الأناة والأنى: الحلم والوقار١.
والحلم بالكسر الأناة٢، والتثبت في الأمور وذلك من شعار العقلاء٣.
والحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام٤.
ولقد وصف الله تعالى إبراهيم ﵇ بهذه الصفة مادحا له في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ٥.
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ﴾ ٦ أي عقولهم٧.
لذلك قال ﷺ لأشج عبد القيس٨: " إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" ٩.
قال النووي ﵀: "وأما الحلم فهو العقل، وأما الاناة فهي التثبت وترك العجلة وهي مقصورة وسبب قول النبي ﷺ ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي ﷺ وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن
_________________
(١) لسان العرب ١/١٦١ مادة: أنى.
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٥/١٩٠٣ مادة: حلم.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/٤٣٤ مادة: حلم.
(٤) سورة هود آية ٧٥.
(٥) سورة هود أية ٧٥.
(٦) سورة الطور آية ٣٢.
(٧) تفسير القرآن العظيم ٧/٤١١، ومعجم غريب القرآن مستخرجا من صحيح البخاري وفيه ما ورد عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة ص ٤١ مادة: "ح ل م" وضعه محمد فؤاد عبد الباقي- ن دار المعرفة- بيروت- لبنان- ط/٢.
(٨) هو المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف وقيل اسمه المنذر بن عبيد وقيل المنذر بن عبيد وقيل اسمه عائذ ابن المنذر وقيل عبد الله بن عوف: صحيح مسلم بشرح النووي١/١٨٩.
(٩) أخرجه مسلم في صحيحه ك: الإيمان ب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ، "ح:٢٥"، ١/٤٨.
[ ١٦٢ ]
ثيابه ثم أقبل إلى النبي ﷺ وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبي ﷺ تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم فقال الأشج: يا رسول الله إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبي قاتلناه. قال: صدقت إنّ فيك خصلتين الحديث، قال القاضي عياض١ ﵀: فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب٢ا. هـ.
ولا يعني التأني في الأمور البلادة والكسل! إنما التفكر والحذر من زلل المستعجل، والرغبة في إصابة العاقل٣.
ولأن المحتسب بأمره ونهيه بخالف المألوف والشهوات الجامحة لدى أصناف المحتسب عليهم، فإنه غالبا ما يكون مرفوضا من قبلهم ممقوتا، مما يدفعهم إلى الإساءة إليه ومعاداته.
لذلك يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون حليما حتى لا يثور ويغضب عندما يجابه بشيء لا يرضيه أو لم يتوقعه، فيفسد أكثر مما يصلح، وحتى لا يثأر فيصبح الموضوع انتقاما للنفس وتشفيا لا إنكارا لرضى الله ﷾ ورغبة في تصحيح الأوضاع٤.
_________________
(١) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون البحصبي السبتي أبو الفضل. عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، ولد في سبته سنة "٤٧٦هـ-١٠٨٣م" وتفي بمراكش مسموما سنة "٥٤٤هـ-١١٤٩م" " الأعلام ٥/٩٩ باختصار".
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٨٩ الحاشية.
(٣) انظر نصيحة الملوك ص ١٥٢، للماوردي، تحقيق الشيخ خضر محمد خضر- ن مكتبة الفلاح- ط/١"١٤٠٣هـ-١٩٨٣م".
(٤) انظر أثر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة في حياة الأمة ص ٢٤: للشيخ عبد الله بن حسن بن محمد آل قعود –ن دار العاصمة- الرياض- ط/١ " جمادى الأولى ١٤١١هـ".
[ ١٦٣ ]
قال الإمام احمد بن حنبل ﵀ عندما سئل عن كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن لمنكر: " إن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد ينتصر لنفسه"١ ا. هـ.
فإن من يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحمله على عمله ذلك بغض لمن قام بأمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر أو الحمية والتشفي، كلا بل يحمله على ذلك أمور حميدة منها المحبة للمسلمين والرغبة في إسداء الخير إليهم، ومنعهم مما يؤول بهم إلى عصيان الله واستحقاق العقوبة على تلك المعاصي٢.
قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣.
ففي الآية دلالة على تأديب المسلمين بالعفو عن المعتدين والتجاوز عن المسيئين.
ومن هذا المنطلق كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حليما على من عاداه كريما مع من جفاه، لم ينتصر لنفسه، بل كان غضبه كله لله تعالى مثال ذلك رسالته لعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف التي ورد فيها:
"..فقد وصل إلينا من ناحيتكم مكاتيب فيها إنكار وتغليظ عليّ ولما قيل إنك كتبت معهم وقع في الخاطر بعض الشيء لأن الله سبحانه نشر لك من الذكر الجميل وأنزل في قلوب عباده لك من المحبة ما لم يؤته كثيرا من الناس"٤.
فتأمل كيف يحلم ويدفع السيئة بالحسنة ﵀.
هذا عن الحلم والأناة.
_________________
(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٥٠ للخلال.
(٢) مقاصد أهل الحسبة والأمور الحاملة لهم على عملهم في ضوء الكتاب والسنة ص ٥١: إعداد خالد بن عبد الرحمن الشايع- ندار بلنسية- الرياض- ط/١"١٤١٤هـ-١٩٩٣م" بتصرف يسير.
(٣) جزء من الآية ١٩٩ من سورة الأعراف.
(٤) الرسائل الشخصية- الرسالة السابعة والثلاثون ص ٢٥٠، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٣١.
