لم يقف احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في توحيد الألوهية عند درجة الإنكار باللسان والقلم فحسب، بل تجاوزه إلى درجة الإنكار باليد لما تحقق له شرط الاستطاعة، فالإنكار باليد لا يجب إلا مع الاستطاعة، كما سبقت الإشارة إليه١ كذلك لم يشرع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إزالة الأوثان التي ألفها الناس وتعلقوا بها من دون الله إلا بعد أن تعاضد مع الأمير عثمان بن معمر ﵀ مستمدا قوته من قوته وهيبته من هيبته، وهذا من فقه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقواعد إنكار المنكر.
ويذكر المؤرخ ابن بشير ﵀ في تاريخه قصة كانت سببا مباشرا لانتقال الإمام محمد بن عبد الوهاب من حريملاء إلى العيينة ومن ثم التعاضد مع أمير عثمان بن معمر ٢ الذي كان خير عون له بعد الله ﷿ في قيامه بالحسبة وإليك نصها:
" كان رؤساء أهل حريملاء قبيلتين، أصلهما قبيلة واحدة، وهم رؤساء وكل منهم يدعي القول وليس للأخرى على الثانية قول ولا للبلد رئيس يزع الجميع وكان في البلد عبيد لإحدى القبيلتين يقال لهم
_________________
(١) راجع ص"٢١٠-٢١٥" من هذا البحث.
(٢) هو: عثمان بن حمد بن معمر النجدي رئيس "العيينة" من بلاد نجد في بدء أيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قتله بعض أنصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما تحققوا منه نقض العهد وذلك في مسجد العيينة بعد انتهائه من صلاة الجمعة وكان ذلك عام "١١٦٣هـ-١٧٥٠م" " الأعلام ٤/٢٠٤ باختصار".
[ ٢٧٦ ]
الحميان١. كثير تعديهم وفسقهم. فأراد الشيخ أن يمنعوا من الفساد وينفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهمَّ العبيد أن يفتكوا بالشيخ ويقتلوه بالليل سرا. فلما تسوروا عليه جدار علم بهم أناس فصاحوا بهم فهربوا. فانتقل الشيخ بعدها إلى العيينة ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر. فتلقاه بالقبال٢ وأكرمه وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر٣. وعرض على عثمان ما قام به ودعا إليه وقرر٤ له التوحيد وحاوله على نصرته٥ وقال: " إني أرجوإن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى وتملك نجدا وأعرابها، فساعده عثمان على ذلك، فأعلن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبعه أناس من أهل العيينة"٦اهـ.
ولقد مر معنا آنفا كيف فشا الشرك بين الناس متمثلا في عدة صور منها:
١-التبرك ببعض الأشجار كشجرة قريوه والذيب والطرفية والفحال.
٢-بناء القباب على بعض القبور كقبة قبر زيد بن الخطاب وقبة قبر أبي طالب٧.
ولن تكون العودة إلى الحياة الأولى حيث التوحيد والعزة.
_________________
(١) وفي علماء الدعوة: آل حمين "ص٩" وهذا هو الصواب والله أعلم.
(٢) أي بالترحيب.
(٣) هي الجوهرة بنت عبد الله بن معمر، التي نزل محمد بن سعود بن محمد بن مقرن في أمانها هو ومن معه كما أشار إليه المؤرخ ابن بشر في عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٢٣٧ "سابقة١١٣٩".
(٤) أي عرفه به.
(٥) أي حاول معه حتى أقنعه بنصرته.
(٦) عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩، وانظر علماء الدعوة ص ٩-١٠.
(٧) راجع ص"٤٠ط وص "٤٧" من هذا البحث.
[ ٢٧٧ ]
الحقة إلا بهدم هذه الأشياء المبتدعة والخرافات١ لذلك كان هدف الإمام محمد بن عبد الوهاب الأول القضاء على كل ما ينافي التوحيد من مظاهر الشرك الوثنية٢ فشمر ﵀ عن ساعديه بعد أن تعاضد مع أمير العيينة عثمان بن معمر وأشهر احتسابه على المنكرات الشركية لإزالة الأوثان ومظاهر الشرك التي كانت على نوعين:
_________________
(١) انظر تاريخ المملكة العربية السعودية ص ١٣٦: سيد محمد إبراهيم- ن دار وهدان- القاهرة.
(٢) انظر أسس الحركة الوهابية رد على مقال للدكتور محمد البهي في نقد الوهابية ص ١٥ للدكتور محمد خليل هراس- ن دار الكتاب العربي –بيروت- ط/مطابع الغد.
[ ٢٧٨ ]