الْحَمْدُ لله حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، والصَّلاة والسَّلام على الرَّحمة المهداة سيِّد الأنبياء والمرسلين محمّد - ﷺ -، وعلى ذُرِّيَّتِه وأزواجه وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان.
وبعد، فما أحوج الأمَّة الإسلاميَّة في هذه الأزمنة الَّتي تموج فيها الفِتَنُ إلى الدُّعاة الَّذين يرفعون لها رَايَاتِ النَّجاة! وتعلو صيحتهم بالحقِّ على الباطل ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ (١٨)﴾ [الأنبياء].
لقد كثرت في هذه الآونة الأبواق التي تدقُّ نواقيس الفتن بين المسلمين، والكل يدَّعي حبَّه لرسُولِ الله - ﷺ - وآله والتَّمسك بهديه، ولا أدري كيف تستقيم أو تصحُّ هذه المحبَّةُ مع النَّيل مِنْ صحابته الكرام، وأزواجه، وهنَّ أمَّهات المؤمنين بنص القرآن؟!
ولم يحسن بعض أهل العلم مُجَادلةَ هؤلاءِ بالَّتي هي أحسن، مع أنَّ الله تعالى قد أمر أنْ يُجَادَلَ أَهْلُ الكتابِ بالَّتي هي أحسن، فكيف بمجادلةِ مَنْ جعلهم الله تعالى أولياء لبعضهم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (٧١)﴾ [التّوبة]، وبِمَنْ وصفهم الله تعالى بأنَّهم رُحَماءُ بينهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ .. (٢٩)﴾ [الفتح].
ولا يغرب عن البال أنَّ فريقًا مِنَ المسلمين مِن هذا وذاك لا يقرُّ هذا النَّهج الَّذي يعرفه الخاصَّة والعامَّة.
[ ٧ ]
وإذا كان هذا هو الحال فلا سبيل لِنَبْذِ الفتنة إلا أن يتصدَّى لها نَفَرٌ مِنَ العلماء والدُّعاة المخلصين بالحكمة والموعظة الحسنة، فإنَّها هي الكفيلة بإذن الله بوأْدِها وقطع دابرها.
وقد جاء هذا الكتاب "الأثر الثمين في نصرة عائشة - ﵂ - أم المؤمنين" ليعلي رايةً للإصلاح، ويجيب على ما أُثِير حولها - ﵂ - وحول الصحابة - ﵃ - من شُبُهات وافتراءات بالحكمة والكلمة الطيَّبة، معتمدًا الحجَّة والدَّليل من القرآن الكريم، وما صَحَّ مِنْ حديث سيِّد المرسلين.
فبعد أن بيَّن ما لأزواج النَّبيِّ - ﷺ - من مكانة وفضل، خصَّ السَّيِّدة عائشة ﵂ وعن أبيها بمزيد من البيان، فهي قطب الرَّحى وواسطة القلادة، وأردف بالحديث عن مكانة الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وذكر الفتن وأسبابها وسُبُلَ النَّجاة منها.
ولما كانت هذه هي الغاية مِنَ الكتاب، فإنَّه لا يضيره عدم التَّوسُّع في الحديث عن فقه السيدة عائشة - ﵂ -؛ فإنَّ تناوله يضاعف حجم الكتاب أضعافًا مضاعفة.
وإنَّه لمنهج أحكم الباحث سبكه وأحسن نظمه قَصْدَ الدَّعوة إلى الإصلاح والتَّحذير من السَّير في ركاب الفتنة، وقد أتى على موضوعات البحث بعبارة أدبيَّة رصينة تأخذ بالقلوب، وبحجج تستجيب لها العقول، كلّ ذلك مِنْ غير إِيجاز مخلٍّ أو إِطْناب مملٍّ.
فالله تعالى أسأل أن يثيب الأخ الأستاذ أبا عبيدة أحمد وأن يجعله في ميزان
[ ٨ ]
حسناته وأن ينفع به وبعلمه آمين، والحمد لله رب العالمين.
أ. د. محمود علي السرطاوي
أستاذ الفقه المقارن
نائب رئيس جامعة العلوم الإسلامية العالمية
وعميد كلية الشريعة /الجامعة الأردنية سابقًا
السّبت/١٠/ربيع الثّاني/ ١٤٣٣ هـ
٤/ آذار/ ٢٠١٢ م
[ ٩ ]