والعشور في اللغة: النقصان١ وهي جمع العُشْر، والعشر: الجزء من عشرة أجزاء٢، والعشر، كانت الملوك تأخذه من أموالهم، والعشّار: قابض العشر٣.
وفي الحديث عن عثمان بن أبى العاص ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "تفتح أبواب السماء نصف الليل، فينادي مناد هل من داعٍ فيستجاب له؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مكروبٍ فيفرج عنه؟ فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلاَّ استجاب الله تعالى له؛ إلاَّ زانية تسعى بفرجها، أو عَشَّارًا" ٤.
أما المكوس: فهي جمع المَكْس.
وهو في اللغة: النقص والمكس: انتقاص الثمن في البِيَاعة والمكس: ما يأخذه العشّار، يقول: كل من باع شيئًا أخذ منه الخراج أو العشر٥.
وفي الاصطلاح هو: الضريبة أو الجباية إلى يأخذها المُكَّاس ممن يدخل البلدان من التجار٦، وقد غلب استعمال المَكْس فيما يأخذه أعوان الظلمة
_________________
(١) ١ لسان العرب ٤/٢٩٥٢ عادة: [عشر] . ٢ القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا بتصرف يسير ص ٢٥١ عادة: [عشر] . ٣ لسان العرب ٤/٢٩٥٣ مادة: [عشر] بتصرف. ٤ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ح: ٢٩٧٠، ٣/٣٧٢، تحقيق الدكتور محمود الطحان- ن مكتبة المعارف- الرياض- ط/١ (١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٣/٤٧ ح: ٢٩٦٨ واستدرك على المناوي في عزوه الحديث للطبراني في المعجم الكبير، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٦٢، كما خرَّج نحوه أحمد بلفظ: "إلاَّ أن يكون ساحرًا أو عشارًا" المسند وبهامُشه كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال حديث عثمان ابن أبي العاص الثقفي ﵁ من مسند المدنيين ٤/٢٢، وحديث عثمان بن أبي العاص عن النبي ﷺ من مسند الشاميين ٤/٢١٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: رجال أحمد رجال الصحيح ٣/٨٨. ٥ لسان العرب ٦/٤٢٤٨ مادة: [مكس] . ٦ انظر القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا ﷺ ٣٣٨ مادة: [المكس] .
[ ٣٧٨ ]
عند البيع والشراء١.
وصاحب المكس هر الذي يعشر أموال المسلمين ويأخذ من التجار والمختلفة إذا مرّوا عليه وعبروا به مكسًا باسم العشر، وليس هو بالساعي الذي يأخذ الصدقات فقد ولي الصدقات أفاضل الصحابة وكبارهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم٢.
وفي حديث المرأة الغامدية التي زنت وجاءت للنبي ﷺ ليقيم الحد عليها فقال ﷺ فيها بعد رجمها: " لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْس لغُفر له" ٣.
وهذا مما يدل على عظم ذنب صاحب المكس وأنه أعظم من ذنب الزنا، والله أعلم.
ويدل على تحريم العشور والمكوس عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية٤.
وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على أخذ العشور والمكوس.
قال ابن غنام حاكيًا عن قومه الذين شكوه إلى سليمان آل محمد رئيس بني خالد والأحساء: (وصاحوا عنده٥ وقالوا: إنَّ هذا يريد أن يخرجكم من ملككم، ويسعى في قطع ما أنتم عليه من الأمور ويبطل العشور والمكوس) ٦ ا. هـ.
ويخبر المؤرخ ابن بشر أنَّه لمّا تعاهد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب مع
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم ٣/١٣٢٤هـ (١) . ٢ سنن أبي داود ٣/٣٤٩هـ (٢) . ٣ جزء من حديث طويل أخرجه مسلم – ك: الحدود –ب: من اعترف على نفسه بالزنى ح٢٣٠ ٣/١٣٢٣. ٤ سورة النساء آية ٢٩. ٥ أي عند سليمان آل محمد. ٦ تاريخ نجد ص ٨٦ بتحقيق ناصر الدين الأسد.
[ ٣٧٩ ]
الأمير الإمام محمد بن سعود على النصرة والجهاد دار بينهما حوارٌ خالدٌ بدأه الإمام محمد بن سعود والذي جاء فيه:
(أريد أن أشترط عليك إنَّ لي على الدرعية قانونًا١ آخذه منهم في وقت الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذه منهم شيئًا. فقال الشيخ: فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها، فوقع تحقيق ظنه رحمه الله تعالى فإنَّه أتى إليه غنيمة عظيمة، فقال الشيخ: هذا أكثر مما أنت تأخذه على أهل بلدك) ٢.
