العلم بعد الإخلاص أهم ما ينبغي على المحتسب أن يتزود به، فهو المصباح الذي يضيء الطريق لحامله فيبصر من خلال ضوئه طريق الخير وطريق الشر.
قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك"٢اهـ.
وليس العلم غاية في حد ذاته إنما هو وسيلة مثلى للغاية الحقيقية من خلق الإنسان وهي عبادة الله ﷿، فالعلم يورث الإيمان والإخبات والخضوع كما في الآية السابقة ويروث الخشية في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣ لذلك وجب طلب ذلك العلم.
قال ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٤.
_________________
(١) سورة الحج آية ٥٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٥/٤٤٢.
(٣) جزء من الآية ٢٨ من سورة فاطر.
(٤) أخرجه ابن ماجة فب سننه في حديث أنس ﵁ بزيادة: "..وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر والؤلؤ والذهب" مقدمة ب: فضل العلماء والحث على طلب العلم ح: ٢٢٤"١/٨١"، وأورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ص ٢٦٦- ن دار زمزم- الرياض، والمنذري في الترغيب والترهيب من الحديث الشريف ١/٩٦- ن دار إحياء التراث العربي- بيروت ط/٣"١٣٨٨هـ-١٩٦٨م"، حسنه العجلوني في كشف الخفاء٢/٤٤ كما حسنه شعيب الأرنؤوط وزهير الشاويش في تخريجهما لشرح السنة للبغوي ١/٢٩٠هـ (١)، ن المكتب الإسلامي –ط/١"١٣٩٠هـ-١٩٧١م"، بينما صححه الأباني قائلا: صحيح دون قوله: "وواضع العلم" إلخ، فإنه ضعيف جدا:=
[ ١٤١ ]
وبعد أن أدركنا أهمية طلب العلم الشرعي بوجه عام ننتقل إلى خصوصة ذلك بالنسبة للمحتسب، وهو ما أكد عليه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في بعض رسائله حيث قال في رسالته التي كتبها إلى أحمد بن محمد بن سويلم١ وثنيان بن سعود٢.
" الإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله"٣.
ويتأكد وجوب الطلب لمن يتربص به الخصوم قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
"وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٤ فإذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية﴾ ٥ فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير ذلك لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين"٦.
_________________
(١) = "صحيح سنن ابن ماجة باختصار السند ١/٤٤ح: ١٨٣"، وانظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٣٤ ح: ٧٠ "للحافظ المنذري" اختيار وتحقيق محمد ناصر الدين الألباني- ن المكتب الإسلامي- ط/١- بيروت "١٤٠٢هـ-١٩٨٢م"، وصحيح الجامع الصغير وزيادته ٣/١٠ ح: ٣٨٠٨.
(٢) لم أجد له ترحمة.
(٣) لم أجد له ترجمة.
(٤) الرسائل الشخصية- الحادي والأربعون ص ٢٨٤، الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٧/٢٦.
(٥) جزء من الآية ٨٣ من سورة غافر.
(٦) سورة الأعراف آية ٨٦.
(٧) الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية والعشرون ص١٥٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية١/٥٠.
[ ١٤٢ ]
لما كان احتساب الجاهل يفسد أكثر مما يصلح فقد حذر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب من الاحتساب بغير علم في رسالته التي أرسلها إلى مطاوعة١ أهل الدرعية عند ما كان في بلد العيينة فقال:
" ومتى لم تتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف، فإذا تحققتم الخطأ بينتموه"٢.
وقال ﵀ في رسالته إلى إخوانه من أهل سدير بسبب أمر جرى بين أهل الحوطة من بلدان سدير٣، والتي قرر فيها قاعدة أساسية في الاحتساب:
" وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به، وينهى عنه، ويكون رفيقًا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرا على ما جاء من الأذى، وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به فإنَّ الخلل إنَّما يدخل على صاحب الدِّين من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه"٤.
وقال ﵀:
"وفي الحديث: من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فينبغي أن يكون عليمًا فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا يما يأمر به حليمًا فيما ينهى عنه"٥.
وهذه القاعدة بعينها قد أصلها بعض علماء السلف ﵏.
_________________
(١) جمع مطوع: وهي كلمة عامية نجدية يلقب بها الرجل إذا كانت عليه سيما الصلاح وعنده بعض العلم والفقه في الأمور الاجتهادية، ولعل أصلها اللغوي يعود إلى الطاعة.
