الفصل الأول: ترجمة موجزة وتتلخص في النقاط التالية:
نسبه، ولادته، بيئته، نشأته، طلبه للعلم، بداية دعوته، رحلاته في طلب العلم، مكان بدء نشر دعوته، وفاته.
أولا: هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن محمد بن مشرف، ثم إن آل مشرف بيت مشتهر، فمنهم من ينسب الشيخ له، ومنهم من نسبه إلى جد بعده، هم الوهبة، ومنهم من ينسبه إلى التميمي، وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسام نسبا متسلسلا إلى عدنان في كتابه "علماء نجد"، وقد أكد ذلك حسب ما اطلع عليه من كتب التراجم والأنساب.
ويقرب من الحقيقة لوجود الصهر بين البسام وجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إذ أن الشيخ عبد الوهاب أخواله البسام، وهذا المبحث في المجلد الأول من علماء نجد (٢٥) .
ثانيا: ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١١١٥هـ.
ثالثا: إنه من بيت علم كبير، والده وأجداده وأعمامه، ونهج نهجه أحفاده.
رابعا: نشأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب مولعا بحب العلم والمعرفة والاطلاع على العلوم الشرعية.
خامسا: درس على والده عبد الوهاب الفقيه المتنقل من روضة سدير إلى العيينة ثم إلى حريملاء، وتوفي عبد الوهاب فيها.
[ ٢٥٧ ]
سادسا: بدأ محمد بن عبد الوهاب في حدود عام ١١٤٠هـ ينشر آثار علمه وثمرات غرس والده من بيان الصحيح والفاسد من عبادات ومعاملات مجتمعه.
سابعا: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب امتد باعه إلى بعض العلماء المعاصرين في المدينة المنورة والبصرة، فرحل إليهم واستفاد من علومهم، ونهل من معينهم.
ثامنا: بدأ بنشر دعوته في حريملاء -البلدة التي توفي فيها والده- ولكن لكثرة صدأ القلوب فيها لم تكن عندها قابلية لدعوته، فآذوه أميرا ومأمورين. فانتقل إلى العيينة أملا منه وغلبة ظن بأن أميرها عثمان بن معمر سيساعده؛ لعلمه أن الحق لا بد له من سلطان وسيف وسنان يقمع به كل مارد وشيطان؛ لأن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن كما قال الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.
وفهم ذلك محمد بن عبد الوهاب من سيرة سيد ولد عدنان؛ إذ أقام بمكة يدعو ثلاث عشرة سنة فلم يستجب لدعوته إلا أفراد من الضعفاء والمساكين، وامتنع أهل الأموال والمتغطرسون.
ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة فقوي الإسلام لكثرة المسلمين، فشرع في صد المعاندين وجهاد الكافرين لما أبوا عن إجابة الداعين إلى رب العالمين، فأذل الله الكفر وأهله وأزهق الباطل وخذله، وبهذا يقول الشاعر:
دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا
والقرآن مملوء بالنصوص الآمرة بقتال الكفرة والمشركين؛ كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٢٩.
[ ٢٥٨ ]
وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
والمقصود أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذهابه إلى العيينة يلتمس نصرة لدعوته وعضدا يشد أزره ذا سلطان، فوعده عثمان بن معمر، ولكنه خذله بتهديد من ابن عريعر أمير الأحساء الذي هو أعلى منه قوة، ثم خرج محمد بن عبد الوهاب مختفيا إلى الدرعية، فشرع يلقي فيها الدروس، فآوى إلى مجلسه أميرها محمد بن سعود، فأنس به وشرح الله صدره لقبول نشر دعوته وحمايتها، وبدأ في ذلك عام ١١٥٨هـ.
واستمر على ذلك حتى محا الله على يديهما كل بدعة وخرافة، وكل شرك وضلال في الجزيرة العربية، واستمر أحفادهما على هذا الوعد والعهد حتى وقتنا الحاضر.
نسأل الله لنا ولهم الثبات في الحياة والممات.
تاسعا: توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١٢٠٦هـ في بلدة الدرعية بعد أن استقرت وانتشرت دعوته.
