ومن تأليفاته ﵀ "مسائل الجاهلية" التي خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، عما لا غنى للمسلم عن معرفتها، فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء. فأهم ما فيها وأشدها خطرا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ﷺ، فإن أضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية، لحقت الخسارة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.
وننقل لك أيها القارئ نموذجا من هذه المسائل لتتأكد من اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة في جميع مؤلفاته:
المسألة الأولى: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادتهم لهم، يريدون بها شفاعتهم عند الله لظنهم أن الله يحب ذلك، وأن الصالحين يحبونه، كما قال تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٥٢. ٢ سورة يونس آية: ١٨.
[ ٣٤٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ، فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص، وأخبر أن من فعل ما استحسنوا فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.
وهذه المسألة تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٢.
المسألة الثانية: أنهم متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٣
المسألة الثالثة: أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ومهانة.
فخالفهم رسول الله وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك وأبدى فيه وأعاد.
وهذه الثلاث جمع بينها الرسول في الصحيحين أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا:
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٣. ٢ سورة البقرة آية: ١٩٣. ٣ سورة المؤمنون آية: ٥٣، وسورة الروم آية: ٣٢.
[ ٣٤٣ ]
أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" ١.
ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها، فهذه المسائل الثلاث من مائة وثمان وعشرين مسألة كلها على هذا النمط من حيث الاستدلال بالكتاب والسنة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية حديث رقم ١٧١٥ جـ٣/١٣٤٠ وليس فيه (وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)، وأخرجه مالك في الموطأ بهذا اللفظ في كتاب الكلام حديث ٢٠ ج٢/٩٩٠.
[ ٣٤٤ ]