(٢) الرسائل الشخصية – الرسالة الخامسة والثلاثون ص ٢٤٠، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٧٣.
(٣) سبق التعريف بها، راجع ص "٩٩"هـ"٣".
(٤) الرسائل الشخصية- الرسالة الرابعة والأربعون ص ٢٩٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٧/٢٥.
(٥) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ملحق المصنفات ص ١٢٥.
[ ١٤٣ ]
عن أبي الربيع قال: " دخلت على سفيان- أي الثوري- بالبصرة فقلت: يا أبا عبد الله إني أكون مع هؤلاء المحتسبة، فندخل على الحنينين١، ونتسلق عليهم الحيطان، قال: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى، ولكن ندخل عليهم كيلا يفروا، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وعاب فعلنا فقال رجل: من أدخل هذا؟ قلت: إنما دخلت إلى الطبيب أخبره بدائي، فانتفض سفيان قال: إنما هلكنا إذ نحن سقمى فسمونا أطباء، ثم قال: لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما أمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"فلابد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر، والعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد٣: " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من
_________________
(١) ربما كان مراده الذين يحنون إلى شيء من ماضي أعمالهم "كتاب الورع ص ١٥٤ هـ"٣" عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ تحقيق الدكتورة زينب إبراهيم القاروط- ن دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان-ط/١"١٤٠٣هـ-١٩٨٣م".
(٢) الأمر بالمعروف والنهي عن لمنكر ص ٤٦ لأبي بكر الخلال، دراسة وتحقيق عبد القادر أحمد عطا- ن دار الكتب العلمية- بيروت- ط/١"١٤٠٦هـ-١٩٨٦م"، ودار الباز- مكة المكرمة.
(٣) رفعه القاضي أبو يلعى عن أسامة بن زيد ﵁ " كتاب المعتمد في أصول الدين ص ١٩٦، حققه وقدم له الدكتور ودبع زيدان حمدان- ن دار المشرق- بيروت- لبنان والمكتبة الشرقية- بيروت- ط/إدارة معهد الآداب الشرقية، وبعد البحث عنه لم أجده إلا عند الديلمي عن أنس بن مالك ﵁- ولم يذكر له إسنادا- بلفظ: " لا ينبغي للرجل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يكون فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عالم بما ينهى، عدل فيما ينهى" " كتاب فردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب ٥/٢٦٩ ح: ٧٨٥٧ تأليف الحافظ شيرويه ابن شهر دار شيرويه الديلمي ومعه تسديد القوس للحافظ ابن حجر العسقرني، قدم له حققه وخرج أحاديثه فواز =
[ ١٤٤ ]
كان فقهيا فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمربه حليما فيما ينهى عنه"١ اهـ.
ورفعه ﵀ في موضع آخر قائلا: " كما جاء في الحديث: " ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه"٢ فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر، والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود، والحلم بعد الأمر ليصبر على أذى المأمور المنهي، فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك"٣.
يتضح لنا مما سبق شدة تأثر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بمن سبقه من العلماء خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث إن ما قرره من قواعد نظرية في صفات المحتسب ما هي إلا امتداد لما قعده أهل العلم من قبله.
واشتراط العلم في المحتسب أمر في غاية الأهمية، لأنه إن كان جاهلا بالأمر المحتسب فيه فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر٤ فيفسد من
_________________
(١) =أحمد الزمرلي، محمد المعتصم بالله البغدادي- ط/١ بيروت- لبنان "١٤٠٧هـ-١٩٨٧م"، وذكره العلامة المتقي الهندي في كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ٣/٧٦ ع: ٥٥٦١، ضبطه وفسر غربيه الشيخ بكري حياني، صحيحه ووضع فهارسه ومفتاحه الشيخ صفوة السقا- ن مكتبة الرتاث الإسلامي- حلب- مطبعة الثقافة- طلب- ط/١"١٣٩٤هـ-١٩٧٤م"، والذي ترجح لي بعد البحث أن النص المذكور من الآثار كما في ص "١٤٤" عن سفيان الثوري ﵀ ولم يثبت صحة رفعه للرسول ﷺ والله أعلم.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٨/١٣٧، والحسبة في الإسلام ص ٨٤، تحقيق سيد محمد بن أبي سعدة- نمكتبة دار الأرقم- الكويت- ط/١"١٤٠٣هـ-١٩٨٣م".