هذا الإنكار اللطيف من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على الأمير محمد بن سعود فيما كان اعتاد أخذه من الضرائب خير شاهد على قوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الحق وقدرته الفائقة على الإقناع واستثارة الهمم فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.
_________________
(١) ١ القانون: مقياس كل شيء وطريقه. المعجم الوسيط ٢/٦٧٣ مادة: [قنا] ويقصد به هنا طريقته في الخراج الذي اعتاد أن يأخذه من أهل الدرعية. والله أعلم. ٢ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/١٢.
[ ٣٨٠ ]
المبحث الرابع: احتسابه في الحدود
المطلب الأول: احتسابه برجم المرأة الزانية:
الحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين، وحد الشيء منتهاه والحد: المنع وحددت الرجل: أقمت عليه الحد لأنَّه يمنعه من المعاودة١.
وحدود الله محارمه٢.
والحد في الاصطلاح: عقوبة مقدرة شرعًا٣، في معصية٤، وجبت لله تعالى زجرًا٥، سواء كانت حقًا لله أم للعبد٦، لتمنع من الوقوع في مثلها٧.
والمحصن: من وَطِئ امرأته في قُبُلِها في نكاح صحيح، وهما بالغان عاقلان حُرّان٨.
وأُحصن: تزوجن٩.
فأما الزنى: فهر كل وطء وقع على غبر نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا
_________________
(١) ١ الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٢/٤٦٢ مادة: [حدد] . ٢ كشاف القناع على متن الإقناع ٦/٧٧. ٣ الفقه الإسلامي وأدلته ٦/١٢. ٤ منح الشِّفا الشافيات في شرح المفردات ص٣٠٠ تأليف العلامة منصور بن يونس البهوتي- ن المطبعة السلفية- ومكتبتها- القاهرة (٣٤٣ هـ) بتصرف، والفقه الإسلامي وأدلته ٦/١٢ تأليف الدكتور وهبة الزحيلي- ن دار الفكر بدمشق- ط/٢ (١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥م) بتصرف. ٥ القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا ص ٨٣ مادة: [الحد] . ٦ الفقه الإسلامي وأدلته ٦/ ١٢. ٧ منح الشفا الشافيات في شرح المفردات ص٣٠٠. ٨ المبدع في شرح المقنع ٩/٦٢. ٩ المفردات في غريب القرآن ص ١٢١ مادة: [حصن] .
[ ٣٨١ ]
ملك يمين١.
وهو من أعظم المحرمات الموجبة للحد.
وحد الزاني المحصن القتل، بدليل قوله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاثٍ النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك الجماعة" ٢.
يدل هذا الحديث على أن حد الزاني المحصن هو القتل.
ووسيلة ذلك القتل الرجم بالحجارة حتى الموت، قال الإمام أحمد بن حنبل: (والرجم حق على من زنا وقد أحص إذا اعترف أو قامت عليه بيَنته) ٣.
وقال الحجاوي ﵀: (إذا زنى المحصن وجب رجمه بالحجارة وغيرها حتى يموت) ٤.
الدليل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ الطويل والذي فيه: " خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلًا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل لَيَقُولَنَّ العشيَّة مقالةً لم يقلها منذ استُخْلِف، فأنكر عليَّ وقال ما عَسيت أن يقول ما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله. مما هو أهله، ثم قال أما بعد: فإنّي قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عَقِلهَا ووعاها فليحدِّث بها حيث انتهت به راحلتُهُ، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أُحلُّ لأحد أن يكذب عليَّ، إن
_________________
(١) ١ نهاية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/٥٥٩ للإمام ابن رشد الحفيد- ن دار الكتب الحديثة- مصر- ط/مطبعة حسان القاهرة. ٢ صحيح البخاري- ك: الديات- ب: قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٩/٦. ٣ أصول السنة ص ٥٣- ن دار المنار- الخرج- ط/١ (ذو الحجة ١٤١١هـ) . ٤ الإقناع في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ٤/٢٥٠.
[ ٣٨٢ ]
الله بعث محمدًا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرَّجم فَقَرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقٌ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف " ١ الحديث.
وزاد أبو داود ﵀: " وأيم الله لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله ﷿ لكتبتها"٢.
وعند ابن ماجه ﵀: " وقد قرأتها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبته﴾ "٣.
قال الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀: "الشيخ والشيخة يعني الثيب والثيبة"٤.
وهذه الآية نسخت تلاوتها وبقي حكمه٥.
