أمَرَنا الله تعالى بالتَّثبُّت مِنَ الأخبار والآثار، وألَّا نرْكَنَ إليها حتَّى يَظْهرَ صِدْقُها، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات] كما أمر النَّبِيُّ - ﷺ - كُلَّ أَحَدٍ بالتَّثبُّت فيما يحكيه، والاحتياط فيما يرويه، فقال - ﷺ -: " كَفَى بِالمرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (^١).
فلا يجوز لمؤمن أن يروي أيَّ خَبَر إلَّا عن ثِقَة مَحْض، ولا أنْ يحدِّثَ بأمر إلَّا بعد أنْ يتوقَّفَ فيه ويعرف حال راويه، فالإسلام جعل الكلمة مسؤوليّة، قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصّافات] أي عن أفعالهم وأقوالهم.
وإذا كان مِنَ الكذب أنْ يحدِّثَ المرْءُ بكلِّ ما سمع دون أن يتحقَّق، فمقتضى ذلك أنَّ من الكذب كذلك أن يذيع كلَّ ما يقرأ، لا يبالي مِنْ أين أخذه وفيما نشره.
والكذب: هو الإخبار عن الشَّيء بخلاف ما هو في حقيقة الأمر، ولا يشترط فيه القَصْد والعَمْد، لكن العمد شرط للإثم، كما أخبر النَّبيُّ - ﷺ -: "ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (^٢).
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ١/ج ١/ص ٧٣) المقدّمة.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ١/ج ١/ص ٣٦) كتاب العلم.
[ ١٣٥ ]
فلا تأْخُذْ كلامًا على عَواهِنه مِنْ غير سَنَدٍ ولا دليل، ولا تَقُل قَال - ﷺ -، والنَّبيُّ - ﷺ - لم يَقُل، ولا تكن عونًا للكذَّابين على نشر كذبهم على رسول الله - ﷺ -، فتكون أحد الكَاذِبِين.
وكم رجُلٍ يجادلك بخبرٍ سمعه، أو بقولٍ قرأه، أو بحديث ذُكِر له، أو برواية لا سَنَدَ لها، أو لا ثَبْتَ فيها، وهو يجهلُ أنَّ الله تعالى جعل لنا قاعدةً نركنُ إليها، وآيةً نأوي إليها، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٦)﴾ [الحجرات]، فنحن لا نقبل كلامًا إلَّا بدليل جَازِم وبرهان حَازِم، ومن لم يتبيَّن الدَّليل ضلَّ السَّبيل، قال الزَّنْجَانِيّ:
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله وَاتْبَعِ الْأَثَر وَدَعْ عَنْكَ رَأْيًا لَا يُلَائِمُهُ خَبَر
وقد رأيتُ خَلْقًا يحدِّثون بأحاديث منكرة، وبرواياتٍ مكذوبةٍ، أسانيدها ظلمات بعضها فوق بعض، ولا يقبلون جَرْحًا ولا تعديلًا، فيا ضَيْعَةَ جُهُودِ عُلماءِ الحديث، الَّذين نَخَلُوا الصَّحيح مِنَ الضَّعيف، وميَّزوا الطَّيب من الخبيث!
وكم من رَجُلٍ يجادلك في آية، وقد نَصَّبَ نَفْسَه إمامًا في التَّفسير، وهو لا يعرف القواعدَ الَّتي يحتاجُ المفسِّرُ إليها، فهو يجهل أنَّ المفسِّرَ يحتاج إلى معرفة: اللُّغة، والنَّحو، والصَّرف، والاشتقاق، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وعلم القراءات، وعلم أصول الدِّين، وعلم أصول الفقه، وعلم أسباب النُّزول، وعلم النَّاسخ والمنسوخ، ومعرفة الأحاديث المبيِّنة لتفسير المجمل والمبهم وهذه العلوم كان يعرفها الصَّحابة والتَّابعون بالطَّبع، وطال على كثير من أهل زمانِنا معرفتها بالطَّبع أو الاكتساب.
[ ١٣٦ ]
وكم رجلٍ يجادلك في حديث، وهو لا يدري أنَّ عِلْمَ الحديث رواية ودراية لو أنفق عمره ما أدرك لَه نهاية، ومع هذا تجده لا يتورَّع عن غَمْزِ ولمز العلماء، ولو أنَّه نظر في كُتُبِهم لَعَدَّ نفسه من الصُّمِّ البُكْم الَّذين لا يعقلون، ولكن شَقَّ عليه الغوصُ في بحارهم الزَّاخرة، وبعدت عليه الشُّقَّة، فتخلَّف وناصبهم العداوة.
ومِن العَجَبِ العُجَاب، وممَّا يمزِّق الأفئدة ويدمي قلوب ذوي الألباب، أن تجد مَنْ يَكْذِب على أمِّ المؤمنين عائشة - ﵂ - والصّحابة - ﵃ -، ويتفيهق ويملأ جوفه بالكلام؛ إظهارًا لفضيلته، وتزكية لنفسه، على حساب مَنْ زكَّاهم الله تعالى ورسوله - ﷺ -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ (٤٩)﴾ [النّساء].