وهي أهم دعواته وأجلها مدعومة بالأدلة وبها يتجلى أن دعوة الشيخ مبناها الكتاب والسنة:
قال ابن حجر آل بو طامي "المسائل التي دعا إليها الشيخ ووقع فيها الخلاف بينه وبين الأكثرين":
١- توحيد العبودية: ويقال له توحيد الألوهية وهو الذي بعث الله من أجله الرسل، من نوح ﵇ إلى سيدنا محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
وحيث رأى الشيخ أهل نجد وغيرها كما سبق قد ألهوا قبور الأنبياء والصالحين وبعض الأحجار والأشجار، وصرفوا بعض العبادات إليها، كالنذر والحلف والنحر والاستعانة، والاستغاثة إلى غير ذلك مما لا ينبغي صرفه إلا لله، أنكر عليهم وبين لهم أن العبادة هي طاعة لله بامتثال ما أمر وأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال.
وأفراد العبادة كثيرة منها:
الصلاة والصيام والصدقة والنذر والذبح والطواف والاستعانة والاستغاثة. فمن نذر منها شيئا لغير الله يكون مشركا، قال الله تعالى:
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ٣٦.
[ ٣١١ ]
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
فاتبعه بعضهم واعتنق مبدأه رغبة واختيارًا، وأبى الأكثرون متمسكين بتقليد الآباء والخضوع للعادات، وفشو هذه الأعمال في سائر الأمصار والقرى، وسكوت الكثيرين من العلماء.
٢- التوسل: التوسل قسمان: قسم مطلوب ومرغوب فيه، وهو التوسل بأسماء الله الحسنى وبالأعمال الصالحة، كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم.
والثاني: التوسل المبتدع، وهو التوسل بالذوات الصالحة، كأن يقول الشخص: اللهم إني أسألك بجاه الرسول، أو بحرمة فلان الصالح، أو بحق الأنبياء والمرسلين، أو بحق الأولياء الصالحين.
فنهاهم الشيخ عن القسم الثاني، إذ لم يرد عن الرسول ولا أصحابه ﵃، وهو دعاء- والدعاء عبادة، ومبناها على التوقيف، ويعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع.
وتمسك المجوزون بآيات لا تمت إلى دعواهم بصلة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢.
إن التفسير الوارد عن السلف وأجلاء المفسرين أن ابتغاء الوسيلة يكون بالأعمال الصالحة، كما تمسكوا ببعض أحاديث موضوعة، كحديث توسل آدم بالنبي لما اقترف الخطيئة، وضعيفه كحديث الأعمى، وحديث فاطمة بنت أسد، ولا حجة في موضوع ولا ضعيف.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون آية: ١١٧. ٢ سورة المائدة آية: ٣٥.
[ ٣١٢ ]
٣- منعه شد الرحال: منع من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما جاء في الحديث الصحيح "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ١.
ولم يلتفت الشيخ إلى تأويل المؤولين والمخالفين، كما أن شد الرحال لزيارة الأرحام، أو للسعي وراء الكسب خارج عن دائرة النزاع؛ لأن هذه الأشياء وردت بها أوامر شرعية، وقد سبق الشيخ إلى منع شد الرحال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وابن القيم، والجويني ولد إمام الحرمين من الشافعية، والقاضي عياض. وليس للمجوز أية حجة يصح الاعتماد عليها.
٤- البناء على القبور وكسوتها وإسراجها وما إلى ذلك:
حرم الشيخ البناء على القبور وكسوتها، وتعليق الستور عليها وإسراجها، والكتابة عليها، وإقامة السدنة حولها، وزيارتها الزيارة الشركية التي تنجم منها مفاسد عديدة، كالتمسح بالقبور في جلب نفع أو دفع ضر، واستند الشيخ في منعه وتحريمه إلى أدلة صحيحة من الأحاديث كحديث: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها مساجد" ٢.
وحديث "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد" ٣ إلخ.
وأمر الشيخ بهدم تلك القبب المشيدة اتباعا بالأحاديث الصحيحة، كحديث أبي الهياج الأسدي لما قال له علي ابن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته"٤.
وفقهاء المذاهب الأربعة وغيرها قد سبقوا الشيخ بمنع هذه الأمور وتحريمها، وإن عبر بعضهم بالكراهة في بعض منها، فإنما القصد كراهة التحريم لا التنزيه، والكراهة في القرآن والسنة وعلى لسان السلف تطلق على التحريم.
_________________
(١) ١ رواه البخاري جـ٣ ص٦٣ في كتاب فضل الصلاة، ورواه مسلم في كتاب الحج جـ٢ ص٩٧٥. ٢ رواه الترمذي في أبواب الصلاة ٣/١٣٦ وأبو داود في كتاب الجنائز ٣/٢١٨. ٣ مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) . ٤ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز ٢/٦٦٦ في باب الأمر بتسوية القبر.
[ ٣١٣ ]
(والكراهية بمعنى أنه لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها) اصطلاح حادث لا عبرة له، كما لا عبرة بقول بعض الفقهاء بتحريم البناء على القبر إن كان في أرض مسبلة لئلا تضيق الأرض على الموتى. وإن كان في ملكه بل يكره، وإنما قلنا لا عبرة به؛ لأن الأحاديث مانعة من البناء، والأمر بهدمها عامة. وما أثر عن الرسول ﷺ ما يخصصها.
وليست علة التحريم تضييق الأرض كما زعم أولئك، بل العلة أن البناء يفضي إلى تعظيم المقبور ودعائه من دون الله، وهذا أمر شاهد وملموس لا يقبل الجدل أو النزاع.
٥- توحيد الأسماء والصفات:
قد سبق ما جاء في رسائل الشيخ، أنه في المعتقد على ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الأربعة وغيرهم وهو إثبات الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تكييف، ولم يرق للمخالفين هذا الاعتقاد، حيث كانوا مؤولين ومقلدين للجهم بن صفوان والجعد بن درهم، مستمسكين بشبه فلسفية لا تتفق مع آي القرآن، والأحاديث الصحيحة، ومعتقد الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين، رضوان الله عليهم أجمعين.
٦- إنكار البدع:
أنكر الشيخ البدع والمحدثات في الفروع، كالاحتفال بالمولد، والتذكير قبل الآذان، والصلاة على الرسول بعد الآذان جهرا، والتلفظ بالنية، وقراءة حديث أبي هريرة عند صعود الخطيب إلى المنبر.
كما أنكر طرائق الصوفية المبتدعة، وما إلى ذلك من المبتدعات التي لم يرد في استحبابها عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه.
وقد ألف العلماء قبل الشيخ في إنكار البدع والمحدثات، كابن وضاح، والطرطوشي، والشاطبي.
[ ٣١٤ ]