالنافذ الأمر فاصدد٥
لذلك عقب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في ذيل كتابه الشديد اللهجة الذي أرسله إلى عبد الله بن سحيم موجها كلامه للشخص الذي أرسل معه تلك الرسالة بقوله:
" وأنت لا تلمني على هذا الكلام، تراني استدعيته أولا بالملاطفة وصبرت منه على أشياء عظيمة، والآن أشرفت منه على أمور ما ظننتها لا في عقله ولا في دينه، منها أنه كاتب إلى أهل الحسا٦ يعاونهم على سب دين الله ورسوله"٧.
_________________
(١) الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني٦/١٥٢.
(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/١٣٠. للمناوي وهو شرح نفيس للعلامة محمد المدعو بعبد الرؤوف المناوي على كتاب"الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير" للحافظ جلال الدين السيوطي- ن دار المعرفة- بيروت- لبنان-ط/٢"١٣٩١هـ-١٩٧٢م".
(٣) كتاب معالم القربة في أحكام الحسبة ص ٧٣.
(٤) هو: علي بن سليمان بن أحمد المرداوي ثم الدمشقي، فقيه حنبلي من العلماء ولد في مراد "قرب نابلس" سنة "٨١٧هـ-١٤١٤م". وانتقل في كبره إلى دمشق فتوفي فيها سنة "٨٨٥هـ- ١٤٨٠م" "الأعلام ٤/٢٩٢ باختصار".
(٥) كتاب غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب ١/٢٣٥.
(٦) سبق التعريف بها ص "٥١" هـ "٥".
(٧) الرسائل الشخصية –الرسالة العشرون ص ١٤١.
[ ٢٢١ ]