حد علماء اللغة كلمة الرفق ببعض التعريفات منها:
١-لين الجانب١.
٢-لين الجانب ولطافة الفعل٢.
٣-لين الجانب وهو خلاف الضعف٣.
وقد بوب له البخاري في صحيحه فقال: " باب الرفق في الأمر كله".
موردا فيه حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما٤: " أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله ﷺ: مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: قد قلت: وعليكم" ٥.
فدل الحديث الشريف على محبة الله ﷿ للرفق في التعامل مع الناس حتى الأعداء منهم والله أعلم.
_________________
(١) غريب الحديث المجلدة الخامسة ٢/٣٥٤ للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي، تحقيق الدكتور سليمان بن إبراهيم بن محمد لعايد –ن دار المدني- جدة- ط/١"١٤٠٥هـ-١٩٨٥م".
(٢) أساس البلاغة ١/٣٥٧مادة: رفق للزمخشري- ن الهيئة المصرية العامة للكتاب- ط/٣"١٩٨٥م".
(٣) النهاية في غريب الح ديث والأثر ٢/٢٤٦ مادة: رفق.
(٤) هو: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح " تقريب التهذيب ٢/١٩ ت: ١٥٧ مختصرا".
(٥) صحيح البخاري- ك: الأدب – ب: الرفق في الأمر كله ٨/١٤.
[ ١٦٩ ]
قال ابن الأثير ﵀: الرفق: " لين الجانب وهو خلاف العنف: يقال منه رفق يرفُقُ ويرفِق"١ اهـ.
وعن عمرة يعني بنت عبد الرحمن٢ عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه" ٣.
وعن جرير٤ عن النبي ﷺ قال: "من يحرم الرفق يحرم الخير" ٥.
لذلك دعا ﷺ على من اتصف بضد هذه الصفة ممن ولي من أمور المسلمين شيئًا كما دعا لمن تحلى بالرفق منهم، فعن عبد الرحمن بن شماسة٦ قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئا وإن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر، أخي، أن أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/٢٤٦ مادة: رفق.
(٢) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، المدنية، أكثرت عن عائشة، كانت قبل المائة ويقال بعدها، انظر تقريب التهذيب ٢/٦٠٧ ت: "١٢".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ك: البر – ب: فضل الرفق ح: ٤/٢٠٠٣.
(٤) هو: جرير بن عبد الله البجلي اليماني، بسط له النبي ﷺ رداءه وأكرمه، وكان سيدا مطاعا بديع الجمال، أسلم في رمضان سنة عشر، وتوفي سنة "٥١هـ" " الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ١/٢٩١ ت: ٧٧٠ مختصرا".
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ك: البر – ب: فضل الرفق –ح: ٧٤- ٤/٢٠٠٣.
(٦) هو عبد الرحمن بن شماسة المهري، ثقة بعد المائة " الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ١/٦٣١ ت: ٣٢٢٢٠ باختصار".
[ ١٧٠ ]
بهم فارفق به" ١.
وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على فضل الرفق والحث على التخلق به وذم العنف.
روى الخلال٢ عن أبي عبد الله- أحمد بن حنبل ﵏- أنه سئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف ينبغي أن يأمر؟ قال يأمر بالرفق والخضوع٣.
وقال سفيان الثوري ﵀: اؤمر بالمعروف في رفق، فإن قبل منك حمدت الله ﷿ وإلا أقبلت على نفسك"٤.
ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر من غير منكر٥.
ولقد تخلق السلف ﵏ بهذا الخلق العظيم في احتسابهم قال أحمد ابن حنبل ﵀: كان أصحاب ابن مسعود ﵁ إذا أمروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلا رحمكم الله٦.
وقد تقدم ذكر القاعدة المشتركة التي قعدها الإمام سفيان الثوري وقررها
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه- ك: الإمارة ب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية ح:١٩،٣/١٤٥٨.
(٢) هو: أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر المعروف بالخلال، له التصانيف الدائرة، والكتب السائرة، صحب أبا بكر المروزي إلى أن مات، وقد كانت وفاته يوم الجمعة ليومين خليا من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ودفن إلى جانب قبر المروزي " طبقات الحنابلة٢/١٢-١٥ للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلي- ن دار المؤيد- بيروت لبنان-ودار المؤيد- الرياض بتصرف".
(٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٥٠ للخلال.
(٤) الجرح والتعديل ١/١٢٤ للإمام الحافظ ابن أبي حاتم- ن دار إحياء التراث العربي- بيروت- ط/١- مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد- الهند " سنة ١٢٧١هـ-١٩٥٢م".
(٥) الحسبة في الإسلام ص ٧٣، وجموع الفتاوى ٢٨/١٢٦.
(٦) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٤٧ لخلال.
[ ١٧١ ]
الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله في الرفق والحلم والعلم فلتراجع١.