(٣) وقد ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. راجع ص "١٤٣" من هذا البحث.
(٤) مجموع الفتاوى ١٥/١٦٧.
(٥) انظر أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/١٧٣: تأليف محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي- ن عالم الكتب- بيروت- ط/بدون.
[ ١٤٥ ]
حيث أراد الإصلاح وفي ذلك يقول ابن حزم: " لا يجوز أن يدعو إلى الخير إلا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف إلا من عرفه، ولا يقدر على إنكار المنكر إلا من ميزه"١ ا. هـ.
والعلم بحسب أهميته على درجات:
أولا: أهم ما على المحتسب تعلمه التوحيد الذي بتعلمه والعمل به وتعليمه تتحقق الغاية من خلق الإنسان المتضمن لها لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢، فهو أول ما دعت إليه الرسل قاطبة وأمرت به أقوامها قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.
وهو أهم ما بدأ به مجدد التوحيد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حيث ذكر ﵀ أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤: "شدة الحاجة إلى تعلم التوحيد، فإذا كان الأنبياء يحتاجون إلى ذلك ويحرصون عليه فكيف بغيرهم؟ ففيها رد على الجهال الذين يعتقدون أنهم عرفوه فلا يحتاجون إلى تعلمه"٥.
ولقد أكد على ذلك في بعض رسائله كرسالته التي أرسلها إلى من تصل إليه من أهل العلم الصابرين حيث قال ﵀:
_________________
(١) الأحكام في أصول الأحكام ٢/٦٩٤- ن زكريا علي يوسف- ط/مطبعة العاصمة – القاهرة- دار الاعتصام.
(٢) سورة الذاريات آية ٥٦.
(٣) جزء من الآية ٣٦ من سورة النحل.
(٤) سورة الزمر آية ٦٥.
(٥) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- القسم الرابع- التفسير ص ٣٤٥.
[ ١٤٦ ]
" فلا تغفلوا عن طلب التوحيد وتعلمه واستعمال كتاب الله وإجالة الفكر فيه"١.
وقال ﵀ محتسبا على عبد الرحمن بن ربيعة مطوع أهل ثادق٢:
"فإن استقمت على التوحيد وتبينت فيه ودعوت الناس إليه وجاهرت بعداوة هؤلاء خصوصا ابن يحيى لأنه من أنجسهم وأعظمهم كفرا وصبرت على الأذى في ذلك فأنت أخونا وحبيبنا وذلك محل المذاكرة في المسائل التي ذكرت، فإن بان الصواب معك وجب علينا الرجوع إليك، وإن لم تستقم على التوحيد علمًا وعملا ومجاهدة فليس هذا محل المراجعة في المسائل، والله أعلم"٣.
كما قال ﵀ أيضا في رسالة جوابية لرجل لم يذكر اسمه في المصادر:
"وإن كانت نفسك عليك عزيزة ولا ترضى لها بالهلاك فالتفت لما تضمنت أركان الإسلام من العلم والعمل خصوصا الشهادتين من النفي والإثبات، وذلك ثابت من كلام الله ورسوله"٤.
وجاء في احتسابه ﵀ على مطاوعة أهل الدرعية ما نصه:
"وإن لم تعلموا وكانت المسألة من الواجبات مثل التوحيد فالواجب عليكم
_________________
(١) الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية والثلاثون ص ٢٧١والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٥٠.
(٢) ثادق: بفتح الثاء، فلألف، فدال مكسورة، فقاف وهذا الاسم يطبق على موضعين مشهورين أحدهما واد غرب " القصيم" يسيل في " وادي الرمة"..وهذا هو الذي ذكره الشعراء ورسم له في كتب المنازل والديار..والآخر بلد واقع في إقليم"المحمل" من اليمامة، وهو قاعدة الإقليم. " المعجم اليمامة ١/٢٢١ مختصرا"، وتقع مدينة ثادق في وسط منطقة المحمل بمنطقة الرياض، شمال غرب مدينة الرياض بما مسافته حوالي "١٥٠"كم " انظر المرجه السابق ١/٢٢٤، انظر ثادق ص ١٩: محمد بن عبد الرحمن الموسي- ط/١"١٤١٥هـ-١٩٩٥م"- مطابع الخالد للأوفست- الرياض.
