الصبر في اللغة: الإمساك في ضيق ويضاده الجزع١.
وأصل الصبر: الحبس، وكل من حبس شيئا فقد صبره٢.
وهو في الاصطلاح:
كما عرفه ابن القيم ﵀: " حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما"٣ا. هـ.
" وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها"٤اهـ.
ولقد ميّز ﵀ بينه وبين القسوة فقال:
" والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبي يتخلق به العبد، وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي، فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والجوارح مما لا ينبغي فعله، وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية، وأما القسوة فيبس في القلب يمنعه من الانفعال، وغلظة تمنعه من التأثر بالنوازل، فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله"٥.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن ص ٢٧٣ مادة: " صب".
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٢/٧٠٢: مادة "صب".
(٣) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ٧.
(٤) المرجع السابق ص ٨.
(٥) الروح ص ٣٢٤.
[ ١٧٥ ]
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١.
فدلت الآية الكريمة على أهمية اقتران الأمر بالمعروف النهي عن المنكر بالصبر على الأذى في سبيلهما والله أعلم.
وقال ابن القيم ﵀ مقربا معنى الآية: " كقوله يا بني افعل المأمور واجتنب المحظور واصبر على المقدور"٢ ا. هـ.
والمعنى: اصبر على ما أصابك من المحن والبلايا، أو فيما أمرت به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الداعي إلى الحق معرض لإيصال الأذى إليه٣.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ٤ ٥.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
قال غير واحد من السلف: " الصبر نصف الإيمان".
وقال ﵀ أيضا: " الإيمان مبني على ركنين: يقين وصبر، وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ٦ ٧.
_________________
(١) جزء من الآية ١٧ من سورة لقمان.
(٢) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ٢٠.
(٣) أحكام القرآن ٤/٣٣٦ للإمام إلكيا الهراس، تحقيق موسى محمد علي والدكتور عزت علي عيد عطية- ن دار الكتب الحديثة-عابدين- مطبعة حسان، " القاهرة سنة ١٩٧٤م".
(٤) سورة إبراهيم آية٥، وسورة الشورى آية ٣٣.
(٥) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ٨٨.
(٦) سورة السجدة آية٢٤.
(٧) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ٨٨.
[ ١٧٦ ]
فدلت الآية الكريمة على أنهم لما كانوا صابرين على أمره تعالى وترك زواجره وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاءوهم به كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمره ويدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر١.
ولا تأتي الإمامة في الدين والتمكين إلا بعد التمحيص والابتلاء، فمن صبر وثبت عند الابتلاء موقنا بنصر الله نال شرف التمكين.
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
"سئل بعضهم أيما الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين٢.
وسئل الشافعي ﵀: " أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى، والله ﷿ ابتلى أولى العزم من رسله، فلما صبروا مكنهم"٣ا. هـ.
وحول ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين"٤.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: " بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"٥.
ويحلل ذلك فيقول: " فباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب، وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي، إنه من عند الله وبالثواب والعقاب إلا باليقين، ولا يمكنه الدوام
_________________
(١) تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير٣/٤٧١ اختصره، وعلق عليه واختار أصح رواياته محمد نسيب الرفاعي- ن مكتبة المعارف- الرياض- ط"١٤١٠هـ-١٩٨٩م" بتصرف.
(٢) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- القسم الرابع- التفسير ص ٣٠، ومختصر زاد المعاد ص ١٦٤.
(٣) المرجع السابق – مختصر زاد المعاد ص ١٦٤.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/٣٩.
(٥) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان٢/١٩٧، تحقيق محمد حامد الفقي- ن دار المعرفة- بيروت- لبنان- ط/بدون.
[ ١٧٧ ]
على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان والنصف الثاني الشكر بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه"١ا. هـ.
فلا بد من الابتلاء والإيذاء لمن حمل لواء الحسبة، ولا يظن المحتسب أن طريقه سيكون مفروشا بالأزهار والرياحين!.
بل على النقيض تماما طريقه مفروش بالأشواك ومحاط بالأسلاك فلا يستطيع المضي فيه إلا من أوتي حظا وافرا من الصبر واليقين لأن المحتسب بأمره ونهيه بخالف أهواء الناس، ومن يخالف أهواءهم يصوبون سهامهم إليه ويتفننون في إيذائه حتى يحمله ذلك على السآمة أو الفتور وهنا يتألق الإيمان القوي فيرتفع بهمة المحتسب إلى الآفاق ويزيد في تثبيته رغم أشواك الطريق، وتبقى حاجته للصبر كحاجة الإنسان للهواء والماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والصبر يتناول الصبر على المصائب التي منها أذى المأمور والمنهي للآمر الناهي"٢.
ولقد سبق ذكر القاعدة التي قررها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الحسبة والتي تتضمن حاجة من يامر بالمعروف وينهى عن المنكر إلى العلم والرفق والصبر٣.
فإذا كان صاحب المزرعة والمصنع والتجارة وطلاب الدنيا يصبرون على ما يجدون من مكروهات وتعب ومشقة من ترك الأهل والأولاد والغربة٤ فما
_________________
(١) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ٨٨.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/١٦٨.
(٣) راجع ص ١٤٣ من هذا البحث.