قال الإمام الشوكاني ﵀: (ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم) ٦ ا. هـ.
ويعلل الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ السبب في ذلك فيقول:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري- ك: المحاربين- ب: رجم الحبلى من الزنا- ٨/٢٠٩. ٢ سنن أبي داود- ك: الحدود- ب: في الرجم ح: ٤٤١٨- ٤/٥٧٢، وصححه الألباني في صحيح سن أبي داود ٣/٨٣٥ ح: ٣٧١٥. ٣ سنن ابن ماجه- ك: الحدود- ب: الرجم ح: ٢٥٥٣- ٢/٨٥٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٨١١٢ ح: ٢٠٦٧. ٤ موطأ مالك وشرحه تنوير الحوالك ٢/١٦٨. ٥ انظر أضواء البيان في تفسر القرآن بالقرآن ٦/٧، ولقد بسط فيه القول على أحكام الزنى وجمع فوائد قيمة فليراجع. ٦ نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار ٧/٢٥٤.
[ ٣٨٣ ]
(السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها) ١ا. هـ. والله تعالى أعلم.
ومن أدلة رجم المحصن ما رواه أبو هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: "كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال أَنشُدُك الله إلاَّ قضيت بيننا بكتاب الله فقام خصمه (وكان أفقه منه) فقال اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، قال قل: قال إنَّ ابني كان عسيفًا٢ على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالًا من أهل العلم، فأخبروني أنَّ على ابني جلد مائةٍ وتغريب عام وعلى امرأته الرجم، فقال النبي ﷺ: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جلَّ ذكره المائة شاة والخادم رَدٌّ وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فان اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها.." ٣ الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إنّي زنيت فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلمّا شَهِدَ على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ: اذهبوا به فارجموه " ٤ الحديث.
سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة فقد حدثت بين يدي الشيخ الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀ قصة شديدة الشبه بهذه القصة، حيث جاءته امرأة
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٢/١٤٣. ٢ عسيفًا أي أجيرًا. (النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/٢٣٧ مادة: [عسف]) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه- ك: المحاربين- ب: الاعتراف بالزنا ٨/٢٠٧. ٤ المصدر السابق- الكتاب نفسه-ب: لا يرجم المجنون والمجنونة ٨/٣٠٥.
[ ٣٨٤ ]
قد تلطخت بالمعصية فجادت بنفسها لله ﷿ فأقرت بذنبها وتكرر منها الإقرار، كما فعل ذلك الرجل مع النبي ﷺ.
قال ابن بشر ﵀: (أتت امرأة إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنى والإحصان وتكرر منها الإقرار فسأل عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل وقال لعلك مغصوبة، فأقرت واعترفت بما يوجب عليها الرجم، فأمر عليها١ فرجمت) ٢.
ويذكر ابن دقيق العيد أنَّ الفقهاء استحبوا أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنا بالإقرار، وكأن الإمام لما كان عليه التثبت والاحتياط قيل له: ابدأ ليكون ذلك زاجرًا عن التساهل في الحكم بالحدود، وداعيًا إلى غاية التثبت٣.
ويقول ابن غنام ﵀: (وكان أول من رجها عثمان٤ نفسه. فلما ماتت أمر الشيخ أن يغسِّلوها وأن تُكفَّن ويُصلى عليها) ٥.
ولا شك في أنَّ اندفاع هذه المرأة إلى الاعتراف بخطيئتها، وإلحاحها في طلب تطهيرها بإقامة الحد عليها لم يكن إلاَّ أثرًا من آثار دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب٦ الذي بنشره للعلم والتوحيد أيقظ الضمائر النائمة في سبات المعاصي وأعاد القلوب المريضة إلى رحاب التوبة النصوح فجادت بنفسها
_________________
(١) ١ الصواب أن يقول فأمر بها. ٢ عنوان المجد ١/١٠. ٣ انظر إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٢/٤٢٤ للإمام الحافظ العلامة الفقيه المجتهد تقي الدين بن دقيق العيد أملاه علي الوزير عماد الدين بن الأثير الحلبي، حققها وقدّم لها وراجع نصوصها علامة مصر ومحدثها أحمد محمد شاكر - ن عالم الكتب- بيروت- ط/٢ (١٤٠٧هـ- ١٩٨٧م) . ٤ الأمير عثمان بن معمر. ٥ تاريخ نجد ١/٨٦ تحقيق ناصر الدين الأسد. ٦ محمد بن عبد الوهاب ص ٥٣ بتصرف يسير.
[ ٣٨٥ ]