(٣) الرسائل الشخصية- الرسالة الرابعة والعشرون ص ١٦٧، الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٧٦.
(٤) الرسائل الشخصية- الرسالة الخامسة والعشرون ص ١٧١، الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٧٢.
[ ١٤٧ ]
أن تطلبوا وتحرصوا حتى تفهموا حكم الله ورسوله في تلك المسألة"١.
ثانيا: كذلك يجب على المحتسب أن يهتم بطلب العلم الشرعي في الفروع من العبادات والمعاملات.
"فإن الفقه في الدين من الأمور الضرورية للمحتسب في عمله"٢.
وذلك ليستطيع أن يميز بين المعروف والمنكر، حتى يأمر بالأول وينهى عن الثاني٣.
فلا يتأتى عليه الاحتساب حتى يكون لديه " علم بالمنكرات الظاهرة" ٤ وبأدلتها الشرعية، فلا يحكم على أمر بأنه منكر إلا إذا قام عليه دليل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ، أو إجماع المسلمين٥ فكما أن من يعالج المريض يحتاج إلى فهم بالمرض والدواء أن يكون طبيبا جيدا٦ فكذلك المحتسب يحتاج إلى علم وفهم بأمراض المجتمع وانحرافاته فلا بد من العلم بالأمور الآتية:
١-أصل الداء والمرض، ٢-طبيعته وأعراضه، ٣-الدواء الناجح لعلاجه، وبذلك يستطيع أن يحدد الداء والدواء ليصل إلى الغاية المرجوة
_________________
(١) الرسائل الشخصية- الرسالة الخامسة والثلاثون ص ٢٤٠.
(٢) نظام الحسبة في العراق حتى عصر المأمون نشأته وتطوره ص ٩٨: رشاد عباس معتوق- ن تهامة- ط/١ "١٤٠٢هـ-١٩٨٢مط –مطابع دار البلاد.
(٣) انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ١٠٦: الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس- ن دار الفرقان- عمان ط/ ٣" ١٤٠٤هـ-١٩٨٢م"، مطبعة النور النموذجية- عمان – الأدرن.
(٤) الأحكام السلطانية ص ٢٨٥ للقاضي أبي يعلى الفراء.
(٥) القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٧٥: تأليف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي- ن مكتبة دار السلام- الرياض- ط/١"١٤١٢هـ".
(٦) أصول الدعوة ص ٤٧٩ تأليف: الدكتور عبد الكريم زيدان- ن مكتبة القدس- بغداد- دار الوفاء- المنصورة- ط/٦"١٤١٣هـ-١٩٩٢م"، خاصة بمصر.
[ ١٤٨ ]
لأقصر طريق١، بإذن الله.
ثالثا: من لوازم الاحتساب أيضا أن يتعلم المحتسب كيفية الاحتساب، وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في حديثه عن الرفق في الأمر الآنف الذكر٢، كما يتعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجالاتها وموانعها ليقتصر على حد الشرع فيها٣، فإن إلمامه بالمحيط والظروف والأوضاع الفكرية والاجتماعية التي تحيط بمجال عمله، يمكنه من ممارسته عملية التغير وانتهاج الأسلوب والطريقة المناسبة٤، وأهم ما على المحتسب معرفته قبيل احتسابه حال المحتسب عليه "المأمور والمنهي"٥.
ومما تجدر الإشارة إليه أن على المحتسب التثبت في الرواية فلا يروي حديثا إلا وقد ثبت لديه صحة نسبته للرسول ﷺ حتى لا يتخبط في احتسابه من حيث لا يشعر فيأمر بخلاف السنة أو ينهى عن بعضها والعياذ بالله.
ولقد احتسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على محمد بن عباد٦ لما
_________________
(١) انظر مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن املنكر ص ٧١ تألأيف: فاروق عبد المجيد حمود السمارائي- ن دار الوفاء جدة- ط/ مطابع دار المطبوعات الحديثة بجدة.
(٢) راجع ص ١٤٣ من هذا المطلب.
(٣) انظر الحسبة والمحتسب في الإسلام ص ٧٩- نصوص جمعها وقدم لها الدكتور نقولا زيادة- ن المطبعة الكاثوليكية بيروت –ط/"١٩٦٣م".