(٤) انظر العلم وفضله، أسباب تحصيله، آداب طلابه ص ٥٣ تأليف: عبد الواحد بن عبد الله بن عبد المحسن المهيدب- ن دار العاصمة- الرياض- ط/٢"١٤١٥هـ".
[ ١٧٨ ]
بالك بالمحتسب الذي يرجو ما عند الله والدار الآخرة؟
إن له في الأنبياء والرسل وعلى وجه الخصوص محمد ﷺ أسوة حسنة.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: " كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه١ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ٢.
فلا نصب ولا حزن ولا انتقام للنفس ولا دعاء بالشر، إنما دعاء بالخير والمغفرة للمعتدي ورباطة جأش وسكينة..تلك هي أخلاق النبوة الراقية التي تسمو بالإنسان إلى أعلى مراتب الإنسانية والتي ارتوى منها الشيخ الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀ وعلمها رجاله الأبطال: قال ﵀ في رسالته التي أرسلها لبعض الإخوان:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب إلى نغيمش وجميع الإخوان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
إن سألتم عنا فنحمد الله إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونخبركم أنا بخير وعافية، أتمها الله علينا وعليكم في الدنيا والآخرة، وسرّنا والحمد لله ما بلغنا عنكم من الأخبار من الاجتماع على الحق والإتباع لدين محمد ﷺ وهذا هو أعظم النعم المجموع لصاحبه بين خيري الدنيا والآخرة، عسى الله أن يوفقنا وإياكم لذلك، ويرزقنا الثبات عليه، ولكن يا إخواني لا تنسوا قول الله تعالى:
_________________
(١) قال الزبيدي: " اودميته" أنا "ودميته" تدمية إذا ضربته حتى خرج منه دم: تاج العروس ١٠/١٣٠ فصل الدال من باب الواو والياء مادة: "دمى".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ك: الأنبياء-ب: حديث بينا امرأة ترضع ابنها..٤/٢١٣، وك: الاستتابة- ب: حديث عبد الله كأني انظر٩/٢٠.
[ ١٧٩ ]
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢.
فإذا تحققتم أن من اتبع هذا الدين لا بد له من الفتنة، فاصبروا قليلا ثم ابشروا عن قليل بخير الدنيا والآخرة، واذكروا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٥.
فإن رزقكم الله الصبر على هذا وصرتم من الغرباء الذين يتمسكوا بدين الله مع ترك الناس إياه فطوبى أن كنتم ممن قال فيه نبيكم ﷺ: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل يا رسول الله من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس" ٦.
_________________
(١) جزء من الآية ٢٠ من سورة الفرقان.
(٢) سورة العنكبوت آية ٢-٣.
(٣) سورة غافر آية ٥١.
(٤) سورة الصافات الآيات ١٧١ إلى ١٧٣.
(٥) سورة المجادلة ٢٠-٢١.
(٦) أخرجه أبي عمرو الداني عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: " إن الإسلام بدأ.." في السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها ٣/٦٣٣ ب: قول النبي ﷺ: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا" بسند صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٢٦٧ ح: ١٢٧٣، وأورده الشاطبي في الاعتصام بلفظ: "بدأ الإسلام يصلحون عند فساد الناس" ١/١٨، ن المكتبة التجارية الكبرى بمصر- مطابع شركة الإعلانات الشرقية، وابن رجب بلفظ: =
[ ١٨٠ ]
فيا لها من نعمة ويا لها من عظيمة جعلنا الله وإياكم من أتباع الرسول وحشرنا تحت لوائه وأوردنا حوضه الذي يرده من تمسك بدينه في الدنيا، ثم أنتم في أمان الله وحفظه والسلام"١.
وقال ﵀ في رسالته التي أرسلها إلى من تصل إليه من الإخوان:
"فاصبروا يا إخواني واحمدوا الله على ما أعطاكم من معرفة الله سبحانه ومعرفة حقه على عباده ومعرفة ملة أبيكم إبراهيم في هذا الزمان التي أكثر الناس منكر لها، وأضرعوا إلى الله أن يزيدكم إيمانا ويقينا وعلما وأن يثبت قلوبكم على دينه، وقولوا كما قال الصالحون الذين أثنى الله عليهم في كتابه: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ٢ ٣.
تلك هي أبرز الصفات التي أكد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على المحتسب للتحلي بها، فمن وفقه الله للأخذ بها كان هو المحتسب الأمثل.
_________________
(١) = " بدأ الإسلام.. الذين يصلحون إذا فسد الناس" وعزاه إلى أبي بكر الآجري في كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة ص ١١ تحقيق محمد أحمد عبد العزيز- ن المكتبة القيمة- مصر والسودان- ط"١٤٠٢هـ-١٩٨٢م"، والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح ١/٦٠ " ح:١٧" بتحقيق الألباني عن عمرو بن عوف بلفظ: "وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من أمتي" وعزاه إلى الترمذي وضعف سنده الألباني في الموضع نفسه هـ"٢" إلا أنه صححه من رواية أبي عمرو الداني عن ابن مسعود كما مر آنفا.
(٢) الرسائل الشخصية- الرسالة السابعة والأربعون ص ٣٠٨، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٢/٣١.
(٣) سورة آل عمران آية ٨.
(٤) الرسائل الشخصية- الرسالة الثامنة والثلاثون ص ٢٧١، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٨/٥٠.
[ ١٨١ ]