[ ١٦٤ ]
أما التثبت فهو كما سبق من مرادفات الأناة، تثبت في الأمر والرأي، واستثبت: تأني فيه ولم يعجل١.
والتثبت صفة لأهل اليقين من المؤمنين وبسبب هذه الصفة التي فيهم يبين الله لهم الآيات والعلامات في الأمم التي مضت، حتى يستخرجوا العبر التي تقيهم ما وقع به غيرهم من غضب الله تعالى٢.
قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣.
ففي الآية الكريمة دلالة على بيان الآيات ووضوحها لأهل اليقين والتثبت.
قال الإمام الطبري ﵀: "وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون لأنهم أهل التثبت في الأمور، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة فأخبر جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه صفته"٤.
وإذا كانت الأناة والتثبت من الصفات الحميدة فإن ضدها وهي العجلة من أقبح الصفات الذميمة.
وقال الإمام ابن القيم ﵀ محللًا لصفة العجلة: " فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب وضع الأشياء في غير موضعها، وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنعه أنواعًا من الخير وهي قرين الندامة فقل من استعجل إلا ندم"٥.
_________________
(١) لسان العرب ١/٤٦٧ ماة: ثبت.
(٢) فقه الدعوة في إنكار المنكر ص ١٠٠.
(٣) سورة البقرة آية ١١٨.
(٤) جامع البيان في تفسير القرآن ١/٤٠٨.
(٥) الروح لابن القيم في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة والآثار وأقوال العلماء ص ٣٤٨- ن دار الكتب العلمية- بيروت – لبنان- ط/١"١٤٠٢هـ-١٩٨٢م".
[ ١٦٥ ]
وذلك تحرزا من الاندفاع وراء تيار اتهام الناس بالباطل قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
يذكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن معنى التبين في الآية هو التثبت٢.
وقد دلت الآية على أن الله تعالى يأمر بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين٣.
فالمندفع غير المتثبت يكون عرضة للندم ولات حين مندم.
قال الكسائي وغيره: التبين التثبت في الأمر٤.
أوصى أعرابي أولاده فقال:" إياكم والعجلة فإن أبي كان يكنيها أم الندم"٥.
فعلى الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يأخذ القول الذي يأتيه عن وجود منكر قولا مسلما بل عليه بالتحري والتثبت حتى لا يأمر إنسانا بمعروف لم يتركه أو ينهاه عن منكر لم يقترفه٦.
فإن الإنسان تكتنفه نوازع الخير ونوازع الشر وربما فكر في عمل منكر
_________________
(١) سورة الحجرات آية٦.
(٢) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- القسم الرابع- التفسير ص ٣٥٢ بتصرف.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٧/٣٥٠ بتصرف.
(٤) لسان العرب ١/٤٠٧ مادة: بين.
(٥) موسوعة أخلاق القرآن ٣/٢٧ للدكتور أحمد الشرباصي- ن دار الرائد العربي- بيروت لبنان – ط/١"١٤٠١هـ-١٩٨١م".
(٦) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ص ١٥٢.
[ ١٦٦ ]
لكنه تراجع عنه١.
ولقد فطن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذا الجانب فأكد عليه مرارا في بعض رسائله النفسية فقال ﵀ في رسالته لعبد الله بن محمد ابن عبد اللطيف محتسبا عليه:
"ينبغي للقاضي أعزه الله بطاعته لما ابتلاه الله بهذا المنصب أن يتأدب بالآداب التي ذكرها في كتابه الذي أنزل ليبين للناس ما اختلفوا فيه هدى ورحمة لقوم يوقنون فمن ذلك لا يستخفنه الذين لا يوقنون ويثبت عند سعايات الفساق والمنافقين ولا يعجل"٢.ا. هـ.
وجاء في رسالته التي كتبها إلى أحمد بن محمد بن سويلم وثنيان بن سعود:
"وهذه مسألة جليلة ينبغي التفطن لها وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣ فالواجب عليهم إذا ذكر لهم عن أحد منكر عدم العجلة فإذا تحققوه أتوا صاحبه ونصحوه فإن تاب ورجع وإلا أنكر عليه وتكلم فيه، فعلى كل حال نبهوهم على مسألتين:
الأولى: عدم العجلة، ولا يتكلمون إلا مع التحقق فإن التزوير كثير.
الثانية: أن النبي ﷺ كان يعرف المنافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم ما يوجب جهادهم جاهدهم"٤ا. هـ.
وقد مر آنفا احتسابه على مطاوعة أهل الدرعية حينما كان في بلدة
_________________
(١) انظر أضواء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٣٤: عبده غالب أحمد عيسى- ن دار الجيل- ط/١"١٤٠٧هـ-١٩٨٧م".
(٢) الرسائل الشخصية – الرسالة السابعة ة الثلاثون ص ٢٥١، ولدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/٣٢.
(٣) جزء من الآية ٦من سورة الحجرات.
(٤) الرسائل الشخصية- الرسالة الحادية والأربعون ص ٢٨٤، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٧/٢٦.
[ ١٦٧ ]
العيينة حيث- ذكر لهم- أنه لا يحل لهم الإنكار في حالة عدم التين والتثبت من الخطأ١.
وهكذا..يضع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ القواعد النظرية للاحتساب واحدة تلو الأخرى وفق ما تلقاه من أصول علمية راسخة.
_________________
(١) راجع ص "١٤٣" من هذا البحث.
[ ١٦٨ ]