(٤) انظر الأمر بالمعروف والنهي عن النكر ص ٤٤: لجنة التألأيف –ن مؤسسة البلاغ- خواندنيها- ط/١"١٤٠٥هـ-١٩٨٥م".
(٥) انظر: الحسبة في الإسلام ص ٨٣، وانظر: مجموع الفتاوى ٢٨/١٣٦.
(٦) هو: محمد بن عباد الدوسري من آل عوسج، ولد في بلدة البير- إحدى قرى المحمل- نشأ فيها ثم انتقل إلى الحوطة سدير، عين قاضيا لبلدة ثرمدا وجلس في القضاء وحتى توفي سنة "١١٧٥هـ" "علماء نجد خلال ستة ٣/٨١٢-٨١٣ باختصار".
[ ١٤٩ ]
استدل بحديث: "اطلبوا العلم ولو من الصين" ١ قائلا:
"جزمك بأن النبي ﷺ قال: اطلبوا العلم ولو في الصين: فلا ينبغي أن يجزم الإنسان على رسول الله ﷺ بما لا يعلم صحته، وهو من القول بلا علم، فلو أنك قلت روي، أو ذكر فلان، أو ذكر في الكتاب الفلاني لكان هذا مناسبا، أما الجزم بالأحاديث التي لا تصح فلا يجوز، فتفطن لهذه المسألة فما أكثر من يقع فيها"٢.
وبالجملة فإنه لا بد للآمر بالمعروف والناهي عن املنكر أن يطلب العلم ويلحق بركاب العلماء حتى يجد النور ساطعا في كل فج يسلكه، وحتى يعضد أمره ونهيه بالأدلة الشرعية مما يجعل الحجة معه ومن ثم يكون لأمره ونهيه تأثير في المجتمع٣ بإذن الله.
وتمام العلم العمل به فلا قيمة للعلم بلا عمل ولا قيمة للعمل بدون علم.
_________________
(١) ١أورده ابن عبد البر عن أنس بن مالك بلفظ: " ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم" في جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ص ٢٧، الخطيب البغدادي في الرحلة في لطلب الحديث ص ٧٢، حققه وعلق عليه نور الدين عتر- ن دار الكتب العلمية- بيروت ط/١"١٣٩٥هـ-١٩٧٥م"، وذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ: ١/٢١٥، ضبط وتقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان – ن محمد عبد المحسن صاحب المكتبة لسلفية بالمدينة المنورة ط/١"١٣٨٦هـ"، والسيوطي في الآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١/١٩٣، وضعفه السخاوي في المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ص ٨٦-ح:١٢٥، دراسة وتحقيق محمد عثمان الخشت- ن دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان- ط/٢"١٤١٤هـ-١٩٩٤م"، وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٢٧٢ وقال: إن لفظه مشهور وأسانيده ضعيفة، بتحقيق العلامة عبد الرحمن ابن يحيى المعلمي اليماني- ن المكتب الإسلامي- بيروت- دمشق ط/٣"١٤٠٢هـ" بيروت.
(٢) الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية ص ١٨، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٦٨.
(٣) صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ص ٣٦: الدكتور عبد العزيز بن أحمد المسعود- ن دار الوطن- الرياض- ط/١"١٤١٤هـ".
[ ١٥٠ ]
قال الإمام الحسن البصري ﵀: " إذا كنت آمرا بالمعروف فكن من أأخذ الناس به إلا هلكت
وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر فكن من أنكر الناس به وإلا هلكت"١.
وقد أجمل الإمام ابن الجوزي ﵀ هذا المعنى بعبارة بليغة قال فيها:
"من لم يعمل بعلمه لم يدر ما معه حامل المسك إذا كان مزكوما فلا حظ له فيما حمل"٢.
ولقد نوه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى هذا المعنى بقوله: "وأن يكون مطابقا للأمر"٣ أي أن يكون فعل المحتسب مطابقا لأمره حتى إذا وافته المنية وهو في حال إصلاح نفسه، كان خيرا له من أن يموت وهو ساع لإصلاح غيره دون نفسه فيحاسب على ترك واجبات وفرائض٤.
والوعيد في هذا الباب معلوم بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥.
