أنه جعل الدين ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى أعم من الثانية، والثانية أعم من الثالثة.
المرتبة الأولى: الإسلام.
المرتبة الثانية: الإيمان.
المرتبة الثالثة: الإحسان.
وبعد أن بين معنى الإسلام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، وأن الإيمان هو التصديق بالباطن، إذ ذكر مقرونا مع الإسلام- لأن الإسلام؛ إذا ذكر مع الإيمان فالمراد به الأعمال الظاهرة، وإذا أفرد كل واحد منهما شمل الآخر.
وأن الإحسان أخص منهما، وهو لا يحتاج إلى تفسير أوضح مما فسر به الحديث، ثم استدل - ﵀ - على هذه الأصول بحديث عمر بن الخطاب الذي رواه مسلم في صحيحه، وفيه: أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإسلام فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وذكر له الصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم سأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، ثم سأل عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.." إلخ الحديث١.
ثم استدل - ﵀ - على كل مسألة من أركان الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في الحديث وذلك في آية من القرآن، ومن شك في ذلك فليراجع ثلاثة الأصول من المجلد الأول قسم العقيدة من مؤلفات الشيخ والتي طبعتها الجامعة.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب الإيمان جـ١ ص٣٧.
[ ٣١٨ ]
وهذا نموذج مما استدل به على معنى لا إله إلا الله بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١.
ثم بين معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
واستدل على وجوب التوحيد والصلاة والزكاة بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
واستدل على ركنية الصيام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ٤.
واستدل على ركنية الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨. ٢ سورة التوبة آية: ١٢٨. ٣ سورة البينة آية: ٥. ٤ سورة البقرة آية: ١٨٣-١٨٤. ٥ سورة آل عمران آية: ٩٧.
[ ٣١٩ ]
وأركان الإسلام الخمسة المتقدمة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام.. بين الرسول ﷺ بأنها مبنى الإسلام، وجمعها بقوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام" ١.
من حديث ابن عمر - ﵄ - الذي رواه البخاري ومسلم.
فهل يمكن لأحد لديه مسكة من عقل أن ينكر اعتماد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة بعد استعراض هذه الأدلة على أركان الإسلام؟!
واستدل على بعث الناس بعد الموت بقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٣.
وحكم بالكفر على من أنكر البعث، واستدل بقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٤.
فعقيدة الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان. فهل يستطيع إنكار هذه الأدلة إلا كافر معاند؛ لوضوحها ومطابقتها للمستدل عليه، وحكم بوجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
_________________
(١) ١ البخاري: الإيمان (٨)، ومسلم: الإيمان (١٦)، والترمذي: الإيمان (٢٦٠٩)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٥٠٠١)، وأحمد (٢/٢٦) . ٢ سورة طه آية: ٥٥. ٣ سورة الزمر آية: ٣٠-٣١. ٤ سورة التغابن آية: ٧.
[ ٣٢٠ ]
واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١.
والمقصود ببلد الشرك الذي لا يستطيع المسلم أن يظهر فيه شعائر دينه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
ووجه الاستدلال من الآية على وجوب الهجرة واضح؛ وذلك أن الله توعده بسوء المصير، ووصفهم بظلم أنفسهم؛ لأن المسلم لا يصح أن يبقى بين المشركين ذليلًا إلا إذا كان غير قادر، كما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ٢.
كما استدل - ﵀ - على أن أعظم ما أمر به التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٣،
وبقوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٩٧. ٢ سورة النساء آية: ٩٨. ٣ سورة النساء آية: ٣٦. ٤ سورة الذاريات آية: ٥٦-٥٧.
[ ٣٢١ ]
وبقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٢.
وما استدل به من هذه الآيات واضح جلي، وإذا يثبت عند العاقل أن هذه المسألة هي أساس الدين، وأصل دعوة محمد بن عبد الوهاب.
ويتبين له أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يدع إلى شيء مجهول، ولم يأت بشيء من عنده؛ لاتباع ما يقول بالأدلة.
وبين - ﵀ - أن أساس دعوته هي التي من أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٢٣. ٢ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٣ سورة النحل آية: ٣٦.
[ ٣٢٢ ]