ولَّد المولِّدون، ووضع الوضَّاعون أحاديث كثيرة يطعنون بها على عائشة - ﵂ - وغيرها حتَّى شبعوا من لحوم الغوافل، وأذاعَ وأشَاعَ هذه الأخبار مَنْ ضيَّع وأضاع، ولعمر الله لو تابوا وأصلحوا لكان خيرًا لهم، فويل لآكلي لحوم النَّاس،
_________________
(١) الألباني "التّعليقات الحسان على صحيح ابن حبّان" (ج ١٠/ص ١٨٠/رقم ٧٠٥٢).
(٢) الحاكم "المستدرك" (ج ٤/ص ١٠) كتاب معرفة الصّحابة، وقال الحاكم: الحديث صحيح ولم يخرّجاه، ووافقه الذّهبي.
[ ١٥٥ ]
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة].
ومِن هذه الأحاديث: " خذوا شَطْرَ دينكم عَنْ هذه الحميراء " (^١) وهو موضوع، ومنها حديث: "يا حميراء، لا تغتسلي بالماء المشْمِس، فإنَّه يُورِثُ البرص" (^٢). وحديث: "يا عائشة، اتخذت الدُّنيا بطنك؟! أكثر من أكلة كلّ يومٍ سرف، والله لا يحبُّ المسْرِفين" (^٣). وحديث: "يا عائشة، اهجري المعاصي، فإنَّها أفْضَلُ من الهجرة، وحافظي على الصَّلاة، فإنَّها أفْضَلُ مِنَ الجهاد" (^٤).
ومنها أنَّ رَسُول الله - ﷺ - دخل على عائشة وفاطمة، وقد جرى بينهما كلام، فقال - ﷺ -: "ما أَنْتِ بمنتهية يا حميراء عن ابنتي؟ إنَّ مثلي ومثلك كأبي زرع مع أم زرع " (^٥). ومنها: "إذا أردت اللّحوق بي، فليكفك مِن الدُّنيا كزاد الراكب، وإيَّاكِ ومجالسةَ الأغنياءِ، ولا تستخلقي ثوبًا حتى ترقعيه" (^٦). وهناك أحاديث
_________________
(١) الألباني: " الضّعيفة " (م ١٤/ص ٧٦/رقم ٦٥٣٢) وقال الألباني: منكر.
(٢) ابن القيم "المنار المنيف" (ص ٥٧) وهو حديث باطل.
(٣) الألباني: " الضّعيفة " (ج ١/ص ٤٢٣/رقم ٢٥٧)، وقال: موضوع.
(٤) الألباني: " الضّعيفة " (ج ١١/ص ٢٠١/رقم ٥١١٩) وقال: منكر.
(٥) الألباني: " الضّعيفة " (م ١٤/ص ٧٦/رقم ٦٥٣٢) وقال الألباني: منكر.
(٦) التّرمذي: "ضعيف سنن التّرمذي" (ص ٢٠١) كتاب الّلباس، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من حديث صالح بن حسّان، وصحّحه الحاكم في "المستدرك" (ج ٤/ص ٣١٢) وفي سنده سعيد بن محمّد الورَّاق، قال عنه الحافظ: ضعيف "تقريب التّهذيب" (ص ٢٤٠/رقم ٢٣٨٧)، وقال الذّهبي في تلخيص المستدرك: الورّاق عَدَم. وأورده الألباني في: " الضّعيفة " (ج ٣/ص ٤٥٧/رقم ١٢٩٤) وقال: ضعيف جدًا.
[ ١٥٦ ]
أخرى، وفيما ذكرنا غِنَى لمن وَعَى وارْعَوى.
هذا وليس أبغض إلى الوضَّاعين مِن أهل الحديث، الَّذين نخلوا الرِّوايات
وميَّزوا الطَّيِّبَ مِن الخبيث، وقد أحسن القائل:
أَهْلُ الْحَدِيثِ هُمُ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفَاسَهُ صَحِبُوا
فطوبى لأهل الحديث الَّذين دعا لهم رسولُ الله - ﷺ - بالنّضرة، فقال: " نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ منه" (^١).
ويا حسرة على مَن يظنّ أنَّ الكذب يفيء عليه مغنمًا، أو أنَّ الصِّدق يخسر فيه درهمًا، أو يجرّ عليه مغرمًا؛ فلو جاء يوم القيامة بكلّ معذرة يعتذر بها ما تقبّل منه، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة].
ويفتّ في عضدك، ويقلق مرقدك، أن تجد مَنْ يتأشَّب إلى الوضَّاعين الّذين مَا اشْتَمَلَتِ النِّسَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَكْذَبَ مِنْهم، ويقتفي أثرهم وينشر خبرهم.
لقد خسر الَّذين اكتتبوا هذه الأحاديث، ويمّموا وجوه النَّاس إليها، وجعلوا كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ - وراء ظهورهم: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة].
أين تذهب عنهم هذه الآيات: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس]، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ (١٢)﴾ [يس]، ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١٦/ص ٣٢/رقم ٢١٤٨٢) وإسناده صحيح.
[ ١٥٧ ]
عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية]. فليحذر الَّذين يبغون الغوائل، ويخلطون الحقَّ بالباطل، فعملهم إلى بوار، ومصيرهم إلى القهّار ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فاطر].