فدلت الآية الكريمة على زجر من يأمر الناس بالخير وينسى نفسه من ذلك والله أعلم.
_________________
(١) الزهد ص ١١٨ للحسن البصري تحقيق د. محمد عبد الرحيم محمد- ط، ن دار الحديث- شارع جوهر القائد أمام جامعة الأزهر، انظر الزهد ص ٣١٨ للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني- الناشر دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة ٢"١٤١٤هـ-١٩٩٤م".
(٢) كتاب اللطف في الوعظ ص ٤٣ لابن الجوزي- ن دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- ط/١"١٤٠٥هـ-١٩٨٤م" بيروت لبنان.
(٣) ملحق المصنفات ص ١٢٥.
(٤) انظر: وشي الحلل في مراتب العلم والعمل" رسالته في فقه الدعوة وتزكية النفوس" ص٢٤: حسين العوايشة –ن دار الهجرة- الثقبة- الرياض- ط/١"١٤١٢هـ-١٩٩١م" بتصرف يسير.
(٥) سورة البقرة آية ٤٤.
[ ١٥١ ]
ولكن هذا لا يعني أن يتقاعس المحتسب عن احتسابه إذا رأى في نفسه قصورا فذلك من كيد الشيطان له ليصرفه عن طريق الخير الذي يسلكه.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية السابقة:
" فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية، فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف، وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه ولكنه- والحالة هذه- مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية، لعلمه بها ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، لهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك"١ اهـ.
عن أبي وائل٢: قال: قيل لأسامة لو أتيت فلانا٣ فكلمته، قال: إنكم لترون أني لا أكلمه، إلا أسمعكم إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه ولا أقول لرجل أن كان عليَّ أميرًا إنه خير الناس بعد شيء سمعته من رسول الله ﷺ قالوا وما سمعته يقول؟ قال سمعته يقول: " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق٤ أقتابه٥ في النار فيدور كما يدور
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ١/١٢٢.
(٢) هو: عبد الله بن بحير بفتح الموحدة وكسر المهملة، بن ريسان بفتح الراء وسكون التحتانية بعدها مهملة أبو وائل القاص، الصنعاني، وثقه ابن معين واضطرب فيه كلام ابن حبان " تقريب التهذيب ٢/٤٠٣ ت:١٩٦".
(٣) أي عثمان ﵁ كما في صحيح مسلم ك: الزهد –ب: عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله -٤/٢٢٩٠.
(٤) قال ابن الأثير: الاندلاق خروج الشيء من مكانه، يريد خروج أمعائه من جوفه- النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/١٣٠ مادة: "دلق".
(٥) الأقتاب: الأمعاء، واحدها: قتب بالكسر، وقيل هي جمع قتب وقتب جمع قتبة، وهي المعي، المصدر السابق ٤/١٠ مادة " قتب".
[ ١٥٢ ]
الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك، أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن النكر وآتيه"١.
ففي الحديث دلالة على هول العقوبة التي تنتظر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا لم يعمل بعلمه والله أعلم.
وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ قول أحد أهل العلم ولم يسمه: " يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضررًا ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية، لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولا سيّما إن كان مطاعا، أما إثمه الخاص به فقد يغفره الله وقد يؤاخذ به، وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة فإن أراد أنه الأولى فجيد وإلا فيستلزم سد باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره"٢اهـ.
وقال الفقيه السبكي رحمه الله٣: " لا يشترط في القيام به- أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أن يكون الآمر ممتثلا في نفسه لأنه تعلق به حقان، حق الكف في نفسه، وحق نهي غيره ولا يسقط حق حقا، وهذا لا ينافي أن الكمال أن يكون الآمر عاملًا بما يأمر به مجتنبا ما نهى عنه ليكون
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه- ك بدء الخلق- بب: صفة النار وأنها مخلوقة ح:٩،٤/١٤٧.
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣/٥٣.
(٣) هو: محمود بن محمد بن أحمد بن حطاب السبكي، أبو محمد، فقيه مالكي أزهري، ولد في " سبك الأحد" من قرى المنوفية سنة "١٢٧٤هـ- ١٨٥٨م" وتعلم بالأزهر وتوفي بالقاهرة سنة "١٣٥٢هـ-١٩٣٣م" " الأعلام ٧/١٨٦٥ باختصار".
