ولما تقدم - على قلته - تصورنا ظلمة "نجد" الاعتقادية والعملية، وإن وجد أفراد متمسكون كالأفراد الذين وجدهم الرسول متشبثين بملة إبراهيم، ولكن الحكم للسلطة والأغلبية، وأيضا بتصور هذه الحالة السيئة للعالم الإسلامي ولعالم الجزيرة ونجد خاصة التي يسكنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يتضح لنا السبب الباعث لقيام الشيخ بهذه الدعوة إلى التوحيد وصرف الناس إلى محبة الله وحده، وتعريفهم بعظم ما أمر الله به ليمتثلوه، وتحذيرهم عن الوقوع في أعظم ما نهى الله عنه وهو الشرك.
وهذه سجية كل عالم بالله وبكتابه وبشرع نبيه.
فأنار الله بصيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلم ير السكوت على هذه المنكرات التي هي معصية لله، فدفعته عقيدته وعلمه لإنقاذ هؤلاء الفقراء من اتباع الشيطان والهوى وردهم إلى الصواب وسلوكهم سلوك المصطفى.
والخلاصة أن الباعث إلى قيام الشيخ بهذه الدعوة ما يأتي:-
أولا: امتثالا لأمر ربه ولرسوله ولأتباعه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
ثانيا: تنزيه الله عما لا يليق بجلاله وعظمته على حد قوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ١٠٨. ٢ سورة يوسف آية: ١٠٨.
[ ٢٦٦ ]
ثالثا: لينجو من الخسران المحكوم به على الإنسان بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١.
رابعا: ليحصل على فضل الدعوة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
خامسا: امتثالا لقول رسوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٣.
سادسا: رحمة بهؤلاء القوم من أن يقذف بهم الشيطان معه في النيران، لقول الرسول ﷺ: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ٤.
سابعا: رغبة في قول الرسول ﷺ: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ٥.
ثامنا: طلبا للخير لقول الرسول: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٦.
تاسعا: امتثالا لقول الرسول ﷺ: "بلغوا عني ولو آية" ٧.
عاشرا: ليحظى بدعوة عباد الرحمن.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة العصر آية: ١-٢-٣. ٢ سورة فصلت آية: ٣٣. ٣ رواه البخاري ١/٥٦-٥٧ في كتاب الإيمان، ومسلم ١/٦٧. ٤ رواه الترمذي ٤/٣٢٤ في كتاب البر والصلة، وأبو داود ٤/٢٨٥. ٥ البخاري ٦/١١١. ٦ البخاري ٩/٧٤. ٧ البخاري ٦/٤٩٤ في كتاب الأنبياء. ٨ سورة الفرقان آية: ٧٤.
[ ٢٦٧ ]
الحادي عشر: تنفيذا لأمر الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ١٢٥.
[ ٢٦٨ ]