الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا وقدوتنا محمَّد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى أزواجه وأصحابه أجمعين، والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد، فلا شكَّ أنَّ الحديث عن خيْرِ القرونِ محبَّبٌ إلى النَّفس، ويلامسُ القَلْبَ، ونتسَّمُ من خلاله عرفًا طيِّبًا نديًّا؛ كيف لا وهو ينقلنا إلى بيت النُّبوَّة، فنسمع أَقْوالَ النَّبيِّ - ﷺ - وتوجيهاتِه وحركاته وسكناته وما يحبّه وما يكرهه، ونعرف أسْلُوبَ حياته مَعَ أقاربه وجيرانه وزوجاته وبناته وأصحابه، نعرف عنه ما لا نعْرفه عن أنْفسنا.
نعم إنَّه حديث محبَّبٌ للنّفوس لأنَّه ينقلنا إلى أَرْوقةِ المدينة وميادين الجهاد الَّتي كان رسُولُ الله - ﷺ - يخوضُ حُروبَهُ فيها، وإلى سَاحَاتِ الأسْواقِ الَّتي يتاجِرُ فيها.
وفي هذا الكتاب الَّذي جَعَلَ الباحِثُ الفاضِلُ الأستاذ أحمد محمود الشّوابكة محْوَرَه العامّ الحديث عن الصَّحابة الكرام الَّذين يعدّون الحلقة الأولى الَّتي تلقَّت الوحيَ ونقلته عن الرَّسول - ﷺ -، ومحوره الخاصّ الحديث عن إحدى سيِّدات النُّبوَّة عن الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، الّتي كانت تمثِّلُ جانبًا من جوانبِ مشاركة المرأة المسلمة في الدَّعوةِ والسِّياسة والتَّعليم والتَّوجيه والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر وفق رؤى اجتهاديَّة منهجيَّة تمثِّلُ مرحلة مِنْ مَراحلِ النُّضج العلميّ والفكريّ وصلت إليها السَّيِّدة عائشة وسائر نساء وسيّدات هذا البيت الطَّاهر.
[ ٤ ]
كما تمثِّلُ السَّيِّدة عائشة ومن معها من الصَّحابة الَّذين كان لهم أثرٌ وفاعليّة في الحياة العامَّة في ذلك الجيل أنموذجًا حيًّا للتربية النَّبويَّة المباشرة؛ فهي زوجه وملازمته، وهي أصْغرُ نساء النَّبيِّ - ﷺ - سِنًّا، وأكثرهنَّ رواية، ولعلَّ الحكمة من اجتماعِ هذه الصِّفات وغيرها في أمِّ المؤمنين عائشة - ﵂ - جليَّة، فَمَنْ سيروي الأحاديثَ المتعلِّقة بالحياة الخاصَّة للرَّسول - ﷺ - وأسرته، ومن سيلاحِظُ دقائقَ الأمور إن لم يكنْ في مثْلِ سنِّها - ﵂ -، وفي مثْلِ ذكائها، ومَنْ ستكون لها القوَّةُ والجرْأَةُ لِتحاوِرَ وتأْمُر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقول رأيها بكلِّ قوَّة لما تعرفه مِنْ أَمْر النَّبيِّ - ﷺ - غيرها - ﵂ -؟ إنَّها مسْأَلة اختيار واصطفاء وتقدير من الله ﷾.
لا أقولُ مِنَ العجب، بل مِنْ غير المعقول ومِنْ أَغْرب الغرائب أنْ ينبري نفرٌ للتَّطاول على هذه السَّيِّدة على أمِّ المؤمنين ﵂ وعن أبيها، غافلين أو متغافلين عن:
ـ مكانتها عند الرَّسول - ﷺ - ومحبَّته الكبيرة لها والَّتي تحدَّث عنها - ﷺ - بكلِّ صراحة ووضوح؛ ليضرب المثل الأعلى في الكمال البشريّ، حيث سُئِلَ - ﷺ -: "مَنْ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ".
ـ أنَّ القرآن الكريم نزل في بيتها بل والرَّسول - ﷺ - نائم في فراشها ورأسه في حجرها وعلى صدرها.
ـ أنَّها بنت الصِّدِّيق - ﵁ -، الّتي حَفِظَ الله تعالى بها كثيرًا من سُنّة رسوله - ﷺ -
[ ٥ ]
ـ أنَّه قد ثبت لها وصْفُ لقب أمّ المؤمنين الوارد في قوله الله أكبر: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ [الأحزاب] فلها حقوق أمَّهات المؤمنين.
أ. د. عبد النّاصر أبو البصل
رئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة
٢٣/جمادى الأولى/١٤٣٣ هـ
الأحد/١٥/نيسان/٢٠١٢ م
[ ٦ ]
تقديم