لا تجتمع السنة والبدعة في آن واحد كما لا يجتمع الليل والنهار سويا، فكلما ازداد المسلم تمسكا بالسنة، ازداد بعدا عن البدعة وإنكار لها. والبدع من أبرز المنكرات العقائدية التي احتسب على أهلها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأولاها في حسبته اهتماما كبيرا، لما ظهر في مجتمعه من صور شتى للبدع والمحدثات.
والبدع مفردها بدعة.
والبدعة في اللغة: من بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه وابتدعت الشيء: اخترعته لا على مثال سابق١.
فأصل هذه الكلمة من الاختراع، وهو الشيء الذي يحدث من غير أصل مسبق ولا مثال ولا أُلف مثله عن أهل السنة٢.
والبدعة في الشرع هي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي- الطريقة- الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه٣.
وهكذا فالمراد بالبدعة ما أحدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة٤ مثل جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد٥.
_________________
(١) لسان العرب ١/٢٢٩-٢٣٠ مادة: " بدع" بتصرف.
(٢) انظر كتاب الحوادث والبدع ص٢٠.
(٣) الاعتصام ١/٣٧.
(٤) انظر جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم ٢/١١٨.
(٥) انظر المرجع السابق ٢/١١٩.
[ ٢٩٣ ]
عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع١ متفرقون يصلى الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر ﵁ إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر ﵁ نعمة البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله٢.
وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ٣ وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذم٤.
والبدعة أنواع:
النوع الأول: ما يكون في أصل العبادة بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة بأن يؤديها على صفة
_________________
(١) أوزاع: أي متفرقون. أراد كانوا يتنفلون فيه بعد صلاة العشاء متفرقين. " النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/١٨١ مادة: وزع".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه- ك: الصوم- ب: فضل من قام رمضان ٣/٨٥.
(٣) الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٢٤ لابن أبي شامة- ن مكتبة المؤيد- الطائف- مكتبة دار البيان- دمشق – بيروت- طط١٤١٢هـ-١٩٩١م".
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/١٠٧.
[ ٢٩٤ ]
غير مشروعة، ذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان، وليلته بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل١.
وقد حارب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ البدع بكافة أنواعها، ويرى أن الاحتساب عليها من أفضل القربات قال ﵀:
" الأمر بالسنة والنهي عن البدعة أمر بمعروف ونهي عن المنكر، وهو من أفضل الأعمال"٢.
كما يرى أنه فعل الخير المعلق به الفلاح، قال ﵀ في سياق تعليقه على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣: " فوالله الذي لا إله إلا هو إن فعل الخير اتباع ما شرع الله، وإبطال٤ من غير حدود الله، والإنكار على من ابتدع في دين الله، هذا هو فعل الخير المعلق به الفلاح خصوصا مع قوله ﷺ: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٥"٦اهـ.
_________________
(١) البدعة تعريفها، أنواعها، أحكامها ص ٦: لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان- ن دار العاصمة- الرياض- ط/١"١٤١٢هـ".
(٢) ملحق المصنفات ص ١٢٥.
(٣) سورة الحج آية ٧٧.
(٤) بمعنى الإنكار على غير حدود الله.
(٥) تقدم نصه وتخريجه راجع ص "٢٢٠" هـ"١".
(٦) الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية عشرة ص ٨٥، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/٢٦٤.
[ ٢٩٥ ]
فهذا الحديث قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الذين الذي يتقرب العباد به إلى الله، لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله وأنبيائه، وإلا فالبدع كلها ضلالة، وما عبدت الأوثان إلا بالبدع"٢اهـ.
فالإتباع للرسول ﷺ حصن حصين من الابتداع، وفي الأثر عن الزهري ﵀ أنه قال: " الاعتصام بالسنة نجاة"٣.
وفيه تحقيق معنى شهادة أن محمدا رسول الله، المكملة لكلمة التوحيد، فإذا كان معنى " لا إله إلا الله"كما مر سابقا- لا معبود بحق إلا الله٤ فإن من معنى " محمدا رسول الله": " لا متبوع بحق إلا رسول الله ﷺ"٥.
وقد قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معناها: " ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"٦ وبتحقيق معناها يغلق باب البدع التي قام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالاحتساب
_________________
(١) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣/٢٥٤.
(٢) الرسالة القبرصية ص ٤٧ من شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ملك قبرص بتقديم وتحقيق علي السيد صبح المدني عفا الله عنه- ن مكتبة المدني ومطبعتها- جدة – ط/"١٣٩٩هـ-١٩٧٩م".
(٣) أورده اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٥٦ ع:١٥، والآجري في الشريعة ص ٣١٣، وأخرجه مطولا أبو نعيم في الحلية ٣/٣٦٩، وابن المبارك في كتاب في كتاب الزهد ويليه كتاب الرقائق ص ٢٨١ ع: "٨١٧" للإمام عبد الله بن المبارك المروزي ﵀، وحققه وعلق عليه الأستاذ حبيب الرحمن الأعظمي ع:٨١٧ ص ٢٨١- ن دار الكتب العلمية- بيروت، واللالكائي في المصدر المذكور بالهامش نفسه ع:١٣٦-١٣٧، ١/٩٤-٩٥.
(٤) راجع ص"٢٣٨" من هذا البحث.
(٥) انظر البدعة وأثرها السيء في الأمة ص ٤٦ لسليم الهلالي- ن المكتبة الإسلامية- الأردن ط/١"١٤٠٤هـ"
(٦) الأصول الثلاثة وأدلتها ص ١٢.
[ ٢٩٦ ]
عليها، والتي منها:
[ ٢٩٧ ]