[ ١٥٣ ]
أدعى بالقبول١ا. هـ.
إذن على المحتسب أن يبادر للعلم والعمل معا بهمة عالية قبل شروعه في الاحتساب، فإن وجد في نفسه خللًا فلا يثنيه ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه من كيد الشيطان ليصده عن هذا الخير العظيم، إنما عليه المبادرة إلى إصلاح نفسه بالتوبة والاستغفار وفعل الطاعات والسير قدما في طريق الإصلاح الوعر بعزم الجبال، إصلاح نفسه وإصلاح الآخرين على حد السواء.
روى الخطيب البغدادي رحمه الله٢ عن أبي برزة ﷺ قال قال رسول الله ﷺ: " مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها" ٣.
وقد ورد في تقسيم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ثمانية أصناف هي:
أولهم: أرباب القلوب والعزائم أخذًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ ٤ وهم المقصودون بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٥ وهم الصابرون أخذا بقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ
_________________
(١) المنهل العذب المورد شرح سنن الإمام أبي داود ٣/٣١٦ للإمام محمود محمد حطاب السبكي –ن المكتبة الإسلامية- ط/٢"١٣٩٤هـ-١٩٧٤م".
(٢) هو: أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر المعروف بالخطيب أحد الحفاظ المؤرخين، مولده في "غربة" بصيغة التصغير- منتصف الطريق بين الكوفة ومكة سنة " ٣٩٢هـ-١٠٠٢م" ومنشأه ووفاته ببغداد سنة "٤٦٣هـ-١٠٧٢م" " الأعلام ١/١٧٢ باختصار".
(٣) اقتضاء العلم والعمل ص ٤٩ للخطيب البغدادي حققها محمد ناصر الدين الألباني- ن المكتب الإسلامي ط/٥"١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م"، وصححه الألباني بالموضع نفسه هـ "٧١".
(٤) جزء من الآية ١٨٧ من سورة آل عمران.
(٥) جزء من الآية١١٠ من سورة آل عمران.
[ ١٥٤ ]
نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ١.
وثانيهم: قوم من أهل العلم والعمل متلبسون بكريم الخلق، تاركون لما كره الله، لا تأخذهم في الله لومة لائم، لكن فيهم حدة وصلابة في التعبير،، ففاتهم الرفق الواجب في الأمر والنهي فكانوا دون من قبلهم.
ثالثهم: علماء بما يأمرون، وينهون لكنهم غافلون عن الآفات المفسدة للأمر والنهي، فيغلب عليهم سوء الظن بالمسلمين.
ورابعهم: قوم صلحاء أخيار، ولكنهم لا يعرفون قواعد الأمر والنهي، ومنهم من يكون رفيقا صبورا على الأذى سرًا وجهرًا، ومنهم من يأمر وينهى بمقتضى الغيرة، ولكنهم لا يصبرون.
وخامسهم: العامة الذين رزقوا حظا من القبول بين الناس يخبطون في الأمر والنهي على غير علم فيفسدون أكثر مما يصلحون.
وسادسهم: وهم في الجهل كسابيقهم إلا أنهم غافلون عن كل ما يأمرون وينهون، مقارفون للمعاصي.
وسابعهم: دون الذين قبلهم وأخس، لأنهم نصبوا أنفسهم للأمر والنهي رياء وسمعة، واكتسابا للمحامد والرفعة، وتزينوا بزي الصالحين، وأخذوا سمتهم وسيلة لنيل مآربهم.
وثامنهم: ليس لهم نية ثابتة صحيحة، فهم يأمرون الضعفاء، ويضعفون عن الأقوياء مع قدرتهم، ويحابى بعضهم الأصحاب وذوي الهيئات لغرض شيطاني
_________________
(١) جزء من الآية ١٤٦ من سورة آل عمران.
[ ١٥٥ ]
مذموم١.
فمن وفقه الله لبلوغ المرتبة الأولى من تلك الأصناف فجاهد نفسه وزكاها حتى أشربت بالإخلاص والعلم والعمل كان هو المحتسب الأمثل: ﴿ذلك فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٢.
_________________
(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٢٠ لخلال، وهذا التقسيم من كلام المحقق/عبد القادر أحمد عطا.
(٢) جزء من الآية ٢١ من سورة الحديد.
[ ١٥٦ ]