كما مر آنفا كلام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حول الأسلوب الأمثل في الاحتساب على من يخشى عليه الإخلال بالإخلاص والذي ذكر فيه استخدام الرفق٢.
وهكذا.. فإن المحتسب إذا كانت شيمته الرفق ولين القول وطلاقه الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فإن ذلك أبلغ في استمالة القلوب٣.
والشواهد على رفق الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالمحتسب عليهم عديدة منها قوله:
"وصل كتابك وسر الخاطر جعلك الله من أئمة المتقين ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين "٤.
وقوله ﵀: "وصل الخط أوصلك الله ما يرضيه "٥.
وقوله ﵀: " وصل إلينا من ناحيتكم مكاتيب فيها إنكار وتغليظ عليّ ولما قيل إنك كتبت معهم وقع في الخاطر بعض الشيء لأن الله سبحانه نشر لك من الذكر الجميل وأنزل في قلوب عباده لك من المحبة مالم يؤته كثيرا من
_________________
(١) انظر ص"١٤٣-١٤٤" من هذا البحث.
(٢) راجع ص "١٤٠" من هذا البحث.
(٣) انظر دراسات في الحسبة والمحتسب عند العرب- دراسة: الخدمات البلدية في الحضارة العربية ص ٤٩ للأستاذ سالم الألوسي- ن مركز إحياء التراث العلمي العربي- بجامعة بغداد- ط/ مطبعة العمال المركزية.
(٤) جزء من رسالته إلى السويدي عالم العراق، الرسائل الشخصية- الرسالة الخامسة ص ٣٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية١/٥٤.
(٥) جزء من رسالته إلى حمد التويجري، الرسائل الشخصية- الرسالة العاشرة ص ٦٠، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/١٠٦.
[ ١٧٢ ]
الناس لما ذكر عنك من مخالفة من قبلك من حكام السوء، وأيضا لما أعلم منك من محبة الله ورسوله وحسن الفهم واتباع الحق ولو خالفك فيه كبار أئمتكم فكنت أحكي لمن يتعلم مني ما منّ الله عليك من حسن الفهم ومحبة الله والدار الآخرة فلأجل هذا لم أظن فيك المسارعة في هذا الأمر لأن الذين قاموا فيه مخطؤن على كل تقدير"١.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن:
هل الرفق يكون دائما؟؟ أو في بعض الأحيان دون بعض؟
إنّ ما ذكر آنفا.. لا يعني أن الرفق هو الأسلوب الوحيد للاحتساب، أو أنه لا يجوز تركه في بعض الأحيان٢ فإنّ المرء قد يداوي أحب الناس إليه بالكي أو ببتر عضو من أعضائه٣ فإذا لم ينفع الرفق تحول المحتسب إلى الشدة٤.
وهذا ما نبه إليه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ بقوله: " والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق والردي، فيجب نهيه وإعلانه لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة له"٥.
_________________
(١) جزء من رسالته إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف المتقدم ذكرها- راجع ص "١٦٤" هـ ط٤" من هذا البحث.
(٢) انظر أصول الدعوة ص ١٩٩.
(٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه ص ١٩٥.
(٤) أصول الدعوة ص ١٩٩.
(٥) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٤٧للخلال، وجامع بيان العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم٢/٢٧٢.
[ ١٧٣ ]
كذلك في حالة ظهور منكر أو ترك معروف من قبل أشخاص لا يتوقع ذلك منهم، لما عرف من معرفتهم بأمور الدين أو صلاحهم أو ورعهم، فيستخدم معهم أسلوب الشدة والتعنيف كي يكون وقع الإنكار في قلوبهم أبلغ وأشد فيبتعدوا عما صاروا إليه١.
ولقد أجمل ذلك كله الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله:
"إنا نعمل الزين ونغضب٢ الذي يدنا٣ عليه وننهى عن الشين ونؤدب الناس عليه"٤.
هذا التأديب أو هذه الشدة تكون في أضيق الحالات ولنوعية محدودة من أصناف المحتسب عليهم، أما أكثر الناس فالأصل معهم استعمال الرفق.
_________________
(١) انظر من صفات الداعية اللين والرفق ص ٥٠: د. فضل إلهي ظهير- ن إدارة ترجمان- الإسلام سي ٣٣٦-باكستان- ط/١"١٤١١هـ-١٩٩١م"- مطبعة سفير- الرياض.
(٢) كلمة عامية معناها: نجبر.
(٣) لعل المقصود بيدنا "اليد" بمعنى الكف وهي كتابة عن القدرة بمعنى: " الذي نقدر عليه" والله أعلم.
(٤) الرسائل الشخصية – الرسالة السابعة ص ٤٤، الدرر لسنية في الأجوبة النجدية١/٤٣.
[ ١٧٤ ]