وما أحسن ما أوجزه ابن بدران في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" صفحتي ٢٢٩، ٢٣٠، فلقد وصف الإمام محمد بن عبد الوهاب وصفا موجزا مفيدا متضمنا لبدء دعوته وفقهه ومصدر علمه.. وهذا مما جعلنى أستحسن نقله، وقد كتبه ابن بدران بمناسبة الكلام على مختصر الإنصاف والشرح الكبير حينما تكلم عن كتب الحنابلة.. قال ابن بدران:
"مختصر الشرح الكبير والإنصاف"
"تأليف العالم الأثري والإمام الكبير محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي، يتصل نسبه بعبد مناة بن تميم التميمي، ولد سنة خمس عشرة ومائة وألف، وقد رحل إلى البصرة
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٥.
[ ٢٥٩ ]
والحجاز لطلب العلم، وأخذ عن الشيخ على أفندي الداغستاني وعن المحدث الشيخ إسماعيل العجلوني وغيرهما من العلماء، وأجازه محدثو العصر بكتب الحديث وغيرها على اصطلاح أهل الحديث من المتأخرين، ولما امتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة وبرع في مذهب أحمد أخذ ينصر الحق ويحارب البدع ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنيفي والشريعة السمحاء، وأعانه قوم أخلصوا العبادة لله وحده على طريقته التي هي إقامة التوحيد الخالص، والدعاية إليه، وإخلاص الوحدانية والعبادة كلها بسائر أنواعها لخالق الخلق وحده، فحبا إلى معارضته أقوام ألفوا الجمود على ما كان عليه الآباء وتدرعوا الكسل على طلب الحق، وهم لا يزالون إلى اليوم يضربون على ذلك الوتر، وجنود الحق تكافحهم فلا تبقي منهم ولا تزر، وما أحقهم بقول القائل:
كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ولم يزل مثابرا على الدعوة إلى دين الله تعالى حتى توفاه الله تعالى سنة ست ومائتين وألف هجرية.
ولقد شهدت الأقطار بعلمية محمد بن عبد الوهاب، وتناقلها المسلمون على مر السنين، وحتى كتاب عصرنا تحدثوا عنه وعن فقهه وعزمه في كتاباتهم سواء أرادوا الكلام عن مواطن حركات الإصلاح أو المصلحين..
ومنها ما قاله الدكتور محمد عمارة في بحثه الذي نشر بجريدة "الخليج" عدد ١١١٠ يوم ٢٨ /٦ /١٤٠٢هـ الموافق ٢٢/٤ /١٩٨٢م.. حيث قال: "في بيئة بدوية بسيطة، هي "نجد" بشبه الجزيرة العربية، ولد ونشأ محمد بن عبد الوهاب (١١١٥- ١٢٠٦هـ) .. وكانت السيادة الاسمية والرسمية على موطنه لخلفاء آل عثمان.
وكان ابن عبد الوهاب سليل أسرة من الفقهاء، أخذ عنهم علوم الدين، كما درس على علماء الحرمين؛ مكة، والمدينة، وظهر نزوعه منذ فجر حياته إلى النهج السلفي الرافض لما طرأ على عقائد الإسلام وعباداته من بدع وخرافات وإضافات.
لقد نظر ابن عبد الوهاب، فوجد عامة الناس يتخذون الوسائل والوسائط شفعاء إلى الله، بل ويتوجهون إليهم بالطلب والدعاء والاستغاثة في الملمات.. كما وجد العبادات قد أصابتها البدع بالنقص والزيادة.. فشابت الشوائب كلا من العقائد والعبادات.
[ ٢٦٠ ]
بدأ ابن عبد الوهاب يدعو إلى إسلام السلف، ويبشر بفكر ابن حنبل، وابن تيمية، وابن القيم، ويركز على إصلاح العقائد، وتصحيح العبادات.. فحكم بالشرك الظاهر والجلي على المتوسلين إلى الله بالأولياء والمشاهد والرموز، بل رأى شركهم أعظم من شرك الجاهلية الأولى "فلقد كان ابن عبد الوهاب أكثر من "شيخ" وأعظم من "فقيه" ومن ثم فإنه لم يشأ أن يقف بدعوته عند رسائل يؤلفها أو مواعظ يلقيها، أو حتى حلقة من الأتباع والمريدين.. لقد أراد أن تكون لدعوته "دولة" تضمن لها الانتشار والاستمرار.. فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وهكذا عاشت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عقول الناس وأفئدتهم وعبرت به كلماتهم وكتاباتهم جيلا بعد جيل؛ لاعتماده على شريعة الدين والدنيا فقها في العقيدة وفي شتى مجالات الحياة.
[ ٢٦١ ]